حوار بين خبير اقتصادي وموظف مالي حول الفساد الاكبر من البداية الى النهاية

شهر واحد أسبوعين ago

فاروق يونس

الموظف المالي موجها كلامه الى الخبير: استاذ هل بإمكانكم تسليط الضوء على مفهوم الفساد وبالذات حول ما يسمى بالفساد الاكبر؟ وما هي المعاملات التي تجتذب الفساد الاكبر وكيف تتوطد العلاقة بين الراشي ولنقل بين شركة كبرى من الشركات متعددة الجنسيات وبين المرتشي من الاشخاص المتنفذين في دولة نامية، وباختصار رجاء؟

الخبير: أولا، لنبدأ بتعريف الفساد كما ورد في موسوعة العلوم الاجتماعية[1] وهو (سوء استخدام النفوذ العام لتحقيق ارباح خاصة). وهذا التعريف يستبعد الرشاوى التي تحدث فيما بين القطاع الخاص.

وفيما يخص سؤالك عن الفساد الأكبر فإنه يشير الى الرشوة الكبرى التي يشارك فيها مسؤولون على مستويات رفيعة، وزراء ورؤساء دول، ويمثل هذا النوع من الفساد خطرا كبيرا. ويعد الفساد السياسي جزءاً من الفساد الكبير حيث يقوم بعض القادة السياسيين وكبار المسؤولين بتخصيص الاموال العامة للاستخدام الخاص وكذلك اختلاس وتلقي الرشاوى.

والى جانب الفساد الكبير هناك الرشوة المحدودة التي يشارك فيها، على سبيل المثال، موظفو الكمارك. وعادة ما تكون الرشوة المحدودة بسبب التعجيل في انجاز اجراءات روتينية. ولا يخفى عليكم فإن الرشوة المحدودة تضر بحياة المواطن العادي، أما الرشوة الكبرى فيمكنها ان تؤدي الى تدمير دول، وإذا تفشت الرشوة الكبرى يضيع الامل في إحكام الحصار حول الرشوة المحدودة (انظر مقال جورج مودي ستاورت**- تكلفة الفساد- الاصلاح الاقتصادي اليوم – النسخة العربية – العدد الثاني).[2]  يقول جورج مودي ستاورت في مقاله (هناك ثلاثة معايير في تحديد انواع المبادلات التي تجتذب الرشوة الكبرى اولها، حجم الرشوة فاذا لم يكن حجم المشروع او موضوع التبادل كبيرا بما فيه الكفاية لا يوجد داع للاهتمام به؛ وثانيهما، فورية المكافأة حيث ان الحصول على الرشوة على مدى سنتين او ثلاث سنوات لا يعتبر حافزا حقيقيا؛ وأخيرا، عدم الوضوح فكلما زاد تعقيد وتقنية موضوع المعاملة كلما قلت احتمالات اثارة الأسئلة بشأنها). وبتطبيق تلك المعايير تزيد احتمالات الرشوة في المعاملات المرتبطة بما يلي:

–     المعدات العسكرية، الطائرات والسفن واجهزة الاتصالات.

–     السلع الرأسمالية المستخدمة في المشروعات الصناعية والزراعية الكبرى والمشروعات الكبرى التي تتضمن اعمال الهندسة المدنية (مثل السدود والكباري-الجسور والطرق السريعة.

–     تراخيص الصناعات الاستخراجية.

–     رسوم الاستشارات.

–     المشتريات الحكومية الكبرى مثل مشتريات قطاع البترول وصناعات الاسمدة والاسمنت والكتب المدرسية والمستحضرات الدوائية.

(جورج مودي ستاورت – مصدر سابق).

الموظف المالي: لكن الا ترى بان هناك صعوبة في تحقيق الاتصال او اللقاء المباشر بين ممثلي الشركات العالمية وبين كبار المسؤولين في الدول المختلفة المتقدمة والنامية؟

الخبير: نعم يذكر (ستاورت) في مقاله المشار اليه في اعلاه (يعتبر الوكيل او الممثل المحلي عنصرا اساسيا من عناصر الفساد الاكبر حيث تقوم الشركات الكبرى بتعين وكيل لهم يكون عادة من الاعضاء البارزين على مستوى المجتمع المحلي ويقدمون له في العادة عمولة كبيرة تتراوح بين ١٠ و ٢٠ بالمائة إذا نجحوا في الحصول على أحد العقود وبذلك لا تكون للشركة الكبرى علاقة مباشرة غير سليمة مع متخذي القرار كما ان مديري الشركات لا يحتاجون الى معرفة حجم العمولة التي اقتطعها الوكيل من عمولته الاساسية لصالح آخرين).

الموظف المالي: هل يمكن بيان مدى الضرر الذي يسببه الفساد الاكبر؟

الخبير: اولا، الزيادة الكبيرة التي تطرأ في تكلفة المعاملة فاذا قلنا ان قيمة الرشوة 10 بالمائة فإن البائع لن يتكبل جزء كبير منها وسيضمنها في السعر الذي عرضه وربما يضمن السعر مبلغا أكبر من قيمة الرشوة. ثانيا، اختيار موردين غير مناسبين وشراء سلع غير ضرورية.  وثالثا، يجب ان لا ننسى الضرر الاخلاقي الذي لا يقل خطورة عن الضرر الاقتصادي.

الموظف المالي: يبدو ان كلمة الفساد تحمل الكثير من المعاني (مثل خيانة الامانة والبعد عن الاستقامة او الفضيلة او المبادئ الاخلاقية والبعد عن ما هو أصلي او نقي او صحيح والتحريض باستخدام وسائل غير سليمة او غير قانونية ولكن هناك من يزعم بان الفساد جزء من الثقافة الاسلامية.

الخبير: أستطيع ان أرد على هذه المزاعم بان الدين الاسلامي يضع الفساد ضمن الكبائر حتى انه يحرم اخذ الفائدة (الربا) ومع ذلك هناك اختلاف في وجهات النظر في مختلف انحاء العالم حول توظيف الاقارب – محاباة الأقارب وإرساء المناقصات على مجموعات معينة واساءة استخدام المعلومات المهمة في بيع وشراء الاسهم.

الموظف المالي: هناك مشكلة الفساد في المناقصات العامة في كثير من الدول النامية.

الخبير: نعم، تلجأ الحكومات في الدول النامية الى القطاع الخاص لتوفير ما تحتاجه من السلع والخدمات عن طريق المناقصات العامة او الدعوة المباشرة الى عدد محدود من المجهزين لتوفير سلعة معينة او تقديم خدمة وفقا لشروط معينة ومن الضروري وضع اعلى المستويات من المعايير الاخلاقية للأشخاص المسؤولين عن المناقصات العامة، كما ينبغي الافصاح عن الاصول المملوكة للموظفين المسؤولين عن المناقصات.

الموظف المالي: هل يمكن اعطاء فكرة عن الفساد المالي والاداري بعد احتلال العراق عام ٢٠٠٣.

الخبير: كما لا يخفى عليكم فإن الفساد المالي والاداري ظاهرة عالمية لا يوجد مجتمع خالي من الفساد ولا توجد حكومة نظيفة وجوابا على سؤالك اقتطف ما يلي من مقال الدكتور مدحت كاظم القريشي الموسوم بـ “الفساد الاداري والمالي في العراق اسبابه وتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية وسبل مكافحته” حيث يقول: (مع بداية الاحتلال الامريكي للعراق في عام ٢٠٠٣ لوحظت مظاهر الفساد الاداري والمالي وعلى نطاق واسع مع مجيء سلطة الائتلاف المؤقتة حيث بدأنا نسمع بالعديد من مظاهر التصرف الكيفي مما دفع الكونغرس الامريكي لتأسيس دائرة للمفتش العام الامريكي في السلطة المذكورة وذلك في شباط من عام ٢٠٠٤ اي بعد انتهاء فترة سلطة الائتلاف المؤقتة وقد رافقت مظاهر الفساد آلية صرف الاموال المخصصة لتمشية امور البلد وكذلك مساعي ما سمي بإعادة الاعمار في العراق سواء بالنسبة للأموال المخصصة من قبل الجانب الامريكي او الاموال العراقية. ومن جملة الوقائع الواردة في تقرير المفتش العام الآتي:

  • قيام العراق بتسديد الاموال لاحد المتعاقدين مرتين على نفس العمل

  • السماح لاحد المسؤولين الامريكان بالتعامل مع ملايين الدولارات نقدا حتى بعد طرده من العمل لعدم كفاءته.

  • تم صرف ٨٩ مليون دولار من مجموع ١٢٠ مليون دولار خصصت لمشاريع بدون عقود او وثائق ونحو ٧/٢ مليون دولار لم يتم التعرف على كيفية صوفها.

ويشير تقرير المفتش العام بالتفصيل الى الفشل الاداري الممنهج وانعدام الاشراف وممارسات الغش والاختلاس من جانب المسؤولين الامريكان الذين كانوا يديرون جهود اعادة الاعمار.

الموظف المالي: شكرا جزيلا.

الخبير: اشكرك.

(*) خبير اقتصادي سابق في غرفة تجارة بغداد

(**) جورج مودي ستيوارت رئيس الفرع البريطاني للشفافية الدولية أمضى بضع سنوات في الكاريب وافريقيا وجنوب المحيط الهندي كالرئيس التنفيذي لعدة شركات زراعية/صناعية متعددة الجنسيات وهو خريج جامعة كامبريدج وحصل على دبلوم القانون الدستوري في جراي ان.

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر. 27 آيار 2020

http://iraqieconomists.net/

[1] ميشيل مان (محرر)، عادل مختار الهواري (مترجم)، سعد عبد العزيز مصلوح (مترجم)، موسوعة العلوم الاجتماعية (الكويت: مكتبة الفلاح، 1994). (إضافة من المحرر)

[2] George Moody-Stuart, How Business Bribes Damage Developing Countries, WorldView Publications, 1997. (إضافة من المحرر)