أسطورة الأمن القومى المصرى

أسبوعين ago

خليل كلفت

1: صار "الأمن القومى المصرى"، منذ ظهور مفهومه عندنا، قُدْس أقداس كيان مصر وبقائها ومصيرها، مع أنه فى الحقيقة لا يعدو أن يكون أسطورة تم استيرادها ككلمة دون استيراد ما جعل مثل هذا الأمن حقيقة واقعة فى مكان آخر أو أماكن أخرى. ولا يخفى على أحد، خاصةً بعد أن كشفت ثورة 25 يناير كل مستور، أن هذا التعبير صار مهزلة المهازل، وصار أضحوكة فى ظل الحكم الإخوانى. غير أن هذه المهزلة المضحكة لم تبدأ ببداية سلطة الإخوان ولن تنتهى بنهاية سلطتهم فى القريب العاجل بإذن واحد أحد. ويرجع حق "تأليف" هذا التعبير إلى الأستاذ محمد حسنين هيكل فربما كان مترجمه ومستورده الأصلىّ، أو أحد مترجميه ومستورديه، لكنه كان على كل حال مروِّجه الحقيقى الكبير فى عهد عبد الناصر، الذى أنجب عهد السادات، الذى أنجب عهد مبارك، الذى أنجب عهد طنطاوى وعهد مرسى مسئول مكتب الإرشاد فى رئاسة الجمهورية. وأنجبتْ أسطورةُ "الأمن القومى المصرى"، بدورها، مجموعةً ميثولوچية كاملة من أساطير ما يهدد أو يحمى الأمن القومى المصرى. وبدلا من بناء واقع حقيقى لهذا التعبير جرى استخدامه كأداة فعالة لا صوت يعلو عليها لاستخدامها سيفا مُصْلَتًا ضد حريات وحقوق وحركات ومعارضات الشعب، ضد أخطار تتهدد هذا "التعبير الفارغ من المحتوى".
2: والمفهوم جديد فى العالم كله، فقد ظهر فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهو أمريكى المنشأ، وله بالطبع ما قبل تاريخه فى قرون سابقة (توماس هوبز و إيمانويل كانط). وله هناك واقع مادى بل واقع مادى مُفرط، بفضل امتلاك قدرة مادية فعلية مفرطة. وإذا كان هذا المفهوم قد انتشر إلى بلدان أخرى كثيرة وربما إلى جميع بلدان العالم، فقد كان فى حالات معروفة متسقا مع أساس مادى فعلى فى تلك البلدان أو مع طموحات أثبتتْ واقعيتها لأنها كانت تبنى نفسها وتبنى بالتالى واقعا ماديا جديدا وطيدا فى بلدان أخرى معروفة أيضا، غير أنه كان فى أغلب بلدان العالم مجرد ترويج لتعبير يدعم هيبة غير موجودة أصلا لأمن مستباح؛ وفرق كبير بين أن نتحدث عن الأمن القومى الأمريكى أو الروسى أو الصينى أو الفرنسى أو حتى الألمانى، وأن نتحدث عن الأمن القومى المصرى أو العربى أو .... الصومالى!
3: ويمكن القول بصفة عامة إن العالم ينقسم إلى بلدان رأسمالية متقدمة فى الشمال وبلدان تابعة فى الجنوب، وبين هذه وتلك بلدان تحاول بفعالية أو بدون فعالية الانفلات من تبعية بلدان الجنوب فى سبيل اللحاق بتقدم بلدان الشمال. والصورة العامة ليست وردية بل هى كارثية فى الحقيقة. فأكثر بلدان العالم تقدما تعانى ما يمكن وصفه بالركود الدائم الذى تتعاقب أزماته الطاحنة وتأتى عدوانيتها وبربريتها ووحشيتها فى هذا السياق. ومن هذه البلدان بلدان غير تابعة اقتصاديا ولكنها تابعة سياسيا، وتتدبر فجوة عدم استقلالها وافتقارها إلى قوة عسكرية ودپلوماسية ذات شأن بالتحالف مع قوة كبرى تنضوى تحت مظلتها الحامية فتُقايض استقلالها السياسى والدپلوماسى بالحماية العسكرية الإستراتيچية (ألمانيا والياپان). وهكذا صارت هيراركية القوة العسكرية والاقتصادية فى هذه البلدان أساس هيراركية أمنها القومى الفعلى وليس الأسطورى بالطبع. ولأن التبعية الاقتصادية والافتقار إلى الاستقلال بكل جوانبه باستثناء ما يسمى بالاستقلال الدستورى الذى لا يعدو أن يكون حبرا على ورق فمن العبث العابث الحديث عن أىّ صلة تربطها بالأمن القومى؛ فهى لا تملك سوى حقيقة أنها مستباحة على كل المستويات وبصورة شاملة. ويشمل مفهوم الأمن القومى بين عناصره العديدة المترابطة المتشابكة الأمن الاقتصادى، والأمن العسكرى، والأمن السياسى، وأمن الطاقة والموارد الطبيعية، والأمن البيئى، والبلدان التى تملك هذه العناصر وكل العناصر التى تصاحبها أو تتفرع عنها هى التى تملك مقتضيات الأمن القومى، والبلدان التى لا تملك شيئا من هذه العناصر المترابطة لا تملك شيئا من مقتضيات الأمن القومى وبالتالى فإنها مستباحة دون حماية لبقائها ذاته فلا ينطبق عليها مفهوم الأمن القومى فهذا الأخير قدرة متحققة بالفعل وليس تعبيرا أجوف أو حتى طموحا لم يتحقق بعد.
4: وعناصر هذه الصورة القاتمة لدول الجنوب والعالم الثالث ومنها مصر إشارة لا تُخطئ إلى الأخطار الكبرى والكوارث التى تتهدد مصيرنا ومجرد بقائنا، كما أنها إشارة إلى جبال الجهود المطلوبة منا ليس لمجرد البقاء؛ فمجرد البقاء تعبير لا معنى له، لأن البقاء من المستحيل تحقيقه وحمايته وتطويره بدون التقدم الإستراتيچى التاريخى فى سباق رهيب مع الزمن الذى صار يحاصرنا ويوشك على أن يحدد بنفسه مصيرنا. وإذا أدركنا جبال الجهود المطلوبة منا فسوف يتضح لنا أن إسقاط حكامنا الاستبداديِّين السابقين والحاليِّين واللاحقين، رغم أهميته ومجده، ليس سوى خطوة أو خطوات محدَّدة فى طريق شاق طويل نسبح فيه ضد التيار فى عالم إمپريالى مُعادٍ يوقف نمونا ولا يسمح لنا بالسير إلى الأمام.
5: وطوال العقود التالية لانقلاب 52 العسكرى إلى الآن تتلخص حالتنا من حيث ما يسمَّى بالأمن القومى المصرى فى العجز التام عن تحقيق أدنى مقتضيات هذا الأمن. وبحكم الطبيعة الرأسمالية للعهود المتعاقبة خلال هذه العقود فقد عجزتْ عن الخروج من قفص التبعية الاقتصادية، وعجزت عن بناء جيش قوى، وعجزت عن بناء الأمن السياسى الداخلى والخارجى، بل طبقت سياسة أمنية باطشة ضد الشعب ومختلف أنواع المعارضة، وكانت حالتنا هذه متغيرة ولكنْ دائما من سيء إلى أسوأ إلى أن وصلنا الآن إلى أسوأ الأسوأ.
6: لم يتحقق من عناصر ومقتضيات الأمن القومى عنصر أو مقتضى الأمن العسكرى ببناء جيش قوى وفعال وقادر على حماية البلاد والعباد. ولحقت بالجيش هزائم متوالية من هزيمة 56 إلى هزيمة 67 إلى حرب أكتوبر 73 المسماة بصورة شبه رسمية حينها بحرب اللانصر واللاهزيمة، وهى التى جاءت بمعاهدة السلام مع إسرائيل، وبالقوة المتعددة الجنسيات بقيادة القوات الأمريكية فى سيناء، لأنها حتى إذا كانت قد ارتفعت إلى مستوى التعادُل، كما يقال فى كرة القدم، فقد ظللنا مهزومين بنقطتين وفقا لنتائج هزيمة 67. ومع هذا كانت لهذا الجيش مغامراتٌ كُبراها تلك المغامرة فى جبال اليمن لحماية الجمهورية هناك بثلث الجيش المصرى مما جعل هزيمة الجمهورية هنا فى 67 أسهل من السهولة، بالإضافة إلى قيادة سياسية وعسكرية لا تصلح لإدارة حرب، وبالإضافة بصورة خاصة إلى حقيقة أن إمپريالية الولايات المتحدة هى التى تمسك فى يديْها القويتين بتوازن القوى العسكرى بيننا وبين إسرائيل، خاصة بعد تغيير المعسكر فى مصر من الاتحاد السوڤ-;-ييتى السابق إلى الولايات المتحدة، مع أن وجود إسرائيل بكل أهدافها التوسعية إلى جوارنا هو الذى كان يفرض على مصر بالذات، كدولة، ضرورة امتلاك جيش قوى قادر. وتمثلَ النجاح الحقيقى للجيش فى عسكرة الحياة الاقتصادية والإدارية ونشوء طبقة رأسمالية بيروقراطية تابعة على أساس ملكية الدولة ورأسمالية الدولة، وكانت هذه الطبقة نواة الطبقة الرأسمالية التابعة فى عهد السادات وعهد مبارك. وكانت من بين نجاحاته وإنجازاته دولة المخابرات داخل الدولة إلى جانب الدولة الپوليسية كأداة فعالة لسياسة الحل الأمنى ضد كل معارضة شيوعية أو إخوانية أو ليبرالية. ولم يكن الذنب ذنب الجيش فى حد ذاته، ولا يمكن إلا تمجيد تضحيات الملايين من جنوده وضباطه فى أجيال متعاقبة وفى مقدمتهم شهداء وجرحى الحروب، بل كان ذنب القيادة السياسية العسكرية العليا. وفيما بعد أحيل الجيش عمليا إلى التقاعد إلا فى مواجهة الشعب وانتفاضاته وثورته الأخيرة. وكانت الجائزة المادية الاقتصادية والإدارية وبالتالى السياسية لقيادات الجيش هائلة فإلى جانب مكاسبها القديمة فى عهد رأسمالية الدولة الناصرية التابعة صارت قيادات الجيش تغتصب نصيب الأسد فى اقتصاد البلاد. ولسنا هنا بحال من الأحوال أمام أمن عسكرى كجزء مما يسمَّى بالأمن القومى المصرى. وهذا الجيش هو الذى يقف الآن عاجزا حتى أمام صوملة شبه جزيرة سيناء، على أيدى الجماعات الجهادية المصرية وحركة حماس الفلسطينية فى غزة، بكل أخطار ذلك على حاضر مصر ومستقبلها، وليس بمجرد صوملة سيناء.
7: ولا سبيل بالطبع إلى بناء جيش قوى بدون بناء اقتصاد قوى مستقل. وكان بناء الاقتصاد القوى، كما كان بناء الجيش القوى، من شعارات وربما طموحات انقلاب 52 العسكرى. ويعنى بناء اقتصاد قوىّ مستقل شبكة هائلة مترابطة من التطورات والتحديثات الاقتصادية التى تتمثل محصلتها فى التحرُّر من التبعية الاقتصادية. وتلعب الصناعة الحديثة الدور القيادى الأكبر ضمن هذه الشبكة. ذلك أنه بدون ثمار الصناعة على الزراعة لا مجال للحديث عن زراعة حديثة متطورة، ولا مجال للحديث عن سياحة متطورة، أو عن بنية أساسية حديثة، أو عن خدمات متقدمة، أو عن تجارة خارجية يبرز فيها دور الصادرات الصناعية ويتراجع فيها دور صادرات الصناعة الاستخراجية والمواد الأولية والزراعية. ولم تنجح الأنظمة السياسية المتعاقبة منذ انقلاب 52 فى إقامة صناعة ثقيلة حقيقية رغم الشعارات، بل عجزت مصر حتى عن وضع الخطة الخمسية الثانية موضع التطبيق بعد تواضُع وهُزال نتائج ومنجزات الخطة الخمسية الأولى. وعلى هذا، لم تكن العملية الاجتماعية الاقتصادية الأساسية فى تلك العهود المتعاقبة طوال تلك العقود الطويلة عملية خلق ثروة جديدة بل كانت عملية نقل ثروة قائمة، رغم هزالها، من الطبقة الرأسمالية المالكة التابعة فى العهد الملكى البريطانى إلى طبقة رأسمالية مالكة تابعة جديدة على أساس رأسمالية الدولة وبرچوازية الدولة البيروقراطية كنقطة انطلاق للتطورات الاجتماعية الاقتصادية اللاحقة فى عهد السادات وعهد مبارك. وكانت المحصلة هى الزراعة المصرية التى يعمل فيها عشرات الملايين من الفلاحين وفقراء الريف على أساس إنتاجية عمل متدنية ومستويات تقنية تقليدية ومتدنية وصار الريف الذى كان يغذِّى نفسه والمدينة يعتمد على النسبة الضخمة المتزايدة التى تساهم بها الواردات الزراعية فى أمننا الغذائى وبالأخص فيما يتعلق بالقمح. واستفحلتْ البطالة فى المدينة والريف ولا تنطبق على هذه البطالة خصائص البطالة فى الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة فى البلدان الصناعية. ذلك أنها ليست بطالة إزاحة الآلة للعامل إلا بصورة جزئية، فهى بالأحرى بطالة وسائل إنتاج تقليدية ومتخلفة فى الصناعات الاستهلاكية والخفيفة والزراعة التقليدية الموروثة بجانبها الأكبر فلا أمل فى أن تستوعب السكان فى سن العمل فتتفاقم البطالة والبطالة المقنَّعة ويزداد تعقيد مشكلة البطالة نتيجةً للزيادة السكانية الكبيرة فى بلد لا يُحْسِن فيه أغلب الناس سوى الإنجاب حيث تولد أجيال بلا غذاء أو تعليم أو صحة أو مستقبل. وفى ظل هذه الشروط يتدهور العلم والتعليم، وتتدهور الجامعات والمعاهد والمدارس، ويصير التغنِّى بالثروة البشرية المصرية حديث خرافة، كما يُقال، فالثروة البشرية لا تتمثل فى مجرد وجود عشرات الملايين من السكان فى سن العمل يعانى أغلبهم البطالة وضعف أو انعدام التدريب، بل تشترط عمالة واسعة تدربت من خلال عملها الطويل فى صناعة متطورة وزراعة متطورة وفروع متطورة أخرى من فروع الاقتصاد. وهنا لا نجد أثرا لمفهوم الأمن الغذائى ضمن عناصر مفهوم الأمن القومى. وفى بلد يملك ثروة سياحية كبرى بفضل آثاره العظيمة من مختلف العصور خلال سبعة آلاف عام ومشاهده الطبيعية المتنوعة، تتخلف السياحة من حيث عدد السياح ومستويات الفندقة والبنية الأساسية ومختلف الخدمات والإهمال الإجرامى لآثارنا الفرعونية والقبطية والإسلامية. وينعكس هذا فى هُزال الدخل المصرى من السياحة بالمقارنة مع بلدان لا تملك معشار ما نملك من الثروة السياحية وتُحقق مع ذلك أضعاف ما نحقق من دخل من السياحة. كما جرى إهمال قناة السويس التى كان من الممكن أن تحقق أضعاف الدخل الحالى فى حالة تطوير وتحديث خدماته وبنيته الأساسية. ويتحدثون الآن عن "تطويرها" عن طريق فتح أبوابها لتدمير الصكوك وقطر وغيرهما. وتتفاقم بالطبع المشكلة المالية والدين الخارجى الهائل الذى يحوِّل بلدان العالم الثالث من خلال خدمة الديون إلى المموِّل الحقيقى للبلدان المتقدمة. وفى مثل هذه الأوضاع كان لا مناص من أن يزداد الفقراء فقرا، حيث تتواصل آفات الجهل والفقر والمرض، حيث يعيش الملايين من المصريين فى المقابر والعشوائيات، فى بيئة تتفشى فيها الأمراض الناشئة عن الجوع وسوء التغذية، وعن لا مبالاة الدولة إزاء الأوضاع الصحية الكارثية التى تفترس بڤ-;-يروساتها الكبدية وغيرها أغلب المواطنين، ولا يحصل عشرات الملايين هؤلاء على تعليم حقيقى بل يتسرب أغلبهم من مرحلة التعليم الأولية. ويتفاقم هذا الفقر الذى تتمثل أشكاله المادية فى أزمات الغذاء، والسكن، والكساء، والصحة، وغيرها، نتيجة لتفاقم الفساد الذى انتشر وتفشَّى حتى استطاع تجريف كل أساس اقتصادى لحياة الفقراء، حيث تعيش النسبة الهائلة من الفقراء تحت خط الفقر فى أوضاع من الجوع والحرمان وحَيْوَنَة البشر بفرض حياة السائمة عليهم. وفى مثل هذه الاقتصادات التابعة للإمپريالية العاجزة عن تحقيق فائض اجتماعى كبير يكون أساسا وطيدا لمستويات معيشة لائقة بالبشر؛ تتدهور مستويات الأجور، ويتفاقم التضخم، وتستفحل البطالة، وتُقَيَّد الحريات والحقوق النقابية والسياسية، ويجرى تجريم كل نضال، وتصير كل مكاسب الطبقات العاملة والشعبية، حتى تلك التى تتحقق من خلال ثورات سياسية شعبية، عرضة للهجوم المتواصل؛ وعرضة للتبخُّر.
8: وغير بعيد عن مقتضى الأمن الاقتصادى كضرورة من ضرورات الأمن القومى، أىْ تحقيق القدرة الاقتصادية المتينة التى تصنع تقدم الشعب وتحمى وتطوِّر شروط هذا التقدم، ننتقل إلى أمن الطاقة والموارد الطبيعية. ولا حاجة إلى تأكيد الواقع الكارثى فى هذا المجال. فالموارد الطبيعية لا يمكن تطويرها بطبيعة الحال إلا فى سياق تقدم صناعى رائد لكل قطاعات الاقتصاد. ولم يتحقق أىّ تطوير كبير للصناعات المنجمية، كما أنه لم يتحقق لا تطوير الموارد المائية ولا ترشيد استغلال مياه الرىّ بالانتقال الحاسم من الرىّ المصرى التقليدى إلى نظام مختلف تماما بإعطاء الظهر للترعة والقنوات والجداول بالاعتماد على الأساليب الحديثة للرى الموفِّرة للماء، وتنمية المياه الجوفية، وتحلية مياه البحر، فى بلد يبلغ عدد سكانه قرابة تسعين مليونا ولا تتجاوز حصته من مياه النيل 55 مليار متر مكعب فى السنة؛ ومعنى هذا أن نصيب الفرد المصرى من هذه المياه يصل إلى حوالى 600 مليون متر مكعب فى السنة، على حين أن نصيب الفرد لا ينبغى أن يقلّ عن ألف متر مكعب فى السنة وإلا تعرَّض السكان للفقر المائى والجوع المائى؛ ونحن لا نتعرض للفقر أو الجوع المائى لأول مرة نتيجة لسدّ النهضة وباقى السدود الإثيوپية بل نعيش فيهما منذ عقود طويلة لم تحرِّك فيها حكوماتنا المتعاقبة ساكنا. وبالطبع فإن سدود إثيوپيا وفى مقدمتها سد النهضة تمثل كارثة على مياه الرىّ والزراعة ومياه الشرب ومياه توليد الكهرباء فى مصر؛ فتُحَوِّل المصيبة الأصلية إلى كارثة كبرى تتهدد حياة المصريِّين وتهددهم بالعطش والظلام وانقطاع الكهرباء بكل نتائج ذلك على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك؛ كما تهددهم باحتمال التورط فى حروب المياه. وللإنصاف فإن مسئولية الإخوان المسلمين تقتصر على سلوكهم السياسى فى الفترة الأخيرة بشأن سد النهضة. ولو كانت فى مصر حكومات رشيدة طوال عقود طويلة سابقة لاختلف الوضع كثيرا فى هذا المجال. ذلك أنه كان ينبغى طوال ستين سنة تطوير وتعميق مصالح متبادلة مع دول حوض النيل وبالأخص دول منابع النيل. فمن خلال المصالح المتبادلة الواسعة النطاق كان يمكن التوصل مع تلك الدول إلى اقتسام عادل لمياه النيل، بل كان يمكن أن تشارك مصر هذه الدول فى رسم وتخطيط وتنفيذ سياسة مائية عادلة بالاستناد إلى المصالح المتبادلة الاقتصادية والتقنية الفعلية على الأرض. وهناك مَنْ يجعل عهد مبارك مسئولا وحده عن عدم خلق وتطوير وتوسيع وتعميق المصالح المتبادلة مع بلدان حوض النيل. غير أن التقصير إزاء دول حوض النيل يشمل كل العهود السابقة بلا استثناء. وهناك مَنْ يستثنى عهد عبد الناصر، انطلاقا من اهتمامه بالدائرة الأفريقية. غير أننا لا نتحدث عن العلاقات العامة مع تلك الدول بل عن غياب خلق وتطوير وتوسيع وتعميق مصالح متبادلة اقتصادية وتقنية معها. ولم تكن مصر طوال كل هذه العهود والعقود متطورة اقتصاديا وتقنيا ومعرفيا ومن حيث إدراكها لحقائق واحتمالات تطور مشكلتنا المائية، ولهذا عجزت عن تأمين أمننا المائى على المدى الطويل. أما مسئولية حكم الإخوان المسلمين فتقتصر على تحويل المصيبة الأصلية إلى كارثة جديدة. فقد أدى السلوك السياسى لحكم المرشد فى الفترة الأخيرة إلى إضعاف موقف مصر دوليًّا. ففى اجتماع "أمن قومى" عقده السيد محمد مرسى مندوب المرشد فى رئاسة الجمهورية مع أحزاب إسلامية فى حضور انتهازيِّين مثل أيمن نور و عمرو حمزاوى، حدثت مسخرة من مساخر "الأمن القومى المصرى". فقد كان ذلك الاجتماع "السرى" يُذاع على الهواء، على طريقة مطار إمبابة السرى، لأن السيدة باكينام الشرقاوى نسيت إبلاغ الحاضرين أن الاجتماع يُذاع على الهواء وليس سريا كما تصوروا. وكانت التهديدات واقتراحات العمل المخابراتى لتدمير سدّ النهضة وتأليب جبهة تحرير أورومو وجبهة تحرير أوجادين ضد النظام الإثيوپى وغير ذلك وثائق جاهزة ضد مصر فى حالة إحالة القضية إلى مجلس الأمن أو محكمة الجنايات الدولية. وعلى كل حال تواصلت التهديدات والتخفيفات بصورة علنية؛ مع أن من المشكوك فيه أن تكون مصر قادرة على أن تحرِّك ساكنا فلا هى قادرة على الغرق فى المستنقع الإثيوپى من خلال حرب برية يعود منها الجيش مهزوما خاصة فى ضوء وقوف السودان فى قضية سد النهضة مع إثيوپيا وليس مع مصر، ولا يبدو أن القصف الجوى أو البحرى سيكون ناجحا، ولا يبدو أيضا أن يكون العمل من داخل إثيوپيا فعالا. وفيما يتعلق بأمن الطاقة فإنه لم يتم تطوير صناعة استخراجية وطنية للنفط والغاز كما أنه لم يتم تطوير صناعة پتروكياويات قوية. ومن هنا أزمات استهلاك الطاقة التى صارت تشلّ الحياة من خلال أزمات البنزين والسولار كما صارت تؤدى إلى انقطاع التيار الكهربائى مع احتمالات المزيد من تفاقم واستفحال أزمة الطاقة.
9: ولأن الأمن القومى قدرةٌ على تحقيق الأمن وليس مجرد رغبة فى تحقيق هذه القدرة أو مجرد حلم بتحقيقها أو مجرد طموح إلى تحقيقها أو مجرد أوهام عن وجودها الفعلى المتحقق على الأرض، فإن القدرة غائبة فى مجال الأمن البيئى مهما كانت الأوهام والرغبات والأحلام والطموحات. ويتضح هذا من طريقة تعاملنا مع كوارث إيكولوچية محتملة. فمنذ عقود تُقِضُّ مضاجع السكان والدول فى كل مكان على ظهر الكوكب احتمالات ارتفاع مناسيب الماء فى البحار والمحيطات، نتيجة ذوبان ثلوج المحيط المتجمد الشمالى، مهدِّدةً بإغراق كل المناطق المنخفضة ومنها دلتات الأنهار. وهناك تقارير ودراسات خطيرة عن تهديد ارتفاع منسوب مياه البحار لدلتا النيل فى مصر، وهذه كما نرى كارثة كبرى. فهل خططت دولتنا لمواجهة هذه الكارثة البيئية لتفادى غرق الدلتا؟ أم ارتاحت إلى زعم خبراء مثل السيد رشدى سعيد أن هذه الكارثة غير واردة مطلقا؟ ويدرك القارئ أن غرق دلتا النيل يمثل كارثة مدمرة لمصر كلها ما لم يتم مقاومة هذا الاحتمال ونتائجه منذ الآن بل منذ أمسٍ غير قريب: غرق الدلتا يعنى تهجير عشرات الملايين من السكان، وعشرات المدن، وآلاف القرى، وفقدان الأرض الزراعية التى تتركز بجانبها الأكبر فى الدلتا، وغرق أو نقل مئات وآلاف المصانع والورش، وفقدان عشرات الآلاف من مبانى الجامعات والمعاهد والمدارس والمستشفيات والمصانع ومختلف المنشآت، كما يعنى مشروعا هائل الضخامة فى الظهير الصحراوى لمصر لإعادة توطين كل هؤلاء السكان والصناعة والخدمات واستصلاح ملايين الأفدنة من الأراضى للزراعة. كما أن الحكومات المصرية المتعاقبة، وبالأخص منذ وقت ما فى عهد مبارك أىْ منذ اتضحتْ حقيقة هذه الأخطار البيئية الكارثية، أظهرت لامبالاة إجرامية إزاء احتمالات انتقال هطول أمطار النيل من هضبة إثيوپيا إلى صحراء مصر الشرقية عند البحر الأحمر بما يهدد بجفاف النيل. وقد عبَّر السيد محمد مرسى فى خطابه أمام الأحزاب والجماعات الإسلامية المتطرفة الإرهابية ببلاغة عن منطق الحكومات المصرية المتعاقبة عندما قال إن هيرودت قال إن مصر هبة النيل، وأضاف من بنات أفكاره أن النيل هبة الله للمصريِّين، وأن هذا هو سبب اطمئناننا؛ فوفقا لمنطق "للكعبة ربٌّ يحميها" صار مصدر اطمئناننا وعدم خوفنا هو أن "للنيل ربٌّ يحميه"! وتتعدد صور اللامبالاة إزاء مختلف الأخطار البيئية المحتملة وتلك التى حلَّتْ بنا بالفعل، ومنذ مبارك و يوسف والى صارت الدولة تعمل مباشرة فى مجال سرطنة زراعتنا وكل حياتنا.
10: وإذا انتقلنا إلى الأمن السياسى صدمنا غيابُه الفادح الكارثى حيث تسود المجتمع المصرى بفعل الدولة المصرية ومسئوليتها انقساماتٌ تنطوى على أخطار مخيفة. وإذا طوينا صفحة العهد الملكى البريطانى وبدأنا بسياسات الحكومات المتعاقبة منذ انقلاب 52 فسنجد أنفسنا قبل كل شيء إزاء سياسة الحل الأمنى فى مواجهة كل معارضة. وقد بدأ تطبيق سياسة الحل الأمنى منذ البداية عن طريق تدمير الحقوق والحريات النسبية التى حققها الشعب المصرى بفضل ثورة 19؛ فأُلغيتْ الأحزاب جميعا وتمّ بناء الدولة المخابراتية الپوليسية وصارت دولة إدماجية كورپوراتية تخضع فيها كل النقابات العمالية والمهنية والفلاحية لأجهزة الدولة وكان لا مناص بالتالى من امتلاء السجون بالشيوعيِّين وبالإخوان المسلمين وبغيرهم أيضا: بالشيوعيِّين لأنهم كانوا يناضلون فى سبيل الديمقراطية الشعبية من أسفل (دون تسميتها بهذا الاسم) وفى سبيل الاستقلال الحقيقى لمصر، وبالإخوان المسلمين رغم أنهم لم يناضلوا فى سبيل الاستقلال والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ لأنهم كانوا يخوضون صراعا متواصلا مع السلطة على السلطة، وبالأساليب الإرهابية فى كثير من الأحيان طوال تاريخهم. ذلك أن الصراع الإخوانى المتواصل على السلطة ظل يشكل خطرا متواصلا على الأنظمة المتعاقبة منذ 52، وليس صحيحا أن الإخوان المسلمين كانوا متحالفين مع تلك الأنظمة فالصفقات والمساومات والمهادنات فى بعض الفترات لا تعنى التحالف، ويمكن استثناء فترة فى أواخر حكم الرئيس المؤمن أنور السادات الذى حاول بصورة مباشرة الاعتماد على مساعدة الإخوان المسلمين فى مواجهة المعارضة اليسارية الشيوعية والناصرية فى مختلف جامعات مصر. وباستثناء مثل هذه الفترات القصيرة، ومنها علاقة عبد الناصر بالإخوان فى البداية ومنها التحالف الاضطرارى الذى أقامه مبارك مع الإخوان وسار المجلس الأعلى للقوات المسلحة على دربه فى مواجهة ثورة يناير2011، لم توجد علاقة تحالف إستراتيچى بين الأنظمة المصرية المتعاقبة وهذه الجماعة التى ظلت محظورة كما ظلت السجون مفتوحة للمنتمين إليها. وبحكم طبيعة الأشياء كان لا مناص من أن تنمو حول الإخوان المسلمين جماعات وتنظيمات سلفية متطرفة إرهابية ذاقت منها مصر الأمرَّيْن طوال عقود. وكان المسئول الأول عن تلك المعاناة الرهيبة سياسة الحل الأمنى والمعتقلات المفتوحة مما جلب قدرا متزايدا من التعاطف الشعبى مع الإخوان ومختلف الجماعات السلفية المتطرفة الإرهابية، خاصةً مع المزيد والمزيد من تدهور الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية فى مصر. ويعنى هذا أن سياسة الحل الأمنى، بالاعتماد على الاستبداد السياسى والأجهزة المخابراتية والپوليسية والإعلام الرسمى، على أنقاض حريات ثورة 19، أدت إلى تفويت أىّ فرصة على مصر فى مجال خلق حياة سياسية وحزبية ونقابية وثقافية تقوم على الصراع الفكرى الذى كان من شأنه أن يحاصر هذا التطرف الإخوانى السلفى الإرهابى فى حدود أضيق بما لا يقاس. وكان من النتائج المنطقية لنظرية وممارسة سياسة الحل الأمنى أن تنتقل هذه السياسة من التعامل مع المعارضات السياسية إلى التعامل مع الشعب كله فى حياته اليومية كما فى انتفاضاته وانفجارات غضبه التراكمى نتيجةً للجوع والمرض والتشرد والإهانة والمهانة. ومع نمو مختلف قوى الإسلام السياسى، وهو نموٌّ منطقى فى سياق التراجع التاريخى الكارثى لمختلف بلدان العالم الثالث ومنها مصر، نشأ مناخ دينى طائفى يتجه نصله الحاد ضدّ المسيحيِّين الأقباط، ولا تنجو منه حتى أقليات دينية صغيرة ولا تشكل خطرا على أحد مثل البهائيِّين والشيعة، وبعد أن ركب الأزهر موجة التقريب بين الأديان انقلب على أعقابه وصار بصورة منافقة لمدّ الإسلام الإخوانى السلفى فى صدارة مهاجمى البهائيِّين والشيعة، وتحولتْ مساجد الأوقاف التى يشرف عليها الأزهر إلى جانب المساجد والزوايا الأخرى بأئمتها المتطرفين إلى مرتع لدعاية الإسلام السياسى والتحريض ضد الأقباط والنساء وضد الثورة والثوار وضد كل معارضة. كما تفاقمت كل أنواع وأشكال التمييز بين المواطنين ومنها على وجه الخصوص التمييز ضد المرأة واستفحال اضطهاد النساء بحكم المنطق الطبيعى لهذه الرجعية الدينية. وفى نهاية المطاف انزلقت مصر بقدميها العاريتيْن فى درب الحكم الدينى الإسلامى الإخوانى السلفى الطائفى؛ وهو درب العودة إلى القرون الوسطى وإلى ما قبل القرون الوسطى، وكل هذا بفضل التحالف الاضطرارى بين العسكر والإخوان فى مواجهة الثورة الشعبية. وإذا كان السادات قد فتح بابا واسعا للإسلام السياسى من خلال التعاون مع الإخوان المسلمين فى مواجهة المعارضة اليسارية لسياساته، وانتهى ذلك إلى اغتياله على أيدى نفس هذا الإسلام السياسى، فإن الباب الأوسع الذى فتحه مبارك (فى أيامه الأخيرة) ثم المجلس العسكرى بعد ذلك من خلال التحالف الاضطرارى مع الإخوان والسلفيِّين فى مواجهة الثورة الشعبية كاد أن ينتهى إلى اغتيال مصر كلها عن طريق البدء فى تحويلها إلى جمهورية إسلامية على بحار من الدم الزكى للمصريِّين. وهكذا فإن التعاون أو التحالف مع الإخوان لإنقاذ النظام وتصفية المعارضة مرة وتصفية الثورة مرة أخرى إلى اغتيال النظام (نظام السادات) فى المرة الأولى وإلى اغتيال مصر كلها فى المرة الثانية. وهكذا نجد أنفسنا إزاء حياة سياسية وثقافية ومجتمعية ممزقة تنطوى على أخطار لا حصر لها. وهكذا فبعد أوهام "تحالف قوى الشعب العاملة"، و"العدالة الاجتماعية"، و"أكبر قوة ضاربة فى الشرق الأوسط"، و"الرخاء" فى ظل السلام مع إسرائيل، والنهضة الإخوانية لحزب الحرية والعدالة، كان لا مناص من أن نُفيق لنواجه حقيقة غياب أىّ أمن قومى مصرى أىْ غياب أىّ قدرة حقيقية على تحقيق الأمن العسكرى والسياسى والدپلوماسى والاقتصادى والغذائى والمائى والطاقى والبيئى؛ إلخ.. وفى ظل هذا البؤس تغدو البلاد مرتعا خصبا وخيما لتخريب الشركات المتعددة الجنسيات وكارتيلات المخدرات وتفشى نشاط الجاسوسية العالمية والاندفاع نحو الخراب العاجل.
11: ورغم كل ما سبق تدَّعِى الأنظمة المتعاقبة فى مصر ليس فقط وجود شيء اسمه "الأمن القومى المصرى" بل تروِّج هى العاجزة حتى عن حماية حدودها لأسطورة أن "الأمن القومى المصرى" يمتد إلى مسافات بعيدة حول مصر من جميع الجهات الأصلية والفرعية. على أن مقتضيات وعناصر القدرة على حماية نفسها سياسيا واقتصاديا وعسكريا وبيئيا وطاقيًّا لن تتحقق لمصر؛ إلا إذا استطاعت عن طريق بذل جهود جبارة حقا وتقديم تضحيات كبرى حقا، تتواضع بالقياس إليها كل ما بذلناه من جهود وقدمناه من تضحيات إلى يومنا هذا، أن تكسر الدائرة الشريرة للتبعية الاقتصادية، وأن تحقق الاستقلال الحقيقى وليس الاستقلال الدستورى وفقا للقانون الدولى، وهو كل ما نملكه إلى الآن، وأن تجعل طريق استقلالها وتحرُّرِها من التبعية الاندفاع فى طريق التصنيع الجذرى والتحديث الجذرى، فتنقذ نفسها من المصير الكارثى للعالم الثالث، قبل أن يفوت الأوان إنْ لم يكن قد فات بالفعل، وهو أخشى ما نخشاه!
22 يونيو 2013