ما بعد محمد وماركس/1؟

أسبوعين 5 أيام ago

عبد الامير الركابي
يأتي ماركس بعد قرابة سته قرون على انتهاء الفعالية النبوية الختامية،ليختم من جهته اخر ممكنات الأحادية المجتمعية، بايصالها تصورا الى الحافة الأخيرة من احتمالات الانقلاب قبل ان تأخذ مثل هذه الاحتمالية بالاختفاء واقعيا بحكم البنية، بينما تتجلى هذه خارج المقصود والمستهدف كموضوع للتغيير الأكبر، ويومها يكون الفصل بين محطة القرن التاسع عشر الموحية بالانقلاب الطبقي الأخير، والمحطة النبوية الختامية الابراهيمية الأخيرة، من نوع مالايمكن المقاربة بين طرفية، فما الذي يمكن ان يجمع ثورة الصحراء الماورائية في القرن السابع، بقمة الكشف عن "مادية التاريخ" وحتمياته السائرة بالإنسايوان الى النعيم الأرضي مع حضور الكائن البشري وقوة فعله "الواعي" في العملية التاريخية.
كان النبي محمد يقول بانه تلقى نداء من السماء، وانه حامل "رسالة" يسمعه إياها مبعوث سماوي اسمه "جبريل"، وماينطق به على الاجمال هو بالأحرى دعوة "تسليم" وخضوع لارادة عليا، لامكان فيها لاي من تجرؤات الماركسية التي تضع الكائن البشري في قلب التاريخ وتكلفه مهمة صناعته، وفي الحالتين اذا كان المطلوب حضور الكائن الحي وفعله فان مانجده حاصلا، هو من جهة افتراضات وتمنيات، مقابل حالة قصوى من الفعالية، فالبشر في الجزيرة العربية حضروا برمتهم، وبكل طاقتهم الفعالة، وخرجوا من ارضهم الى العالم ليصلوا الى اقاصي الشرق، بقدرات متدنية ماديا / صحراويا، بما يمكن اعتباره اعظم تجل للفعل الإيجابي في التاريخ البشري، لقد كان النبي محمد بموقع لنين الابراهيمية، بما هواللحظة "التطبيقية" منها، او الخلاصة العملية التي تشجع على القول ب ( الابراهيمية/ المحمدية) بمقابل ( الماركسية/ اللينينية)، لكن مع اختلافات صعبة الإحصاء، فروسيا ليست الصحراء الجزيرية المخنوقه بالاحتلالين الامبراطوريين، وبالذات منهما الفارسي، والعالم في اللحظتين ليس هو، اذا اخذنا بالاعتبار الانقلاب الآلي اللاحق بالعالم وبالعملية الإنتاجية ومترتباته.
ثمة هنا ماهو خاف ومغفل في الحالتين حيث التطابق الأقصى بين البنية والفكرة لدرجة " حلول الفكرة مكان الطبقية او المجتمعية"، وهو ماتتيحة منظومة الأفكار والنظرات المجتمعية والتاريخانية بما خص الظاهرة الاوربية، وتوزعاتها ومنجزاتها المتغيره حسب درجة الأحادية ضمن حالة الأحادية الطبقية العامة الاوربية، فلقد ظل من المتعارف عليه والمعتمد، القول باوربيه الظاهرة الراسمالية، من دون توقف عند تبايناتها، مابين بريطانيا وفرنسا او المانيا، ولماذا اختصت كل من هذه المواضع الرئيسية، بالاقتصاد منجزا فكريا كالحال في بريطانيا، او بالاشتراكية وتجاربها الفرنسية، او الفلسفة كاختصاص الماني، واكثر من ذلك واهم، الاختصاص الفرنسي الأكبر بالثورة الكبرى البرجوازية النموذج، ومثلها ومبادئها، هذا اذا لم نعد للفصل الأول الامبراطوري الهولندي الاسياني البرتغالي.
وليس هنالك من شك في كون الطور الفرنسي الألماني البريطاني هو القمة الغربية الحديثة والتحديثية على مختلف الصعد المتعلقة بالثورة البرجوازية، الامر الذي لاينفي باية حال كون التجلي البرجوازي هومركز يؤره واطراف، وان نوع منجز المواضع المختلفة فيه مختلف ومتمايز فالثورة الكبرى الانقلابية حصلت في فرنسا وليس في المانيا، في حين ان المانيا الفلسفة قد انتجت الفاشية، بينما حصل التغيير التاريخي في بريطانيا من دون ثورة، وليست الطبقية المجردة هي مايقفف خلف مثل هذه الاختلافات الهامة، بقدر مايفعل ذلك الازدواج ودرجته في البنية والكينونة الأحادية، بغض النظر عن الانشطارية الطبقية الشاملة، وبالمقارنة بين الطرفين الاوربيين، الفرنسي والروسي المطعم بالخاصيات الشرقية المشاعية، يبدو ان هنالك مايجعل من فرنسا البلد الأكثر قربا من الازدواجية، الامر الذي كان من شانه تكريس الاشتراكوية العملية والفوضوية في قلب التحول الراسمالي، في حين امتازت المانيا بثقل الحضور الاقطاعي وهيمنته وضعف المجتمع المدني.
ومن الثورة الفرنسية عام 1789 غربا الى ثورة أكتوبر عام 1917 شرقا على الطرف الاوربي، كان مبعث الفعالية المتفوقة على النمط الانتاجوي الصاعد، يعود الى، ويتفاعل بحسب قوة حضور الازدواج ودرجته في قلب الأحادية، الامر الذي كان من شانه ان منح الطبقة العاملة الناشئة في روسيا، فعالية متعدية لقوة وقدرة البرجوازية على الهيمنه، بحيث الغى احتمالية ان تتوقف عند نطاق (الحرية والمساواة والعدالة)، التي هي اقصى ماكان بمقدور البرجوازيه الفرنسية ان تذهب اليه من تنازلات، اذا ارادت المحافظة على سيادتها، وسط بحرالعنف الذي اودى خلال عشر سنوات من الثورة بارواح 800 الف كائن بشري في مجتمع كان عدد نفوسه 27 مليون نسمه.
هذا وكانت الثورة الفرنسية قد اندلعت وأفكار الاشتراكية ونظريتها لم تكن قد وجدت او انتشرت بعد على عكس الحال في روسيا التي حدث فيها نفي للطبقة البرجوازية بالحزب،( أي استبدال الطبقة بالفكرة) في بلد طرفي نصف شرقي، مشاعوي، استبدادي، كان يعيش الانقلاب الراسمالي كازمة، الطبقة البرجوازية ضمنها ضعيفة وغير مؤهلة لاخذ زمام قيادة عملية التحول، ماقد افضى الى حدوث مايمكن تسميته " الثورة البرجوازية بدون طبقة برجوازية" ويختلط الامر هنا بسبب التبسيطية الماركسوية، المسؤول عنها ماركس نفسه، حيث الايديلوجي والارادوي ظاهر في اسباغ صفة "البرجوازوية" الصافية على التحول البرجوازي التاريخي، بما يجعل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا في الخانة نفسها تفصيليا، علما بان ماركس اتخذ من بريطانيا نموذجا له، وهنالك وجد توهميته بخصوص حصول الثورة البروليتارية، لا في فرنسا التي لم تعرف درجة الاضطهاد والمظالم القاسية البشعة التي تحملتها الطبقة العاملة البريطانية، ومع ذلك عرفت ثورة برجوازية هي القمة الكلاسيكية والايقونة، بسبب وقوعها على حافة "البرجوازوية" القريبة من الروسية لا البريطانية، هذا غير ماقد عرفته لاحقا من حضور بروليتاري، هو القمة الفعليه للحضور البروليتاري ابان كومونة باريس،الأهم بنيويا ودلالة بما لايقاس مقارنة بالانقلاب الروسي البرجوازي بدون طبقة برجوازية، والذي استدعى عبقرية التعويض اللينينية أي خلق أداة الانتقال البديله.
كل هذا مما يستوجب ويقتضي ان يعاد النظر في الحقيقة التاريخية التحولية الالية البرجوازية الاوربيه، ومكان وحقيقة ومستوى ودرجة حضور فعل الطبقة البرجوازية فيها، بالتفريق مابين توفر الأسباب المادية للانتقال، وكمال المعادل الطبقي، واشكال تجليه او تبلوره خلال العملية الانتقالية، ذلك مع اننا لسنا هنا بصدد هذا النوع من البحث، اذ نكتفي للحاجة، بالتنوية بنوعيه الحضور الروسي في التحول التاريخي البرجوزازي، وماقد افرزه من شكل انتقال موح بما بعده، ومايعيد الى الذهن مسالة البنية وعلاقتها بالافكار، مابين اللينينية والواقع الروسي، ونمط تحوله الاستثنائي كمجتمع سائر الى الراسمالية بدون طبقة راسمالية مؤهلة، وبين الجزيرة العربية كبنية مجتمعية احترابية أحادية لادولة، خاضعة لقوانين اقتصاد الغزو المقاربة لمبدأ "اقتل لتعيش". بدل "اعمل لتعيش".
في الجزيرة العربية لاتعود الابراهيمة فعل تأسيس لهيكلية المملكة الإلهي على الأرض، كما كان عليه الحال ابان اضطرار"المعارضة العراقية" الأولى في التاريخ البشري، للانتقال الى ارض الشام، متبنية استراتيجيا "الوعد خارج ارضه"، بعد برهة من التوقف عند حران الموجودة ضمن مجال الامبراطورية الاشورية، والتي صارت عاصمتها في وقت لاحق، أي الكيان المناقض داخليا للبابلي، والمحترب معه، ولكن المجافي قطعيا والمناقض بنية والى ابعد حد، لمجتمع اللادولة غير القابل للتجسد ارضويا واحتمالات تجليه المفهومي، مادفع بها لاعتماد الخيار الشامي المصري، حيث المدى الشامي الساحلي غير القابل للتبلور وطنيا، والمحكوم لقانون الدول المدن، مما يوفر تشققات قد تصلح للاستغلال لعيش الجيتوى المنفي، إضافة لمصر المشبعة بمفهوم وواقع الدولة المتسيده على المجتمع، وذروة نمط أحادية الدولة النهري، حيث الدولة غير معرضة للخطر من الداخل المستوعب كليا في الدولة، ماكان يمكن ان يوفر قدرا من التغاضي عن ظاهرة ماتزال معنية بإعادة صياغة ذاتها خارج ارضها بالدرجة الأولى، تتابعا نبيويا ومفاهيما، كان يستمد جانبا مهما من محفزاته، من وطاة الاحتلال الروماني بعد الفارسي الذي تعرفه، وصولا الى ذروة تجليها العيسوية المسيحية، وقوة اختراقها لروما التي كانت الى حينه أحادية واحده، لاتعي ازدواجها، لا الطبقي ولا المجتمعي.
بالمقارنه بين مصر وساحل الشام بنية، ومستوى بناء مجتمعي، بالجزيرة العربية لامجال للمقارنة من حيث الافتراض والنظر العمومي الظاهري، وهو مايبدو مناقضا للحاصل الواقعي، وماقد تحقق على الأرض ابراهيميا على يد النبوة الأخيرة، قبل ان يغلق هذا الباب من أبواب الابراهيمة وتجليها، فهنا يحدث التحرير وإزالة وطاة الامبراطوريتين، ومن هنا تنطلق الابراهيمية لتصل الى الصين وتخترق الهند، وتمتد الى وسط اوربا، وهنا تعود وتتكرس الشخصية الشرق متوسطية في التاريخ وبين الأمم على مستوى الكوكب، ومن هنا يأتي السبب المفضي الى استئناف الكيان الامبراطوري الازدواجي اليات حضوره، وقيام طبعة كونية متقدمة منه، فتكتمل ملامح وأسباب "الدورة التاريخية التصيرية الثانية" على مستوى المنطقة والمعمورة، ونصير على أبواب الانقلاب الأوربي الالي البرجوازي.
ـ يتبع ـ