فنانون فطريون عراقيون في مواجهة "فن الرثاثة" و "رثاثة الفن" لنهب المال العام!

عبد الكريم ناصر منصور الغريباوي
شهر واحد أسبوع واحد ago

علاء اللامي

في هذه المقالة سأعرف جيلَ الشباب ببعض رموز الفن الفطري العراقي نحتا ورسما، ممن وجدت شيئا من المعلومات عنهم على النت ونسقتها بتصرف أسلوبي طفيف، ليكون هذا التعريف بهم صرخة احتجاج ضد سيطرة الرثاثة الفنية المحمية بحكم الطائفية السياسية المطابق لها في الرثاثة والفساد وانعدام الذوق لدى الزمر الحاكمة وحاشيتها: في ستينات وسبعينات القرن الماضي وما بعدهما نشأت وراجت ظاهرة الفن الفطري والفنانين الفطريين، وكانت موجودة وغير ملحوظة قبلا بزمن طويل، واشتهر بعض منهم في السبعينات خصوصا. وهؤلاء فنانون شعبيون لم يدرسوا الفن وليس لهم أي تحصيل علمي ودراسي فني وكانوا يرسمون وينحتون بتلقائية وطلاقة لا تخلوا أعمالهم من بعض الغموض والأخطاء الأكاديمية أحيانا لأنهم لم يدرسوا النسب والتشريح الفني وماهيات وعلاقات الألوان والكتل والتكوينات...إلخ. وفي السبعينات، تعرفت على والدة الصديقين الفنانين فلاح ويوسف غاطي وهي نحاتة فطرية لها أعمال جميلة شاهدت بعضها، ولا أتذكر جيدا إن كانت قد عرضتها في معرض فني شخصي آنذاك أم لا. ومن الفنانين الفطريين المعروفين في هذا الباب أعرف هنا بـ:

منعم فرات

1-النحات العراقي الفطري منعم بربوت وادي الجنابي، الذي اتخذ له اسما فنيا هو "منعم فرات". ولد عام 1900 في محلة باب الشيخ ببغداد، وتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم عن طريق الكتاتيب. كان فلاحا وبائعا للأغنام في شبابه، إلا انه ترك الفلاحة لينتقل للعمل كعامل في عدة مجالات ككاسب.

*شارك منعم فرات في مهرجان الفن الفطري العالمي بإيطاليا عام 1966 بعرضه لعشرة أعمال نحتية متنوعة بموضوعاتها وتقنيتها البسيطة ونالت إعجاب مَن حضر المعرض. وتضمنت تلك الأعمال النحتية أشكال طيور وحيوانات وكائنات خرافية وموضوعات أخرى ذات طابع انساني، ونال الفنان في هذا المهرجان عدة جوائز منها شهادة دبلوم وجوائز أخرى تثمينا لأعماله.

*كما تحصل منعم فرات على الجائزة الاولى بدرجة ممتازة في المهرجان الدولي الثالث للفنون الفطرية الذي أقيم بمدينة (براتسلافا) في تشيكوسلوفاكيا في شهر أيلول - سبتمبر سنة 1972 وشارك فيه خمسة وخمسون فناناً. وقد حظي هذا الفنان باهتمام ودعم كبيرين من الفنان نوري الراوي وتلقى منعم فرات دعوة في الخارج للمشاركة في المعرض الدولي للفن الفطري في أوربا، ولكن القدر حرمه من المشاركة، إذ توفي بحادث دهس بالسيارة، فقام الفنان نوري الراوي بإتمام إيصال أعماله للمشاركة قبل بدء المعرض بعد وفاته مباشرة، وحاز على الجائزة الأولى، ولكن للأسف فقد حصدته المنية قبل أن يحصد هو جائزته وفرحته بالفوز.

*كتب عنه الناقد الإيطالي البرتو جاتيني (منعم فرات اختار بمفرده طريقه الذي يقوده نحو غاياته الفنية، هذا الاختيار انبثق من أعماق نفسه الأصيلة، وأول عمل قام به هو رفضه لأي شكل ولأي تأثير أوروبي، سواء كان ذلك في التكنيك أو في الشكل الظاهري، ففضل في عمله الفني مستوحيا الماضي بكل ما فيه من جلال...)

*قال عنه النحات العراقي الراحل محمد غني حكمت (إن أعمال منعم فرات أصبحت وستصبح أمثولة لأكثر من فنان عراقي، ذلك لان أعماله الخاصة، وأسلوبه في تصوراته برمتها لا تتصل بمدرسة فنية معينة، ولا تشتبك بجذور من مؤثرات خارجية، أنها خلاصة ملاحظة عامة للمنظورات وتعبيرات مبهمة لأحاسيس وأخيلة عن الحيوان والإنسان في حبهما وفرحهما، في غضبهما ورضاهما، في أحلامهما وأمانيهما، إن شخوص منعم فرات، تتحدث عن قصص وأساطير تعيش في عالم لم نصل بعد إليه ... ولكم تمنيناه! فليس منا من رأى أنسانا برأس حيواني، نعم، فرات بعفويته وجرأته وانتصاره على الحجارة الصلدة استطاع أن يخرج بقامته ووضوحه إلى هذا العالم الذي يفتش عن كل ما هو جديد ويقول للجميع ها أنا ذا اطرح أسلوبي العراقي المتفرد والمتجذر والمنحدر من صلب المبدعين الأوائل، في سومر وأكد وآشور.

*كتب عنه الناقد الفني محمد الجزائري: وقال الناقد الايطالي "البرتو تشاتيني" المختص بالفن الفطري، عن فن منعم فرات إن هذا الفن يمثل الاتجاهات الفنية في كل القارات، من الاسكيمو إلى الهند والمكسيك إلى جزر الأوقيانوس.. ويمثل الفنون البدائية والعراقية القديمة، كما يمثل الأصنام الجاهلية الأولى ويضيف الجزائري : أن أعمال فرات بمثابة استجابة للحالات كلها التي كان يعيشها، والذي يبدو كشفاً لعلائق إنسانية تتشكل عنده على نحو خاص، إنما هو نوع من الاطمئنان للحالات التي اكتسب عنده وجودها مرحلة اليقين، إن بالرفض أو القبول، فجسدها بمباشرة وفطرية وصلت حد الدهشة، فهو لم يكن يحطم الواقع ليعيد تشكيله، إنما كان يعريه من خلال قدراته التعبيرية، ومن هنا، يمكن اعتباره ممثلاً أصيلاً للفن الأصفى الذي لا يعاني نوعاً من أنواع الفصام، لكونه سيد الفن الفطري وسيد الفن الصافي.

2-الفنان النحات عباس جابر: ولد في محافظة ميسان سنة 1954 هو مثال حي على الفن الفطري. منذ طفولته كان يتابع حركة اليدين لوالدته وهي تعجن الطحين لعمل خبز التنور الطيني، وهي تخلط الطحين بالماء فتصنع عجيناً طيّعاً على شكل كرات، فانطبعت في ذاكرته تلك الصور الفنية البسيطة، فضلاً عن عوامل عدة أخرى بيئية وعائلية أثرت تأثيراً مباشراً في تكوين وتنمية هذه الموهبة التي زرعت في مخيلته الذكية فكرة الفن. لتكون منطلقاً في التعامل مع الأشياء. بدأ بالطين ثم الخشب والحجر وتمكن من النحت على نواة التمر والرز والعدس التي لا تستطيع الاطلاع على الأشكال المنجزة منها إلا بواسطة مكبّرة يدوية. كان يطلق ليديه العنان والخيال ويجعلهما تحاوران كل تلك الأشياء، معبراً عن حالات الخوف والحرمان التي تواجه الإنسان مجسداً الواقع العراقي بكل تفاصيله، أقام العشرات من المعارض الفنية عن أعماله بالتنسيق مع مديرية النشاط المدرسي ونقابة الفنانين ودار القصة العراقية.

3-عبد الكريم ناصر منصور الغريباوي: الظاهرة صورته مع لوحة "حلب البقرة"، ولد سنة 1962 محافظة واسط. إنَّ الأقلام الخشبية وما تنتجه على الورق كانت هوايته المفضلة في طفولته، انتبهت عائلته لتلك الموهبة شجعته فضلاً عن معلمه في الدراسة الابتدائية الذي حفزه وشجعه أيضاً, الغرباوي لم يدرس الفن لكنه امتلك موهبة فطرية خاصة أثارت زملاءه الفنانين ما جعله يستفيد كثيراً من تجاربهم, في ثمانينات القرن الماضي رسم أولى لوحاته وهي الرحى التي تستخدم في طحن القمح ليستمر فيما بعد في تجسيد بيئته، فكانت لوحة (الدربونة) التي جسد فيها طفولته في قضاء الحي محافظة واسط ، اعتمد الغرباوي على نفسه دون أن يقدم له أي دعم رسمي. شارك في الكثير من المعارض داخل العراق وتلقى دعوات عدة في روما وباريس، إلا أن إمكانيته المادية المحدودة حالت دون إقامة معارضه في تلك العواصم. يجيد رسم الكاريكاتير، لكنه ميال إلى المدرسة الواقعية، ويحلم أن يمثل العراق في محافل عربية ودولية ليرسم للعالم صورة جميلة عن وطنه وشعبه.

4-محمد الخزرجي، مواليد 1972من بغداد، من عائلة متوسطة الدخل. أحب الرسم منذ الصغر منذ كان عمره 8 سنوات بدأ الرسم على الورق يوجه إحساسه وتدفعه الموهبة, تردد على نادي الثقافة والفنون في حي القاهرة ببغداد في حينها في الثمانينات، وبدأ تجربته الأولى مع الألوان، كان الأستاذ المسؤول في النادي فنان فطري أيضاً، صقل موهبته لينطلق فيما بعد في عالم اللون والظل والضوء والسماء ومفردات الحياة الواقعية. الاستمرارية في الرسم هي من ولدت لديه الخبرة والاحترافية. فانجذب إلى المدرسة الواقعية دون المدارس الأخرى ورسم الشناشيل البغدادية وذوي الحِرف العراقية الأصيلة ووجوه أهالي المحلة، فكان اكتسابه لكل هذه الاندفاعات الفنية بالفطرة، كان الإحساس يحركه ويعتقد أن الفطرة هي البديهية التي تحرك أنامله وعقله وإحساسه دون تدخل من جانب العلم المكتسب.