نفط إقليم كردستان ومكاسبه ؟

أسبوعين 5 أيام ago

 د.عبد اللطيف جمال رشيد

في ظل الأوضاع السياسيه والإقتصاديه والإداريه المزريه التي يعاني منها المواطنون في اقليم كردستان منذ سنوات التي ترتبت عن أخطاء السلطات وبعض المسؤولين وأدت الى حصول تدهور خطير للمستوى المعيشي والمعاشي وتراجع الخدمات وفقدان الرواتب وتفشي البطاله ، وعلى الرغم من إمتلاك الإقليم لثروات طبيعيه كبيره متنوعه من نفط وغاز ومياه وأراضي زراعيه خصبه شاسعه ، إلّا إن شيوع عقلية التسلط وعدم إعتماد خطط وبرامج مدروسة وتغييب العقول والكفاءات ، والتنصل من المسؤوليةِ أسهم بتفاقم الأوضاع وتدهورها في مختلف المجالات بإقليم كردستان .

تقوم أغلب المؤسسات ووسائل الإعلام والصحفيون على نحو يومي بتسليط  الضوء بشكل مفصل ومن مختلف الجوانب على تداعيات الأوضاع الراهنة وما تمثله من مخاطر وتأثيرات سلبيه على كاهل المواطنين ، إلّا إن المسؤولين الذين كانوا السبب وراء بروز هذه الأزمات أو الاحزاب السياسيه وحكومة الإقليم غير مستعدين لتحمل المسؤوليه ، وتكبد عناء البحث عن إيجاد حلول ومعالجات للأزمات المستفحله ، وبدلا من ان يعتذروا عن تفاقم الازمات والمشاكل التي خلفتها سياساتهم، نجد إنهم يسعون الى التنصل وتحميل جهات أخرى مسؤولية أخطائهم الكارثيه .     

في معظم دول العالم وعلى الرغم من أن قسم منها لا يمتلك ثروات من نفط  وغاز ومعادن أو جغرافية مهمة كما لإقليم كردستان ، فإن تشخيص وتحديد مكامن الخلل والقصور في الأداء الحكومي والمؤسسات التنفيذيه ، إحدى أهم الأسباب وراء تحديد الخلل والتقدم والتطور وتصويب أداء المؤسسات الحكوميه ، والقدرة على معالجة المشاكل الإقتصاديه والإداريه ، لإيجاد حلول مناسبه لها عبر الإستفادة من الخبراء وذوي الشأن بنحو شفاف لتأمين معيشة وإحتياجات المواطنين .  

لا يمكن تبرئة الحكومه الإتحاديه من مسؤولياتها لتأمين رواتب وميزانية شعب كردستان ، لأنه كان يفترض بها منذ سنوات العمل الجاد على تشريع قانون النفط الغاز 

الذي يرتبط إرتباطاً مباشراً بتلبية إستحقاقات المواطنين ، ورسم شكل ونوع العلاقه الإقتصاديه والسياسيه بين حكومة الإقليم والحكومه الإتحاديه ، وصياغة أسس للتعامل وتحديد الحقوق والواجبات في ملف النفط ، بما يمنع إنعكاس ذلك سلباً على الأوضاع المعاشيه للمواطنين .  

معالجة تلك الأزمات مهم لحاضر ومستقبل الإقليم والمركز ، لأن الثروات التي تُهدر الآن دون وجه حق خارج نطاق القانون هي ملك للشعب ، لذا يسترعي التصرف بها مراعاتِ مصالح جميع مكونات البلاد حاضراً ومستقبلاً .

بعد 28 عاماً من الحكم في الإقليم وعلى الرغم من بروز العديد من الأزمات والمشاكل ، وعوضاً من أن تستخدم السلطات الحاكمه إستخراج وبيع النفط عاملاً أساسياً  في إطار الحفاظ على موقع ومكانة الإقليم وضمان مستقبل أجياله القادمه ، إلّا إنها وبالعكس من ذلك حولت إستخراج النفط  وبيعه في الأسواق العالميه الى عامل 

لتبديد وإهدار ثروات وموارد الإقليم ، وقطع قوت الناس ووضع المواطنين في الإقليم تحت أعباء ديون وقروض كبيرة متراكمه .       

كان إقليم كردستان ولغاية عام 2014 يحصل على ميزانيته ومستحقاته الماليه من الحكومة الفدراليه ، كما إنه كان للكرد  دورٌ مهمٌ وفاعلٌ في رسم سياسة البلاد وبناء مستقبله ، إلّا إن سعي البعض لتحقيق المزيد من المكاسب الماليه والإمتيازات بملف النفط ، دفعها لإعتماد سياسة الإستقلال الإقتصادي ، وجاءت ب عبد الله عبد الله الذي يُدعى " اشتي هورامي " من لندن بتوصيةٍ من برهم صالح وقاموا بتسليمه ملف النفط  دونما رقيب أو حسيب ، دون أن يدركوا بأن إستخراج وتصدير وبيع النفط في عالمنا الآن ليس بالأمر السهل ، وعدا عن كونه يخضع للكثير من الإعتبارات السياسيه والإستراتيجيه والصراعات الإقليميه والدوليه ، فهو يتطلب العودة  وإستشارة جملة من الخبراء والفنيين والمهنيين ، فضلاً عن حاجته لخبراء قانونيين ودستوريين .    

عبد الله عبد الله " اشتي هورامي " قام بعد التشاور مع برهم صالح بالسيطرة والإستحواذ على ملف النفط  والغاز في الإقليم ، وكان يحتفظ بهذا الملف الحيوي  والخطير في حقيبته ، ليقوم لاحقاً مدفوعاً بمصالح شخصية وحزبيه ، دون وضع إعتبار لبرلمان كردستان والحكومة الإتحاديه ، بتوقيع العشرات من العقود النفطيه بتوسط بعض الأشخاص ، مع شركات النفط  التي كان بعضها غير معروفاً ، لقاء منحهم حصص وإمتيازات كبيرة ما كانوا يحلمون بها في نفط الإقليم . 

وبدلاً من أن يضع إقليم كردستان على خارطة الدول المصدره للنفط المعتمده لدى المجتمع الدولي كما كان يدعي ، فإنه وعلى العكس من ذلك تماماً ، تسبب بخلق مشاكل وأزمات لا تعد ولا تحصى للإقليم ، وفي مقدمتها تفشي الفساد والتربح ، وتبديد ثروات الشعب وتحكم شركات أجنبية بثروات الإقليم وأرضه ومستقبل أجياله ، فضلاً عن إنه تسبب بخلق أزمةٍ عميقةٍ بين إقليم كردستان والحكومه الإتحاديه ، التي كانت تعارض تلك السياسيه وتقول بإنها ستؤدي الى إهدار نفط  الإقليم الذي يباع بثمنٍ بخسٍ بأسعار تفضيليه لعدد من دول المنطقه . 

وفقا لكتاب رسمي صادر عن رئاسة الوزراء العراقيه في شهر كانون الاول ديسمبر عام 2007 بتوقيع رئيس الجمهورية مام جلال ، ورئيس مجلس الوزراء نوري المالكي موجه الى رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني ، طالبا فيه بارزاني بالعدول عن السياسة النفطيه التي إعتمدتها حكومة الإقليم ، التي كانت تتيح لوزير الثروات الطبيعيه في حكومة الإقليم اشتي هورامي ، أن يوقع عشرات العقود النفطيه خارج القانون ومواد الدستور ، الذي صوت له الشعب العراقي ، وطالباه كذلك في الرسالة أن ينتظر حتى تتوصل القوى والأحزاب السياسيه الى إتفاق حول صيغةٍ لإقرار قانون النفط والغاز والمصادقة عليه في مجلس النواب ، ليضع بدوره إطاراً قانونياً لطبيعة العلاقة النفطيه بين حكومة الإقليم والحكومة الإتحاديه ، وما يمكن أن يتيحه من مساحةٍ للإقليم للتحرك فيها بما يتعلق بالإتفاق وتوقيع العقود النفطيه ، 

إلّا إن حكومة الإقليم معتمدةً على تقارير خاطئه من اشتي هورامي ، الذي كان مدفوعاً بمصالح خاصه ضيقه إستمر على سياسته وتوقيع المزيد من العقود النفطيه . 

سياسية الإستقلال الإقتصادي المزعومه التي كان اشتي هورامي يروج لها فلشت في إدعائاتها ودفعت بالحكومة الإتحاديه مرغمةً إلى إيقاف إرسال حصة الإقليم التي كانت تبلغ آنذاك 17% من إجمالي الموازنة الإتحاديه ، الأمر الذي وضع الى جانب الإنخفاض الحاد في أسعار النفط  حكومة الإقليم في مأزق إقتصادي ومالي ، ليكون شعب كردستان ومواطنيه الضحية الأولى لتلك السياسة الخاطئه التي دمرت إقتصاد الإقليم وبددت ثروات أجياله . 

أية دولةٍ أو حكومةٍ تحترم شعبها وتُعير للقانون وسيادته إحتراماً ، وتدّعي الديمقراطيه والشفافيه في إدارة شؤون البلاد ، ينبغي أن يكون لها قانون ينظم الإيرادات والنفقات السنويه ويكشف بكل صراحةٍ عن نفقاتها وحجم الديون والجهات التي إقترضت منها ، وكيفية التصرف بالأموال التي تم إقتراضها ، وأن تتم محاسبة و مسائلة الأشخاص والجهات والمؤسسات التي تسبب حدوث الفساد وتحميل الحكومة نتائج سياسات خاطئه أسهمت في تراكم الديون وتبديد الثروات .

في إقليم كردستان ومع الأسف الشعب والمواطنون وممثلوهم في برلمان إقليم كردستان ، ليس لديهم علم بحجم وتفصيلات الديون التي تراكمت على حكومة الإقليم ، والسبب وراء الإقتراض وممن ، هذا إضافة الى عدم علمهم بحجم الإيرادات وكميات بيع النفط  والمبالغ المستحصله وآلية توزيعها والتصرف بها .

وبدلاً من أن تتحمل رئاسات حكومات الإقليم السابقه والحاليه جزءاً من المسؤوليةِ والتبعات القانونيه للأخطاء والسياسات الفاشله ، التي إنتهجتها وأدت الى تحميل المواطنين في الإقليم عبئ ديون طائله ، ما يدفع الى التساؤل عن الوضع في الإقليم ومتى يدق ناقوس الخطر لمحاربة الفساد والقضاء على المحسوبيه وإنعدام الشفافيه لدى حكومة الإقليم .

ما يحصل من إهدار كبير للثروات العامه وفي مقدمتها النفط  والغاز وإبعاده عن التدخلات والإملاءات الخارجيه ومعالجة المشاكل العالقه مع الحكومة الإتحاديه وفقاً للدستور والقوانين بات أمراً ملحاً لا يمكن تأجيله أو التغاضي عنه .

هذا فضلاً عن أن وضع برامج مدروسة عملية لمعالجة الأوضاع السياسيه والإقتصاديه والإداريه المزريه لإقليم كردستان ، من مختلف النواحي ، وإعتماد خططاً   لإعادة الإعمار ومحاربة الفساد والإمتيازات غير الشرعيه ، لا يمكن أن يتم من خلال الأشخاص الذين كانوا وراء تفشي الفساد وهم مستمرون في السلطة لحد الآن في إقليم كردستان .

دكتوراه في هندسة الهايدروليكس \جامعة ليفربول \ بريطانيا

وزيرالموارد المائيه الأسبق