أخطاء -القرآن-والصبيانوية العلمويه/2

3 أسابيع 6 أيام ago

عبدالاميرالركابي:واضب الغرب بالاخص في العصر الحديث على اسباغ نموذجه على التاريخ والعالم، ولم ينس لاجل ذلك توليف منظور شامل للتاريخ، ولتاريخ الحياة، وسيرورة الكائن الحي ارتقاء، وصولا الى المجتمعات، ومااعتبره فصل الحضاره وبنائها ومراحل تصيرها التاريخي، فاذا وجدت لاجل ذلك فروع معرفية واختصاصات، فانها في الغالب والجوهر تعمل خاضعه لمنظور بذاته، قائم على مايعرف ب "المركزية الغربية" ذهابا الى المحورية، او الأحادية الغربية، ويجوز هنا التمييز بين منحيين قصوريين ورغبويين انحيازيين، الأول هو الموضوعي المتولد عن النكوص العقلي إزاء الظاهرة المجتمعية، ومتبقياته، وضخامة مالم ينجز من اسباب تجاوزه بعد، برغم ماتحقق على هذا الصعيد من تقدم تاسيسي، تجلى بوضع الاقدام على بدايات ماعرف ب "علم الاجتماع" بصيغته الأولية الأحادية.
والثاني الذاتوي التمييزي او الهيمني الاقرب الى التغلبي، الموافق لتركيب الكائن البشري ولما تتيحة البنية الذاتية من موقع إزاء الاخرين، مايمكن ان يأتي على الحقيقة المجردة، وكمثال فان الغرب اذ نظر في الظاهرة المجتمعية وبداياتها، فانه لم يكن قد فكر باطلاق احكامه على البدايات الحضارية من دون احتساب احتمالية الاسبقية التي لاتنافس، وبما خض العراق وارض الرافدين يعترف الباحثون الغربيون بان مابين النهرين هي موئل الكتابة التي لاحضارة من دونها، ولاتاريخ، وماعدا ذلك فان هؤلاء يتوقفون إزاء ظواهر من قبيل "الإمبراطورية" كمثال، مع انها ظاهرة تحظى في الغرب وخصوصا بمناسبة الإمبراطورية الرومانية، بموقع استثنائي على مستوى الحضور، ليس هذا فقط، بل وانهم يتهربون متجاهلين الظاهرة الدينية ببنيتها الابراهيمة، محولين الامر الى العمومية الدينية، مع تضييع لاية خصوصية دلالية متصلة بهذا المنجز بالذات.
وإذ يعترف لارض مابين النهرين باسبقيتها الكتابية، فانها تحرم وينتزع منها سبقها الامبراطوري، مع التوحيدي الابراهيمي فس اقل تقدير، هذا الامر لايتوقف عند تلك الحدود، فبما يخص تطور الفكر البشري، فقد راى "هيغل" ان الفكر البشري مر بثلاث مراحل:
ـ اسطورية.
ـ دينيه .
ـ فلسفية.
بحيث يقف الغرب بداهة في القمة بعد طورين تمهيديين، هذا وثمة هنا مايغفل عمدا، كون الطورين الأول والثاني قد وجدا وعرفهما باعلى صيغهما واكملها موضع من العالم بعينه، هو ارض مابين النهرين. الامر الذي لابد ان يبيح القول ( عرفت ارض مابين النهرين قبل غيرها : الكتابه ، والامبراطورية، والاسطورية، والابراهيمية اعلى اشكال تجلي الدولة التي لاتتجسد ارضويا) في حين عرفت اوربا الاغريق (الفلسفة) بعد ان تاثرت بالاسطورية الرافدينيه*، وحيث عرفت الفلسفة، عادت مع الإمبراطورية الرومانيه، وصارت ابراهيمة ومازالت الى اليوم، علما بان الفلسفة قابله لان تكون ظاهرة أحادية مؤقته نخبوية(1)، في وقت لايجب ان يهمل من جهة أخرى، توقع طور اخر من اطوار التجلي الثنائي الرافديني الشرق متوسطي، كطور اعلى وارفع من ذلك المعروف بالديني اعتباطا، بالاخص على مستوى نمط تعبيريته عن ذاته كما عرفت وكما هي عليه حاليا: نبويا.
لكن الذي نبحث عنه ونقصده هو مخطط سردية غير أحادية، سردية موازية مغفله، مكتوب عليها ان تظل خارج الادراك، مايتيح ويسمح للاحادية باعلى اشكالها، وأكثرها دينامية كما هو حال مجتمع الانشطار الطبقي، قوة الحضور والاستمرار كبديل عن ضائع، وبسبب غيابه الأصل الازدواجي عن المشهد، أي الأصل البؤرة الازدواجية المجتمعية الشاملة على مستوى المعمورة، حيث المجتمعات كظاهرة مشمولة برمتها بالازدواج بدرجات ومستويات، كما وحدتها وخليتها البشرية مزدوجة الكينونة (عقل/ جسد)، والمآلات الذاهبة الى لامجتمعية، والى افتراق تحولي للعقل عن الجسد، بدل بدئية مفهوم ومنظورات الابدية الجسدية وديمومتها اللانهائية، اوافتراض وحدتها كينونة وبنية.
تبدا مجتمعية الازدواج وتكتمل بعنصرها الأحادي الارضوي ممثلا بالدولة القاهرة التمايزيه، وقبلها وكقاعدة تأسيسيه ومرتكز لها، لا تنهض الا بوجوده المسبق، وعليه وفوقه، هومجتمع دولة اللادولة التي لاتتجسد ارضويا، والغائبة عن النظر والاحاطة العقلية، مثلها مثل العقل الغائب المضمر والملحق في الجسد لصالح وحدة كيانية تكوينية مفترضة ومفروضة، هذا النمط او النموذج الكياني الاصطراعي الموحد قصوراعقلبا، والذي لايتحقق بغير الوحدة الاصطراعية التباينية، يتجلى أولا في التاريخ كامبراطورية ازدواجية، تقابلها الاسطرة (2)واشكال التعبير اللاارضوي الابتدائي، المتداخل مع مجمل تاسيسات منظور اللاارضوية الذاهبة الى اكتمال عناصر استقلالها، الى ان تتمثل بصيغة النبوية الالهامية وبنا ء"مملكة الله" المفارقة للارضوية، الامر الذي تكرسه خاصيات وأشتراطات "العيش على حاقة الفناء" مافوق الارضوية، والمتعدية لنمط الارضوية الأحادية.
هذا الشكل او النمط المجتمعي هو من دون شك واصلا، غير قابل للاحاطة، ومطرود خارج النظر والتلمس بكل وجوهه، غالبا مايذهب العقل بحالته تلك، لاحالته الى مابالامكان مقاربته عقلا( بحسب القصور العقلي)، بنفيه من عالم الواقع والمعاش الملموس، ومن المجال الأرضي، بالحاقه كليا بالسماء بلا مسبب ارضي، كما يعبر هو عن نفسه دلاله على عدم ادراكه هو بالذات لذاته، ولمصدر كينونته وتشكله، تعبيرا عن شمول اللاادراكية العقلية لاجمالي مقاربة العقل للظاهرة المجتمعية ومضمونها، والمضمر فيها،علما بان المجتمعية اللاارضوية حاضرة ومضمره في الظاهرة المجتمعية بعمومها على مستويات واشكال وتدرجات، وانها حين تتجلى بنية ومملكة سماوية ارضوية، انما تتجلى بصفتها حاجة على مستوى الكوكب، تجسد تنائية مجتمعاته، وهو ماتضطلع به وتؤسس له دينامية، بؤرة الازدواج الأعلى الرافدينية، مع ملحقها الأحادي النيلي الجزيري.
يعجز التعبير الأحادي الرافديني الامبراطوري الأكثر بكورة على مستوى المعمورة، عن ان يكون من قبيل الظاهرة الكوكبية الراسخة، بسبب لا احاديته ولأنه نمط امبراطوري ازدواجي لاينطوي على الصلاده البنيويه الأحادية، في حين يذهب التعبير الاخر اللاارضي لكي يصير هو الإمبراطورية الشاملة الكوكبية، مستجيبا بذلك لما تكون المجتمعات البشرية الأحادية بحاجة له ابان زمن الغلبة الأحادية، فيكون هو شكل الحضور الازدواجي الممكن ابان زمن الأحادية، مستجيبا بذلك لبنية الكائن البشري، ولبنية المجتمعات وازدواجها الخفي المتعذر على العقل ادراكا.
تتحكم بالسيرورة الازدواجية تصيرا تاريخيا، اليات الانقطاعية بين الدورات اتفاقا مع طبيعة بنية الازدواج وهشاشتها التكوينية بإزاء الامبراطوريات المجاورة، الشرقية والغربية الأحادية، خصوصا وبالذات أبان فترات بلوغ الدورات الأشواط الأخيرة من تشكلها، وقرب انهيارها البنيوي الذاتي، ماكان قد حدث ابان الطور الأول السومري البابلي الابراهيمي حيث راحت الابراهيمية تتبلور، او في الطور المتقدم العباسي القرمطي الانتظاري لتصير من يومها قوة دلالة حية بين الدورات، محركها الخروج من الانقطاعات، والاستئناف، ماقد حصل أولا بالنيوية وتحققها كوعد خارج ارضه، وباعلانها في الدورة الثانية انتهاء النبوية بالانتظارية المهدوية تشوفا للاستئناف الثالث الراهن المنتظر،والمتعدي للطور النبوي الابراهيمي الى الثاني النتظر تشكله من هنا فصاعدا.
تسير البشرية وتاريخها التصيري المجتمعي دورات تفصل بينها انقطاعات، بؤرتها ارض الازدواج ومحيطها الأحادي النيلي الجزيري، يقابلها نمط تاريخ دورات ادنى احادي، هو الأعلى تركيبا، والاعلى دينامية من بين جنسه من نمط الأحادية، وبعد اسطورية مابين النهرين وامبراطورياتها الازدواجية، وتاسيسات منظورها النبوي، وماتبعها من انقطاع اول، تظهر الصعودية الغربية المتوسطية الاغريقية والامبراطورية الرومانية، وصولا الى انكسارها في الشرق المتوسطي، مع ما يقابلها، من تشكل احادي شرقي فارسي عبودي، لتنطلق بقوة الصحراء الاحترابية الجزيرية المخزونة كطاقة تحريرية لاترد في الشرق متوسطية، الدورة الثانية الكونية وصولا الى القرن الخامس عشر، حين يبدا "زمن التفارقية الرباعية"، ويدخل الغرب عتبة صعوده الأخيرة، الحديثة، وثورته الالية، ومفتتحات مقاربة مكنون الظاهرة المجتمعية عقليا، قبل اماطة اللثام عن الحقيقة الازدواجية التحولية، واوليتها ودورها الفعال الأساس في التاريخ المجتمعي، بالتلاؤم مع الغرض منها، ومدى فعاليتها وصلاحيتها، قبل الانتقال الى مابعد مجتمعات، والى " فك الازدواج" المجتمعي/ الفردي البشري.
هكذا يكون تاريخ المجتمعات تاريخ تحول عير ومن خلال الازدواج ودينامياته المجتمعية الفردية، والدورات المنتهية بانقطاعات، بظل غلبة الأحادية المجتمعية، والحضور التاريخي لاعلاها تركيبا وانشطارية "طبقية"، ابان استمرار التفارق العقلي المجتمعي، والحضور الفعال للاارضوية المجتمعية المغفلة بسبب القصور العقلي، وصولا الى الدورة الأخيرة الحالية المحكومه اليوم لظاهرة الانتقال العظمى عبر"التفارقية الرباعية"، مع انتقضاء مفتتحها الغربي الحديث والانقلابي المؤقت، قبل انبلاج المنظور التحولي الغائب بين طيات المئات من القرون، وتراجع مفاهيم ورؤى الأحادية، وبالأخص اعلى وارفع اشكالها الغربية المعاصرة، ليبدأ العقل دخول زمن "التحوّل"، منتهى غاية ومقصد الظاهرة المجتمعية الاخير.
ـ يتبع ـ
(ملحق :بناء بيت الله الثالث في ارض سومر)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقول كرين برينتون: " فنحن لانعرف على سبيل المثال ماذا كان راي المواطن الاثيني في أفكار افلاطون او ارسطو، بل قد يذهب بنا الظن ، اذذا ماكنا من المتشككين، الى انه لم يسمع البتة عن هؤلاء الفلاسفة العظام" / تشكيل العقل الحديث/ كرين برينتون/ ترجمة شوقي جلال/ مراجعة صدقي خطاب/ سلسلة عالم المعرفة 82 ـ 1984/ ص 39
(2) معلوم ان افروديت هي عشتار، وان هرقل هو كلكامش، فالادب الاغريقي ليس اغريقيا بحتا:"فقبل ان يظهر الاغريق (اي الهيللينيون) في شمال البحر الايجي كان هذا الفن قد قطع اشواطا من التطور والنضج في بلاد سومر واكد ومصر"..." ولكن الاغريق تميزوا بالقدرة الفائقة على ان يصنعوا مما ياخذون عن الغير شيئا جديدا يتفق مع طبائعهم وميولهم ورؤيتهم للحياة وأسلوب معيشتهم، حتى انه صار من المتعذر ان نحدد بدقة مقدار مايدينون به لحضارات الشرق القديم، واتجه الدارسون الى القول بان مااخذوه من الاخرين يقل بكثير عما اضافوه من عندياتهم" الشعر الاغريقي تراثا إنسانيا عالميا/ د. احمد عتمان/ سلسلة عالم المعرفة 77 1984/ ص16 ـ 17.