الاقتصاد العراقي الى اين؟

3 أشهر أسبوعين ago

علي البصري

بعد تعرًض العالم لجائحة كورونا، وفرض الحظر في الكثير من بلدان العالم، اُصيب العالم بمقتل على المستوى الاقتصادي، نتيجة تعطل التجارة وتوقف المصانع وحركة النقل، والتي تبعها التوقف في السياحة والفندقة وسواها من قطاعات اخرى، باعتبار ان القطاعات الاقتصادية يعتمد بعضها على البعض الاخر، وعندما يتأثر قطاع معين سيؤثر على القطاعات الاخرى، وعندما تتاثر بعض البلدان اقتصاديا ستؤثر بالظرورة على البلدان الاخرى.

اغلب دول العالم وعلى راسها الولايات المتحدة والتي تعد اكبر اقتصاد في العالم، سارعت الى ضخ عدة تريليونات من الدولارات من اجل تحريك الاقتصاد الامريكي، فالحكومة الامريكية سارعت من اجل تقديم المساعدات والاعانات والقروض للفرد وللعائلة الامريكية ولاصحاب المهن وللشركات الصغيرة والكبيرة من اجل ان تبقى القدرة الشرائية عند الفرد الامريكي جيدة، لأن توقف الفرد عن الشراء والاستهلاك سيؤدي الى توقف المعامل والمصانع والورش، ومن ثم ازدياد نسب البطالة واخيرا الركود فالكساد.

اغلب المحللين الاقتصاديين يعتقدون ان العالم على حافة الكساد والذي سيستمر الى عدة سنوات قادمة، وسيكون الكساد اسوء من كساد ثلاثينيات القرن الماضي، سيما اذا بقي الحظر على حاله، ولهذا السبب بدأت الكثير من الدول ضخ الاموال من اجل عدم تعثر الاقتصاد، وبدأت الدول ايضا في التخفيف من اجراءات الحظر والسماح للتبادل التجاري بين الدول من اجل تخفيف عبء العامل الاقتصادي عليها.

في العراق الحكومة الجديدة وحسب ماسُرب من معلومات، انها تخطط لتخفيض رواتب الموظفين والمتقاعدين، بالرغم من ان معدل رواتب شريحة كبيرة من الناس ليست عالية بل متدنية مقارنة ببلدان العالم الاخرى، وهذا التصرف - اذا ماصحت الاخبار المُسربة - يُعد امرا غريبا باعتبار ان الشريحة الكبيرة من الناس ستعزف عن الشراء والصرف والاستهلاك بسبب انخفاض دخلها وهذا سيؤدي بدوره الى خسارة وافلاس وتوقف الالاف من اصحاب المحلات والدكاكين والورشات واصحاب المهن الحرة والمصانع، وهذا الامر بدوره سيؤدي الى زيادة البطالة بصورة كبيرة جدا وسيصيب الاقتصاد العراقي بمقتل.

العراق في مثل هذه الظروف بحاجة الى ضخ اموال ومنح قروض للمصانع والورشات والافراد من اجل تحريك الاقتصاد العراقي وليس تخفيض رواتب الموظفين والمتقاعدين البسطاء، فالتخفيضات ينبغي ان تشمل اصحاب الرواتب العالية كرواتب الوزاراء والنواب والدرجات الخاصة فقط وليس رواتب الموظفين التي تتراوح بحدود المليون دينار او اقل من ذلك، فهذه العملية، عملية ضخ الاموال في البلد والتوسع في الانفاق الحكومي تعد من ابسط مباديء ومتبنيات النظرية الكينزية (1)، وهذا مانصح به الاقتصادي الانكليزي المعروف كينز دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية في تقديم القروض من اجل تحريك الاقتصاد ودوران عجلته، وفعلا تحرك الاقتصاد في البلدان الاوربية التي كانت في اسوأ حالاتها، فقانون مارشال المعروف (2) والذي تمثل بتقديم قروض ومساعدات من قبل الولايات المتحدة الى الدول الاوربية، وهذا القانون هو الذي انقذ الدول الاوربية واصبحت اقتصاداتها من اقوى اقتصاديات العالم، فألمانيا التي فجًرت الحرب العالمية الثانية والتي كانت اكثر البلدان خسارة وتأثرا بالحرب هي اليوم تحتل المركز الثالث عالميا من حيث القوة الاقتصادية، وهكذا الاقتصاد الياباني والانكليزي والفرنسي، فهذه البلدان اليوم تحتل المراكز السبعة الاولى في العالم.

العراق اليوم بحاجة الى ضخ الاموال والقروض من اجل ان يتحرك اقتصاده، وهو بحاجة الى الاجراءات التالية:

1- الاسراع في اكمال مشروع البطاقة الوطنية من اجل المباشرة بالتخطيط لبناء البلد، فالتخطيط ينبغي ان يُبنى على بيانات ومعطيات صحيحة وواقعية، ومن اجل مكافحة الفساد ومعرفة الفضائيين وتطبيق قانون من اين لك هذا، فكل هذه الامور تتحقق من خلال انجاز هذا المشروع وستصبح لدينا قاعدة بينات مكتملة عن كل ابناء البلد وحالتهم المعاشية ودخلهم وتعليمهم وغيرها من تفاصيل.

2- المباشرة في وضع قانون الخدمة المدني ووضع سلم رواتب موحد للموظفين في كل وزارات البلد ومؤسساته وليس كما هو جاري حاليا، فبعض الوزارات كالنفط مثلا رواتب موظفيها اعلى من رواتب الوزارات الاخرى وهذا ماخلق حساسيات بين افراد المجتمع الواحد، ومن الظروري رفع الرواتب المتدنية، لأن رفع الحالة المعاشية للناس هي من اهداف الحكومات التي تريد الخير لشعبها. طبعا يتم اصدار قانون الخدمة المدني بعد تشكيل مجلس الخدمة المدني.

3- نقترح اعادة تحديد مفهوم العاطل عن العمل، لأن هناك اشخاص هم في الحقيقة لديهم عمل ما، لكن قد يكون هذا العمل لايكفي لسد احتياجات الشخص وفي هذه الحالة يمكن اعطاء هذا الشخص مايحتاج اليه، في حين ان هناك اشخاص يحصلون على دخل لابأس به، بل ويكفيه ويكفي عائلته، ولكن حجة هذا الشخص انه غير موظف في الدولة، وفي هذا المجال ينبغي اعادة النظر في هذا الامر برمته، حيث ان هذا الفهم الخاطيء هو نتاج حالة خاطئة تشكًلت عبر السنين، وهو ان الذي لايعمل في القطاع العام لايستطيع ضمان المستقبل له ولعائلته، وقد لانلوم الناس على فهمهم الخاطيء هذا نتيجة الفارق الكبير في الامتيازات والضمانات بين الذي يعمل في القطاع العام والذي يعمل في القطاع الخاص، وهذا الفارق هو من تقصير الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق والتي لم تنتبه الى صياغة قوانين تحفظ حقوق العاملين في القطاع الخاص اسوة بأقرانهم في القطاع العام، وبالتالي اصدار تعليمات وقوانين نساوي من خلالها بين العاملين في القطاعين، سوف لايترك فرقا بين القطاعين وسيزول معه الحاح واصرار الناس على التعيين في القطاع العام وان لامستقبل الا مع هذا القطاع، وبالتالي نحن بحاجة الى صياغة قوانين نُنظًم من خلالها القطاع الخاص وحقوق العاملين فيه، والتامين الصحي والتقاعد والضمان الاجتماعي وسواها من تفاصيل.

4- الاهتمام بالقطاع الخاص وبقطاع الصناعة من خلال القوانين التي تخدم هذا القطاع وتقديم القروض والنصح والتسديد وتسهيل الاجراءات الحكومية، والقضاء على البيروقراطية المقيتة.

5- وضع قانون ضريبي عادل يتم من خلاله تنويع موارد البلد، وايضا تحقيق توزيع الثروة بعدالة بين ابناء البلد الواحد.

6- الاهتمام بالزراعة من خلال تشجيعها وايجار الاراضي الصالحة للزراعة ونشر ثقافة وتقنيات واساليب الزراعة الحديثة وتقديم الاعانات وشق الترع واقامة السدود ووضع قوانين ضريبية تدعم المزارع العراقي.

7- يجب تفعيل دور المصارف في البلد وتحديثها وتطوير الخدمات المُقدمة من خلال كسب ود وقناعة الناس، ومن خلال تنويع الخدمات المُقدمة، بحيث تكون هذه الخدمات قريبة من خدمات دول العالم ودول المنطقة، وينبغي نشر ثقافة التوفير وايداع الاموال في البنوك، بدل حفظها واكتنازها في البيوت، ففي بلدان العالم الاخرى تستفيد البنوك من الاموال الزائدة والفائضة عن حاجة الناس وذلك من خلال اقراضها للشركات ورجال الاعمال لاستثمارها في البلد، وهذا سيؤدي الى القضاء على البطالة وتنمية اقتصاد البلد.

8- الاهتمام بالسياحة، سواء الدينية او الاثرية، فالعراق غني بالاماكن الاثرية والاضرحة الدينية، فالسياحة تعد مصدرا كبيرا وثروة للبلد، والكثير من بلدان العالم المختلفة تعتمد على السياحة بما فيها الدول الغنية.

9- لا ادري لماذا لم ينجز العراق حتى اللحظة مشروع القناة الجافة المتمثل بميناء الفاو والربط السككي والبري مع دول الجوار، فقد بدأ العمل بهذا المشروع منذ 2009، وهذا المشروع يُعد مصدرا ماليا كبيرا للبلد وهو يحقق موارد بقدر موارد النفط ان لم يكن اكبر وسيخلق فرص عمل كثيرة، ويعد هذا المشروع موردا مستمرا لاينفد بمرور الزمن. تاخير انجاز هذا المشروع يُعد امرا غريبا جدا، وقد تولى مسؤولية هذا المشروع شخصيات تدًعي الوطنية والاستقلال السياسي!!! فلا ادري ماذا منع هذه الشخصيات من انجاز هذا المشروع الذي يحتاج الى مبلغ مالي ليس كبيرا او مستحيلا او تعجيزيا، وكان باستطاعة العراق انجازه بيسر وبسرعة، سيما كان ذلك في فترة كانت فيه ميزانيات العراق انفجارية.

10- عملية التعيين في العراق ينبغي ان تخضع لاسس وضوابط علمية ومهنية، وليست باسلوب عشوائي وكما جرى في نهاية حكومة تصريف الاعمال الماضية، والتي اضافت عدة تريليونات للميزانية، وهذه كلف وعبء اضافي لامبرر له.

11- الاهتمام بشركات التامين واعادة التامين من اجل دعم القطاعات المختلفة، فعندما يؤمًن الفلاح مثلا على زرعه خلال الموسم، سيدفع المزارعين الى التوسع في زراعة الاراضي غير المزروعة والفارغة، لأنه يشعر بان جهة معينة ستقف الى جانبه وخلفه وانه سوف لن يخسر شيئا، وعندما تتشجع اطراف عديدة للزراعة سنحقق الاكتفاء الذاتي، وشركات التامين ستربح في نهاية المطاف ولن تخسر شيئا، وهذا الامر ينسحب على الصناعة وعلى القطاعات الاخرى، ويمكن البداية في تكوين هذه الشركات بالتعاون بين الدولة والقطاع الخاص، وبهذا سنحقق الاكتفاء الذاتي وتشجيع القطاع الزراعي والصناعي وبقية القطاعات، ويمكن الان احياء مشروع التامين الالزامي للسيارات في العراق، فكل سيارة تسير في العراق يُفرض عليها تامين سنوي الزامي، وبهذا سندفع لكل شخص تعويضا عندما يموت اثر حوادث المرور داخل العراق، وهذا الامر سيخلص الناس من تكاليف الحوادث، وايضا سنخلق دخلا جيدا للبلد وسنخلص الناس من مشاكل التعويض.

12- ينبغي ان نتبنى خططا وطرقا اقتصادية تتناسب مع بيئة العراق والمجتمع العراقي ولاتتقاطع معه ومع قيمه، فالكثير من البلدان جربت استنساخ تجارب الدول والشعوب الغربية والشرقية ولم تنجح اغلب هذه الدول لأن عملية التنمية قائمة على الانسان، ومالم يتفاعل هذا الانسان مع هذه الخطط سوف لن يكتب لهذه الخطط النجاح، وبالتالي علينا ان نجتهد في هذا المجال ونبتكر خطط واساليب تتناسب مع دولتنا ومجتمعنا، وهذا الامر ظروري جدا، وهذا لايعني مطلقا ان لانستفيد من تجارب الامم والشعوب، لكن علينا اختيار مايتناسب مع مجتمعنا.

13- العمل على تنويع موارد البلد بدل الاعتماد الكلي على مورد النفط، وبالتالي تعريض البلد الى مشاكل كل فترة معينة، وكلما انخفضت اسعار النفط، فينبغي اجراء حوارات ودراسات مع مايتناسب مع مجتمعنا والتوسع فيه، فيمكن مثلا التوسع في القطاع الصحي من خلال انتاج كوادر طبية جيدة والتوسع في انشاء المستشفيات على صعيد الدولة والقطاع الخاص، وتجربة كوبا مثلا ليست بعيدة عنا والتي تطور قطاعها الصحي تحت ظل الحصار عليها. نعم نستطيع تطوير هذا القطاع والاستفادة منه فيما يصطلح عليه بالسياحة من اجل التطبيب والعلاج.

14- الاهتمام بالاستثمار واستقدام رؤوس الاموال الى العراق من خلال اشاعة الامن وصياغة قوانين تراعي عملية الاستثمار.

15- عدم الاستقرار وكثرة الاشاعات وتخوف الناس من تخفيض رواتبها واستقطاع نسبة معينة منها، يؤدي بالفرد الى الانكفاء والى عدم الشراء والاستهلاك والتوسع في الاستهلاك، وهذا بطبيعة الامر سيؤدي الى انخفاض الاسهتلاك الكلي، الذي سيؤدي بدوره الى الركود وزيادة البطاله، وبالتالي على الحكومة ان تكون شفافة في تصرفاتها واجراءاتها، وان لاتعمد الى هز ثقة الناس ببلدهم واخافتهم، فكم من اخبار كاذبة او اشاعة ادت الى مشاكل اقتصادية كبيرة، ولعلنا نتذكر كيف اتخذت الحكومات الامريكية والاوربية قرارت في تحديد حق الفرد في سحب مبلغ معين من حسابه الشخصي كل شهر، وذلك من اجل ايقاف الرعب والخوف الذي اجتاح المجتمعات في ذلك الوقت، اي عام 2008 ومابعده، والذي لو تُرك دون اتخاذ اجراءات معينة لأفرغت الناس البنوك من الاموال وادى الى كارثة اقتصادية كبيرة، لان الهلع يؤدي بالناس الى التصرف بما يسمى تصرف القطيع.

16- الاعتماد على الاقتراض الداخلي بالدرجة الاولى ومن ثم الاقتراض الخارجي، وقدر الامكان الابتعاد عن قروض البنك الدولي والمؤسسات الشبيهة له، لانها تكبل البلد بشروط مجحفة وتستهدف استقلال البلدان، لان البنك الدولي تابع لسياسات الدول الكبرى. يحبذ عدم التوسع في القروض والاعتماد على الامكانيات الذاتية.

17- الاستفادة من تجارب الشعوب في مجال معالجة الازمات وتجارب اليابان والصين ليست ببعيدة عنا وبالتالي ينبغي التركيز على الاسرة وعلى الصناعات الصغيرة وعلى الورش من اجل مكافحة البطالة وتشغيل الناس.

18- اعادة النظر بوضع موازنات البلد وتخفيض النثريات والمخصصات والايفادات والمنافع وسواها من مصاريف زائدة.

خلاصة القول ان الاقتصاد العراقي الحالي بحاجة الى تخطيط علمي مبني على بيانات ومعطيات واقعية وليست تخرصات وتصرفات عشوائية وترقيعات وحلول مجتزئه، فالاقتصاد العراقي بحاجة الى ضخ الاموال والتوسع في الانفاق والاستثمار من اجل دفعه الى الامام، والا ستكون المشكله كبيرة جدا في المستقبل القريب وربما سيصل البلد الى الانهيار الكامل، وانصح القائمين على البلد من الاعتماد على خبراء واقتصاديين لامعين، بدل الاعتماد على اشخاص يعيشون على فكر اقتصادي قديم، ومهزومين نفسيا ولايملكون ارادة التغيير والتطوير والابتكار وايجاد الحلول المناسبة، او اللذين لاتهمهم مصلحة الناس والبلد، فالازمات اذا ما استغلت تخلق فرصا كبيرة للنجاح.

 

علي البصري

..........................

1- انظر العنوان الالكتروني التالي للتوسع:

https://www.imf.org/external/arabic/pubs/ft/fandd/2014/09/pdf/basics.pdf
2- يمكن الاطلاع على التفاصيل حول قانون مارشال:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D9%84

صفحة المثقف