انتفاضة تشرين في مواجهة الحزبين الأميركي والإيراني في الحكم

قادة نظام المحاصصة الطائفية في العراق
أسبوعين يومين ago

علاء اللامي

 مرت انتفاضة تشرين بثلاث مراحل، الأولى هي مرحلة الانطلاقة في مطلع تشرين الأول 2019 وانتهت الموجة الأولى منها بمجزرة القنص. والمرحلة الثانية بدأت مع انطلاق الموجة الثانية بشعاراتها وهتافاتها الوطنية الجذرية المعادية للاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية ومطالبها الاقتصادية والسياسية الاستقلالية وانتهت بإحراق مقرات الأحزاب والمليشيات الولائية التي هربت إلى النشاط السري والقيام بعمليات الاغتيالات والخطف وشن الغارات على ساحات الاعتصام.

شلَّت الانتفاضة بكثافتها وحيويتها واستعداد شبابها العالي للتضحية نظام حاكم المحاصصة تماما، وطوقته سياسيا وأمنيا ونفسيا واجتماعيا من جميع الجهات، وأرعبت حتى العوائل الاقطاعية الكردية وذيولها السياسية في بغداد كما فضحت فساد وطائفية الساسة المقاولين في المنطقة الغربية، فراح هؤلاء جميعا وفي مقدمتهم البارزاني يترحمون على إنجازاتهم "سرقاتهم وامتيازاتهم" والتي قدمها لهم الساسة الشيعة الفاسدون. وهنا، رفع "الرافعون" الشعار المخادع والخطر "الانتخابات المبكرة تحت إشراف دولي"، وبدأت المرحلة الثالثة، والتي يمكن أن نعتبرها مرحلة العرقلة والتمييع التي تزامنت مع انتشار جائحة كورونا، مرورا بجولات الترشيح والترشيح المضاد لرئاسة الحكومة بين حزبي السلطة "الأميركي والإيراني" وصولا إلى منح الثقة للحكومة الحالية. في هذه المرحلة أريد لشعار (الانتخابات المبكرة تحت الإشراف الدولي)، أي بوجود النظام الفاسد ومؤسساته الفاسدة، أن يحل محل الشعارات الوطنية الجذرية، التي بدأت عناصر وشرطة التيار الصدري بإزالتها مبكرا من فوق المطعم التركي ببغداد، فيما كان شباب الانتفاضة يتساقطون قتلى وجرحى برصاص الأجهزة الأمنية والزمر المليشياوية.

وقد ساهمت الأطراف التالية في ترويج هذا الشعار وقطع الطريق على الانتفاضة وعرقلتها: قيادة التيار الصدري وتحالفه البائس "سائرون"، والمرجعية السيستانية، بالتنسيق مع الممثلة الخاصة للأمم المتحدة بلاسخارت، ومن خلفها السفارة الأميركية وعملاؤها المدسوسون وحملة جنسيتها. فهل خُطِفت وانتهت الانتفاضة، أم تمت عرقلتُها وحرفها عن مسارها مؤقتا؟

رغم كل ما جرى من مجازر دموية وأكاذيب وحملات تحريض وتشويه داخلية وخارجية، صمدت انتفاضة تشرين الباسلة، وحافظت على سلميتها وكفاحيتها العالية. وفي مقابلها، توحدت قوى الرجعية والظلام والسفارات الأجنبية والانتهازية اللبرالية واليسارية، ولم تنتهِ الانتفاضة كما أرادوا لها أن تنتهي. وكانت آخر محاولة فاشلة قام بها أصدقاء واشنطن لركوب الموجة وخطف الانتفاضة هي دعوتهم إلى التظاهر ضد إيران والنفوذ الإيراني فقط بعد تظاهرات 24 كانون الثاني 2020 ضد الوجود الأميركي والتي قامت بها الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران، ولكن ما حدث يومها خيب آمالهم، وكان ردا شعبيا واسعا وهادرا في بغداد وعدة محافظات رغم عدم مشاركة التيار الصدري فيها فانكشفت فيها أكذوبة أن قواعد هذا التيار تشكل نسبة مهمة من المنتفضين، وكانت هذه الهبة الشعبية ضد الاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية معا، عودة قوية إلى شعارات الانتفاضة الأصيلة الأولى. وهنا، طار صواب أحزاب النظام، فتوحدت وقررت "التوافق" مع عملاء أميركا لإنهاء الانتفاضة وفق خطة مسرحية، يقوم بموجبها عميل عريق للمخابرات الأميركية والبريطانية بدور "طرزان في الغابة"، فيما يكتفي العامري والصدر والمالكي والخزعلي بتوجيه التحذيرات والتنبيهات له بوصفهم شرطة المرور الخاصة بنظام الفساد والتبعية وخطوطه الحمراء بعد أن عجزوا في تمرير واحد من مرشحيهم للمنصب! فكيف، ولماذا سمح أصدقاء إيران لمرشح حلفاء واشنطن باستلام منصب الحاكم التنفيذي الأول ولسان حالهم يقول: عميل أميركي نقاسمه كعكة الفساد والقمع ولا رئيس حكومة وطني استقلالي "يرسل جلدنا إلى الدباغ الشعبي"؟

جمر الانتفاضة لم ينطفئ، وهي ستواجه تحالف الحزبين الأميركي والإيراني مجددا: *اعتبارا من شهر آذار 2020، تمكنت الأطراف الداعية إلى "الانتخابات المبكرة" من توسيع دائرة نفوذها، والتشويش على المنتفضين، الذين وجدوا أنفسهم محاصرين ينزفون الدماء، ويواجهون الرصاص وقنابل الغاز والسكاكين وحتى بنادق الصيد في الشوارع والساحات، ويقتلون اغتيالا - وخصوصا الثوار الأكثر تمسكا بسلمية الانتفاضة - ويخطفون من قبل العصابات الحزبية والمليشياوية والأجهزة الأمنية وسط صمت شامل من الهيئات الدولية والدول الأجنبية التي راهن عليها بعض المخدوعين وكلام خجول من المرجعية الدينية التي عوَّل عليها بعض المضللين، كلام يساوي بين فعاليات الانتفاضة السلمية والتجاوزات البسيطة كإحراق الإطارات وبين رصاص وقنابل القوات الأمنية وجرائم المليشيات. جرى كل ذلك والمنتفضون ممنوعون من التقدم إلى الأمام ومن تشكيل قياداتهم في هيئة لجان شعبية ذاتية وانتخاب ممثليهم في مجالس شعبية صاحبة قرار بل حرموا حتى من التظاهر والاعتصام في المناطق المهمة ومنها معقل النظام في المنطقة الخضراء، وهنا بدأت الانتفاضة تفقد زخمها بالتدريج بعد خمسة أشهر ملحمية من الكفاح البطولي وتدخل حالة الجزر.
*ثم جاءت جائحة كورونا، والحركات البهلوانية التي قامت بها بعض الشخصيات والمجموعات الانتهازية، وخصوصا من حملة الجنسية الأميركية كمجموعات الزرفي، ثم الكاظمي، فوسعت من دائرة نشاطها، وزادت أحزاب النظام من تدخلها وابتزازها للمنتفضين ومارس بعضها القمع المباشر بالرصاص والهراوات كما فعل التيار الصدري في مجزرة "جرة الإذن في النجف"، ولجأ بعضها الآخر إلى التضليل وتشكيل الوفود وتقديم العرائض دون تفويض شعبي واستلام التمويل والتجاوب مع محاولات شراء الذمم، ومحاولة تحويل الانتفاضة الى حزب من الأحزاب القائمة.
*واستمر المشهد على ما هو عليه، ثم أقيم "بازار" اختيار رئيس جديد للحكومة، وقدم حلفاء طهران مرشحهم محمد شياع السوداني فأسقطه حلفاء واشنطن، ورُشحَ بعده محمد توفيق علاوي فرفضه فريق من حلفاء طهران بقيادة المالكي والقيادات الاقطاعية الكردية وبعض الساسة العرب السنة، وسبب رفضهم لمحمد علاوي على علاته ورغم كونه من أبناء النظام ووزيرا سابقا فيه، هو أنه تعهد في الإعلام أمام الشعب العراقي بعدم قبول مرشحي الأحزاب للوزارات وبرفض إملاءاتها وبتعهده بمحاكمة قتلة المتظاهرين السلميين. ثم، وفي حركة ذكية وبارعة بادر حلفاء واشنطن الى ترشيح عميل مفضوح يحمل الجنسية الأميركية هو عدنان الزرفي وهنا أصيب حلفاء طهران بالذعر فوافقوا بسرعة على مصطفى الكاظمي كبديل له وهو الذي كان بعضهم قد رفضه بل وطالب بمحاكمته كجاسوس متورط في مقتل سليماني والمهندس! وهنا اتفقت أحزاب ومليشيات النظام كلها على منح الثقة لمصطفى الكاظمي كرئيس للوزراء الذي بادر، وبموافقة أميركية، إلى منح إيران حق تصدير الكهرباء إلى العراق لمدة عامين جديدين.
*غير أن الأمل ما يزال قائما في أن انتفاضة تشرين المجيدة، ومثلما فاجأت الجميع بانطلاقتها في مطلع تشرين الأول 2019، وقلبت جميع الحسابات، ستفاجئ الجميع مرة أخرى، بعد أن انكشفت أطراف الحلف غير المقدس بين أعداء الشعب العراقي من حلفاء وصنائع واشنطن و حلفاء وصنائع طهران اليوم، وستعود التظاهرات والاعتصامات لتملأ الشوارع والساحات مجددا في موعد زمني لن يكون بعيدا وقد لا يتجاوز العام، بعد أن استفادت وأخذت العبرة من هفواتها وأخطائها ونقاط ضعفها، وعرفت أعدائها الحقيقيين الذين يقفون الآن في خندق واحد، ويحاولون إهالة تراب النسيان على الآلاف من شهدائها وجرحاها وأهدافها النبيلة!
والسلام على شهداء انتفاضة تشرين الأماجد، والشفاء لجرحاها والحرية لمعتقليها ومغيبيها....والتحية والاعتزاز لكل من بقي وفياً لمبادئها ومثلها وشعاراتها الوطنية الاستقلالية من شبابها وشاباتها الشجعان!