لماذا نجحت الصين وأخفق الغرب في إحتواء وباء "كوفيد 19"!؟

شهر واحد أسبوع واحد ago

د. محمد مسلم الحسيني

رغم التشابه الكبير بين أعراض الأنفلونزا الموسمية العادية وبين أعراض إنفلونزا كورونا الجديد "كوفيد 19" التي حصلت في الصين لأول مرة في نهاية عام 2019م، إستطاع الصينيون التفريق بين الحالتين بسرعة نسبيّة وتشخيص الفايروس الجديد المسؤول عن الوباء الجديد ودراسة خصاله الإستثنائية وخواصه العامة. إكتشفوا الصيغة الجينيّة للفايروس الجديد المتحور وهو من  سلالة فايروسات كورونا  الأم التي تسبب الإنفلونزا الموسميّة عادة، وأستطاعوا أيضا تحجيم إنتشار هذا الفايروس  المتحور بايولوجيّا وإحتوائه في مناطق وجوده ومعرفة كيفيّة التعامل معه ومع مضاعفات تأثيراته الصحيّة عند البشر بأقل الخسائر.

رغم كلّ المعلومات التي توفرت منذ البداية عن وباء كوفيد 19 وعن طبيعة وخواص الفايروس المسبب له، فقد تباطأت وتلكأت بعض الدول في إتخاذ الإجراءات الإحترازية الضرورية اللازمة، التي من شأنها الوقوف أمام إنتشار الوباء والتعامل معه ومع مضاعفاته. معظم الدول الغربية الكبرى وأمريكا على رأسها، لم تتحسب لهذا الوباء بل لم تقم بما ينبغي أن يكون، فدفعت وتدفع الثمن غاليا اليوم لتهاونها أمام الوباء الذي لم تؤمن، في بادىء الأمر، بشراسته وعنفوانه وبطشه. هناك عدة أسباب أدت وتؤدي الى بطش كوفيد 19 بهذه الدول وبغيرها، أوجز أهمّها بما يلي:

أولا: العامل الإقتصادي:

غالبية دول الغرب تعيرأهميّة كبرى للعامل المادي والإقتصادي وتتجنب أي خطرأو تهديد قد يؤدي الى تباطؤ عجلة الإقتصاد عندها، فهي تسعى دائما للخروج من أزماتها الإقتصادية والمالية السابقة وتسعى لتقليل البطالة عندها وتحفيز النمو الإقتصادي المتعثر. خطوات صد الوباء والتأهب له بالشكل المطلوب يكلف ميزانية الدول ويقلل من مواردها المالية العائدة من تعاملاتها التجارية والسياحيّة والإقتصاديّة الأخرى. كما أن التعاملات الإقتصادية للدول مرتبطة مع بعضها إرتباطا وثيقا، وهذا يحتم الإحتكاك الدائم والمستمر وعدم القيام بإجراءات منفردة تؤدي الى العزلة والإنحسار على النفس في ظل جو العولمة السائد. وهكذا تهاون السياسيون أمام المتطلبات الأولية للمرحلة لأن الثمن المادي قد يكون باهضا لو تعاملوا مع الموقف بالنحو الصحيح، فتصرفوا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال تجنبا للخطر!

ثانيا: عامل المفاجأة وسوء فهم حقيقية الحالة:

رغم المعلومات المفصلة التي تتحدث عن شراسة الفايروس الجديد وسرعة إنتشاره والتي صدرت عن منظمة الصحة العالمية وعن التقارير الواردة من الصين، لم يكترث الغرب بما يحصل رغم التحذيرات المتكررة على لسان رئيس المنظمة الدكتور " تيدروس أدهانوم غيبريسوس" للغرب من عنف الوباء ومن عاقبة التهاون الحاصل عندهم وعدم إكتراثهم للطبيعة الوبائية الخاصة والإستثنائية لهذا الوباء. تصرفت معظم دول الغرب وكأن المشكلة لا تعنيها وكأن الوباء سيبقى محصورا في الصين وملحقاتها ولن يبتعد عن ذلك المحور البعيد،  تيمنا بما حصل من قبل في أوبئة سابقة مثل وباء "سارس" و"ميرس" وإيبولا ومرض الزيكا وإنفلونزا الطيور والخنازير وغيرها حيث لم يتأثر الغرب فيها بشكل محسوس . كما أن عودة المواطنين الغربيين الذين كانوا يعملون في مدينة "ووهان" الصينية، وهي بؤرة الوباء أنذاك، الى أوطانهم وقد أصيب بعضهم بالوباء وكانت إصاباتهم خفيفة وغير مؤثرة، أعطى إنطباعا خاطئا عند بعض المسؤولين السياسيين على أن الوباء ليس أكثر خطورة من الإنفلونزا العادية! وهذا ما أعتقدوه وصرحوا به مرارا وتكرارا قبل ولوج الوباء عندهم وإنكشاف الحقيقة. راح بعض المسؤولين أبعد من ذلك في تصوراتهم حينما وصفوا هذا الوباء بأنه "خدعة" ووبخوا الأطباء والصحفيين الذين أرادوا نشر الحقيقة وأعترضوا على حالة الترهل في التعامل مع هذا الوباء في بداية الأمر!

ثالثا: مناعة القطيع: 

توهّم بعض أهل الإختصاص وبعض الأطباء الحكوميين وبتحفيز ودفع سياسي إقتصادي بأن السبيل الأنسب في التعامل مع الوباء وتجنبا لإستخدام الإجراءات الصحيّة المطلوبة للتصدي له، المكلفة ماديّا والمضرة إجتماعيّا، هو ترك الوباء يسير في المجتمع كي تتكون المناعة المجتمعية العامة والمصطلح عليها بـ "مناعة القطيع Herd Immunity". هذا الإقتراح وأن كان على لسان النزر القليل من الأطباء فقد تبناه بعض المسؤولين السياسيين في الوهلة الأولى لأنه يضرب على أوتارهم الحساسة، فتركوا أبواب بلدانهم مفتوحة دون رقابة ودون فحص أو تدقيق فأنتشر الوباء بسرعة وحصلت المفاجأة بعد أن تكدست أعداد المرضى على أعتاب المستشفيات فأكتشفوا خطأهم وعرفوا بأن سياسة مناعة القطيع لا تصلح لهذا الوباء الخطير سريع الإنتشار وقوي الأثر، خصوصا في ظل غياب اللقاح الخاص بهذا الوباء !.

رابعا: الديمقراطيّة:

حينما تفاعلت الصين بشدة وحزم في إجراءاتها الصحيّة والوقائية لإحتواء هذا الوباء الصعب، صعّد الإعلام الغربي لهجته وأنتقد بعض السياسيين التصرفات الصينيّة ووصفوها بالفعل الدكتاتوري المحض! فالأجيال الغربية الصاعدة التي نشأت في ساحات الديمقراطية لم تشهد في تأريخها عزل مدن بكاملها عن بعضها مع ملايين البشر فيها يحظرون من التجوال بسبب مرض...! فتبلورت عندهم النغمة الحقيقية التي إعتادوا على سماعها عن الإضطهاد الصيني للمواطنين وعن الإسلوب القهري المميز للنظام المستبد! لم يخطر على بالهم بأن الصين تتصرف ضمن قواعد علمية تقتضيها المرحلة والمصلحة العامة من أجل الحفاظ على الأرواح ومنع الكارثة. وهكذا أستقبل الغربيون كوفيد 19 دون تحفظات تضير بمبادىء الديمقراطية كي يعطون صورة لردة فعل مختلفة عما دار في الصين الدكتاتورية !

خامسا: نقص التحضيرات الوقائية والطبية: 

رغم أن مسار الوباء في الصين كان على مرأى ومسمع الجميع إلاّ أن الغربيين لم يحركوا ساكنا من اجل التحضير والتحصن والتعسكر أمام عدو قادم. هجم الوباء والغربيون لديهم نقص كبير في كل وسائل التصدي للوباء من كمامات وقائية وكفوف واقية للأيدي وأدوات تشخيص ومحاليل كشف الى أجهزة تنفس إصطناعية وكادر طبي متدرب ومتأهب للضرورة. كان الأطباء لا يرتدون الكمامات الوقائية في بعض المستشفيات الأوربية لعدم توفرها أو عدم كفايتها! حيث فقدت إيطاليا أكثر من 150 طبيبا من جيشها الأبيض المتصدي للفايروس وأمتلأت ممرات المستشفيات بالأعداد الفائضة من ضحايا كوفيد 19 بسبب تزاحم المرضى وشحة المكان، في أوج حالات الوباء، الى الحد الذي طبقت فيه نظرية البقاء للأقوى، فأنخفضت العناية لكبار السن من أجل الأقل عمرا !

سادسا: تلكؤ البحوث الطبية:

دعى الباحثون والأطباء في الغرب، وخصوصا بعد توالي التحورات البايولوجية للفايروسات، حكوماتهم لتمويل مشاريعهم البحثية التي تستشرف تحور الفايروسات في المستقبل خصوصا بعد أن إستجد عدد لا يستهان به من الفايروسات المتحورة والتي صنعت أوبئة خطيرة هددت البشرية بفترة قياسية من الزمن. هذه البحوث الإستشرافية هدفها صنع لقاحات لأوبئة محتملة الحدوث مستقبلا، كي تكون جاهزة وقت الحاجة، غير أن هذا الطلب لم يلبىّ لأسباب مادية!

سابعا: عدم إلتزام بعض السياسيين بالنصائح الطبية والوقائية الصحيحة:

بعد أن تفشى الوباء في هذه البلدان إنصاع السياسيون لبعض النصائح وهم مجبرون وليسوا مخيرين، فوافقوا على فرض الحجر المنزلي العام ووافقوا على فرض بنود التباعد الإجتماعي على أفراد المجتمع. غير أن هذا الإلتزام لم يكن الاّ مؤقتا، فهم في صراع مستمر مع ذوي الإختصاص والمعرفه في تشخيص الفترات الزمنية للحظر، وهم في عناد مستمر معهم في ميكانيكية التعامل والتفاعل مع مجريات الأمور. السياسيون يعطون الأولية للإقتصاد وإعادة الأمور لمجاريها من أجل عودة الحياة للإقتصاد المريض، بينما الأطباء ينصحون، من وجهات نظر طبية، بخطوات يرونها ضرورية لمنع إنتشار الوباء وتحجيمه ومنع عودته. صور النزاع هذه واضحة بشكل خاص في أمريكا حيث طرد الرئيس الأمريكي بعض أهل الإختصاص من مراكزهم لمخالفتهم لآرائه وهدد بطرد آخرين، وقد يؤدي هذا العناد مع أهل الإختصاص الى عواقب وخيمة مستقبلا مما قد يجعل الوباء، في ظل هذا النزاع، قادرا على الإستقرار والبقاء والتوطن !

 

د. محمد مسلم الحسيني

أخصائي علم الأمراض