أحمد راضي الإنسان... عرفه الناس رياضيا لكنني عرفته كأنسان .

أحمد راضي ونجله
أسبوعين 3 أيام ago

ظافر العاني
تعرفت عليه عام ٢٠٠٤ في الدوحة وكنا بالمصادفة نقطن في نفس الفندق . هو جاء مع المنتخب العراقي وانا كنت مدعواً من قناة الجزيرة ، ولفرط لطفه فقد بادرني بالسلام والتحية . تحدثنا طويلا عن احوال العراق ومستقبله والمشاكل التي تصادفه لكنه في نهاية اللقاء سألني عن عدد أولادي فقلت له ثلاثة .
وفي اليوم التالي وجدت في غرفتي ثلاث بدلات رياضية خضراء مزينة بالعلم العراقي والتي حينما رآها الابناء فيما بعد قالوا لي أنها اثمن ماجاءهم من هدايا ومايزالوا عند رايهم حتى يومنا هذا . هذه اللمسة الانسانية هي أول ماتركه أحمد في قلبي بأول لقاء يجمعني به وهي تنم عن حس مرهف لايمتلكه الا ذوي النفوس النبيلة .
عندما عملنا سوية في البرلمان العراقي عام 2008 لم يكن احمد يبالي بالتوجهات السياسية او العقائدية للكتل ولا للصراعات التي كانت محتدمة بيننا . كان معظم وقته يقضيه في لجنة الرياضة وبين الملاعب وكل مايهمه هو كيف يخدم زملاءه الرياضيين ويرتقي بواقعهم ، وحينما نبهه البعض من القيادات لذلك قال لنا : السياسة لكم والرياضة لي .
ولأن قلبه مليء بالرأفة فإن أول مافكر فيه هو تشكيل جمعية لرواد الرياضة ممن اثقلت الحياة كاهلهم ويحتاجون الى الرعاية في شيخوختهم وظل يعمل بدأب حتى أخرج الفكرة الى النور وكنت كلما زرته في شقته وجدت عنده كهولا طاعنين في السن فاستغرب أساله من هذا ؟ فيقول لي انه فلان صاحب الفضية في الدورة العربية للملاكمة عام 1966 . أسأله : ومن هذا ؟ انه بطل الساحة والميدان وقد مثل العراق نهاية الخمسينات في المسافات القصيرة . وهذا ؟ فيقول هو بطل اسيا بكمال الاجسام عام 1971 وبطل المنتخبات العسكرية العالمية . هؤلاء وغيرهم كنت اجدهم في شقة احمد إنهم اساطين الرياضة من المسنين وفي مختلف الالعاب ممن يفطر القلب وضعهم وهو يرعاهم ويعرف كيف يؤدي الواجب معهم بلا ضجيج ولا دعاية مزيفة ، ولم استغرب إجابته عندما قال له احدهم : ولكنهم لايفيدونك كاصوات انتخابية انت تتعب نفسك عبثا معهم فاذا به يرد : لكنهم يفيدوني عندما اقف امام رب العالمين .
احمد سخي كريم النفس وقائمة البر التي يتبناها يعز احصاؤها وهو يحرص أن لايعرف بها احد ولو علمنا بأمر ما مصادفة يحمر وجهه الطفولي خجلا وهو يردد هذه بيني وبين الله ارجوكم لاتنقلوها .
كان متواضعاً بل انه أكثر الشخصيات العامة التي عرفتها تواضعا وان الانسان ليعجب على صبره مع الجمهور الذي يحلق بالعشرات حوله في كل مكان نذهب اليه في نادي الصيد في المقهى في الشارع في المطعم يلتف الناس حوله فاذا به يسلم عليهم واحداً واحداً من دون تبرم او ضجر ويداعبهم ويجيب عن اسئلتهم بلا ملل وفي النهاية يقف معهم بشكل منفرد ليلتقط الصور التذكارية فيما نحن نقف بعيدا وحدنا منزوين جانبا ننتظر أحمد متى يكمل لقاءه وحديثة وربما يسحبه احدنا من يديه ، ولما يعود الينا ضاحكا بفرح كبير يقول لنا مداعبا : لاحظوا الفرق بيني وبينكم انتم السياسيون لا احد يهتم بكم .
وكم كنا نغتاظ من أحمد في المؤتمرات السياسية او الانتخابية التي كنا نعقدها معا فقد كان واضحا لنا أن الجمهور لايهتم من بيننا إلا بأحمد راضي . لقد كانوا يأتون لفعالياتنا الجماهيرية من أجله لا من اجلنا ولذا نحرص ان نضع له صورة كبيرة لاعلاناتنا كي يأتي جمهور أكثر ، وبينما نقف على المسرح متجهمين نلقي خطاباتنا السياسية الحماسية يتسلل احمد من بيننا ويغادر المنصة لينزل مع الجماهير التي تحتضنه وتجاذبه أطراف الحديث وهو يمازحهم فيسبب ارتباكا في القاعة . فالجماهير مشغولة بأحمد راضي ولايهمها ان تستمع لخطاباتنا السياسية ، ومن بين رؤوس الجمهور يلتفت الينا احمد والضحكة تملأ وجهه كأنه يقول لنا : ماذا افعل لكم ؟ بيني وبين الجمهور حب متبادل وهذا هو رصيدي .
وفي جلساتنا الخاصة كان احمد يبهرني فمن اين يأتي بكل هذه القفشات اللطيفة والمداعبات التي تميت من الضحك ولاتخدش الحياء او تجرح احدا منا وهو يقلد جميع حركاتنا واصواتنا بشكل كاريكاتيري مدهش . أما إبتسامته التي ترونها في كل صوره فهي ليست ابتسامة مصطنعة لاغراض التصوير كما يفعل المشاهير بل هي ابتسامة حقيقية لإنسان محب للحياة وللناس نابعة من قلبه المفعم بحب الخير ، لكن لأحمد قدرة فائقة على الانتقال من الهزل الى الجد بلمح البصر دون ان يشعرنا بهذه الانتقالة ونبقى نصغي الى حديثه الشيق المليء بالمعلومات والتحليل الناضج الذي اكتسبه من الحياة ، وفي الايام التي يكون فيها بأية مدينة لايبقي صديقا الا ويزوره ويسأل عنه ويطمئن عليه لمجرد التواصل ليس إلا فلايوجد أفضل من احمد في العلاقات العامة التي تأتي بشكل عفوي وتجد ترحابا في نفوس الجميع لانه لايصطنعها فصداقاته تنبع من القلب بصفاء وطيبة .
اما الخصلة التي تميز احمد عن الكثيرين فهو هذا الايمان العميق في داخله والتصالح المبهر بين الحياة ومباهجها وبين الخشية من الله والرجاء بمغفرته . ففي كل تصرف او كلمة كان يحسب حسابا وحيدا وهو أنه ملاق ربه ذات يوم ولابد ان يكون مستعدا ليوم اللقاء باقل الاوزار .
ولعل هذا مايخفف جزءً من ألمنا على رحيل أبي هيا وهو انه استعد للقاء الله منذ سنين بعيدة بعمل بار وقلب مؤمن .
وكأني أراه اليوم يطل علينا من السماء بوجهه البريء وفرحه الطفولي ليطمئننا عليه هناك .. هناك حيث السعادة بلا انقضاء والرضا بلا انتهاء . من صفحة الكاتب على الفيسبوك