مابعد محمد وماركس؟/4

شهر واحد ago

عبدالاميرالركابي:وجدت الظاهرة المجتمعية لكي تؤدي الغرض منها وتختفي، هي ليست مقطوعة النهايات، ولا ممتدة وجودا الى الابد، ومعها الكائن البشري المسمى اعتباطا ب "الانسان"، مع انه ادنى من ذلك، وليس سوى كائن " انسايوان" في حالة تصيّر مجتمعية نهايتها "الانسان/ العقل" المتحرر من بقايا الحيوانيه التي تظل عالقة به من زمن التحولية الحيوانيه الجسدية(غريب ان من اطلقوا تعبير الانسان العاقل على الكائن الحي بعد انبثاق العقل، قد نسوا انه بالاصل حيوان انبثق فيه العقل، وانه لايمكن ان يكون بناء عليه "حيوانا عاقلا" بل عقلا حيوانيا من حيث الحالة التي وجد ضمنها والاضطرارات الحيوانية الغالبة ماتزال التي هو محكوم بالخضوع لها) وكما الكائن المنوه عنه وبنيته، تبتنى المجتمعت وتتوزع في الطبيعة، وجغرافيا، مناخيا، بيئيا، كوحدة فعالية ودينامية ذاهبة الى غرضها والمقصود منها، مثلها مثل كل ظواهر الكون المحكومة لقوانين تصيّر مشفوعه بعناصر ومعطيات واليات مطابقة لغرضها.
هذا التصور عن الظاهرة مدار البحث، ليس من الضروري ان يبدو للكائن الحالي بما هو عليه، مطابقا للحالة التي يعيشها، من دون ادراك مضمرها، ومن القريب من المنطق ان نتخيل اشكالا من التصور والرؤية والاعتقاد الانسايواني، من صنف من هو المقصود بالتفكير ومحاولة الاعقال المفترضة، بعد الإقرار بان "الانسايوان" حتى في ارقى حالاته، ليس له ان يخترق ذاتيته، او يقبل بها كمحطة انتقاليه بين لحظتين وحسب، بينما هو لايملك بعد من الأسباب العقلية مايؤهله لتجاوزها كمعطى معاش، ومن ثم لتخيل ماهو مؤهل له، وسائر نحوه.
ثمة عقل "انسايواني" ظل هو الغالب المسيطر على الرؤى والأفكار والمقاربات الى اللحظة الراهنه، من مظاهر انسايوانيته انه يقرر بجزم انه العقل / الانسان، خلافا للحقيقة، ولماهو واقع بالفعل، ماكان يضعنا امام انتظار لحظة انشقاق وتبلور للقادم والمتبلور من تحت ثياب القائم المتوطن، والاهم، البحث عن المنعطف، او اللحظة التي يكون ابانها العالم ماخوذا بسيطرة حالة الانتقال الكبرى، خارج الانسايوانية ولماورائها.
لقد مرت الى الان حقب ومراحل من تاريخ التصير، طويلة، ظلت تقرا على انها فعل مجتمعي احادي، بحسب المتاح من طاقة الادراك العقلي ومستوى ودرجة تصيّره، بينما لم يبن من قبل، مايشير الى ان مهمة الانقلاب في الكينونة البشرية على المستوى العقلي، قد قاربت او اوشكت على الحصول، او صارت موضوعه على جدول الاعمال الحياتي التصيّري، والامر هنا يتطلب تسقط ما يمكن تسميته بالمسار المفضي للحظة انتهاء صلاحية الانسايوانية، قبل ذلك، لابد ان نسال: هل المجتمعية وانتهاء صلاحيتها، مقدر له ان يتحقق مجملا معه مسالة "الانسايوان" وانقلابه، ام ان المفارقة، او حقيقة الافتراق العقلي الجسدي، ستكون، او هي حاضرة، ولها تجليها في العملية الانقلابية بين زمنين ومحطتين كبريين؟، ثم هل ان ظاهرة الغرب وحداثته وانتقاله الالي المصنعي، ومن ثم التكنولوجي، هي لحظة إضافية لمسارات المجتمعية الأحادية الانسايوانية، ام انها من نوع ماينطوي على الأسباب المفضية، او التي يمكن ان تمهد السبيل امام الانقلاب الأكبربناء لاولويات من نوع تغير الانسايوان أولا، كتمهبد لازم ولابد من وقوعه قبل انقلاب المجتمع، أي تظافر الأسباب والعوامل المساعدة، لابل الموجبة الضاغطة، التي تجعل العقل الانسايواني يبدا مغادرة حيز الحيوانية الأخير، ولو لخطوة ودرجة مناسبه، من شانها امالة الكفة لصالح مابعد الانسايوانية، على الأقل تاسيسا.
ونحن نتحدث هنا عن نهاية مسار ابتدا بالحيوانسان، لينتهي بعد تفاعليه تاريخية مجتمعية طويلة، الى دخول زمن الانسانيوان الاخبر،ولسنا نتحدث هنا عن خط مستقيم ينتقل بالكائن البشري من حال الى حال، فدرجات الاقتراب والابتعاد عن الحيوانسانية، يمكن ان لاتكون متماثلة بين المجتمعات المختلفة، ولا خلال الفترات، فالكيان الازدواجي على سبيل المثال هو اقل الكيانات المجتمعية قربا من الحيوانسانيه ابتداء، وخلال الدورات التي مرت على الكائن البشري في الموضع المذكور، الامر الذي لايتماثل مع الحالة العامة لمجتمعات الأحادية، واحادية الدولة منها بوجه خاص، ولاينطبق مثل هذا الوضع على المجتعية الاوربية المنشطرة طبقيا، حيث تكون بالأحرى وعلى وجه العموم، ابعد من غيرها من صنفها وامثالها عن نطاق الحيوانسانية، واقرب الى الانسايوانبة، علما بان موضع الازدواج التحولي الرافديني، يظل هو المؤهل من بين كل التكوينات المجتمعية للانتقال، وطرق باب طور مابعد الانسايوانية باتجاه "الانسان".
ثمة محطة أخيرة ومجتمعية/ مازق، لاتعود ابانها الديناميات المجتمعية الأحادية المهيمنه قادرة على الذهاب الى ماهو ابعد، فتتوقف بعد لحظة من الصعود وبلوغ الذروة، واهم مظاهر التوقف المنوه عنه، يلوح جليا في توقف الاليات الصراعية الطبقية بالذات عن العمل المعتاد بسبب الالة، ومن ثم التكنولوجيا، اذ تصبح وسائل الإنتاج هذه عاملا جديدا قابلا للاستخدام ليس للإنتاج الصرف فقط، بل ولما يؤمن للراسمال قدرا من الاستقلاليه عن المجتمعية بدل مجرد الهيمنه الطبقية التقليدية، مع بروز ممكنات تدخليه تحويرية لاليات العملية المجتمعية، الامر الذي نجد دلائل تؤيده في حالة اوربا ابتداء،باعتبارها النموذج الانشطاري الطبقي، قبل ان تصاب هذه بعد نهوض غير عادي، بالانتكاس القريب من الانهيار مع القرن العشرين الذي يشهد من بداياته وصولا لمنتصفه، تبدلا قي نمط المجتمعية الغالبة، مع انتقال لما بعد الاليه المصنعية باتجاه التكنولوجيا، بينما يكون العالم محكوما لصراعية نظامين لاعلاقة لهما بنية بالشروط الكلاسيكية الراسمالية، أوالاشتراكية،مع طغيان القطبيه الامريكية الروسية، وهيمنة الياتها الصراعية على النطام العالمي، حيث ( الدولة/ الفكرة) او ( المجتمعية /الفكرة) تتعدى الراسمالية الكلاسيكية المنقرضة.
كما كان الحيوان قد انتهى تحوليا بانبثاق العقل، فان للانسايوان ضمن الاشتراطات المجتمعية امد انتهاء، ولحظة لايعود معها قابلا للحياة، او الاستمرار كما هو، وكما هو الحال ابان الانقلابات والمراحل التحولية الكبرى، مع الاختلافات، تأخذ الانتقالية الراهنة ملامح من نوعها وجنسها، مقارنه على سبيل المثال بالانتقال من الصيد واللقاط، الى المجتمعية التحولية وإنتاج الغذاء، ومساراتها وتعرجاتها، وانبثاقاتها وانطفاءاتها، ومختلف اشكال وتمظهرات تشكلها الحيوي الطويل عبر القرون، والاشكال المختلفة من التجمعات السابقة على المجتمعية التحولية الرافدينية، والممهدة لها، مع جانب اختلاف هام وخاص بالحالة التي نحن بصددها اليوم، اهم مظاهرها استمرار ثقل ووطاة تخلف العقل عن ادراك والاحاطة بالزمن الذي حل عليه، واصبح راهنا وداهما، بينما ثقل الأفكار الأحادية التابيدية، ومختلف التصورات الأحادية، تستمر مهيمنة على العقل والخيارات، وبالذات على تلك النزعات التي تواصل الاصرار على بعث واحياء ماقد انتهى وخرج من الحياة والصيرورة التاريخيه توهميا ورغبويا، محاولة عبثا تكريس مفاهيم الدول، ومعها الاولويات جسد ية المنشا، عدا عن احتسابات القوة الفارغة، ونزوعات الوطنيات والقوميات الفاقدة الصلاحية، وعموما كل ماهو متخلف عن العقل مادون الإنساني، مادون التحولي الأحادي وهو في حال تازم اقصى ذروه، ومحاولة مستميته للتعلق باهداب زمن انقضى، وخرج من أية إمكانية فعل او استمرار.
تسير البشرية حثيثا نحو مغادرة زمن الانسايوان والمجتمعية، مجللة ومكبلة باثقال الماضي المنقرض وتخاربفه وجاهليته، بينما الحياة تدخل عصر الكارثة البنيوية عند لحظة انتهاء مفعولها، لتنتقل الى "العيش على حافة الفناء"، ان المهمة الأساس والكبرى التي تقع على عاتق العقل الحي، العقل "الانسان" الموشك على الانبثاق، هي تلك التي تواضب من هنا فصاعدا على تفنيد والاطاحة بكل البنى التفكرية العقلية الأحادية الدنيا، التي هي اليوم العامل الأخطر الحائل بين الكائن البشري، وبين ضمان استمراره، وحيازة مستقبله بحسب ماهو مهيأ له، وكما كان مقدرا ومحسوبا لوجودة الأصل، ابتداء من الخليه الأولى.
ان ظاهرة المجتمعات وجدت لتنتهي، وهي ظاهرة مؤقته، وحالة انتقال بين عالمين نهايتهما اللامجتمعية، واللاانسايوان، الى حيث الانسان العقل المستقل عن الجسد، والتخلص من بقايا الحيوانية العالقة بالكيانية الحية البشرية من طور وزمن التحولية الحيوانيه الاول، وما يشار اليه هنا، هو عالم عقلي ومفهومي اخر، مختلف كليا، من نوع انساني، لا انسايواني، ولا حيوانساني، عالم كائن اخر، نتج عن مسارات وتمخضات تاريخ المجتمعية، تصيّر داخلها وفي غمرتها عبر القرون ليبلغ اليوم العتبه المفضية الى "العالم الاخر"، والى "اخر الزمان" كما عينتهما بدائيا تجليات وتشوفات عالم الازدواج قبل الأوان، وابان سطوة الزمن المناقض.
اليوم يلح على العالم والكائنات البشرية بقوة، انبثاق "الدين التحولي"، الدعوة الكبرى التي تأخذ الانسان من "جاهلية المجتمعية الأحادية"، الى العالم الاخر المكنون والمضمر في الوجود المجتمعي والبشري، ليصير "قران العراق"، او قراءة المجتمع الازدواجي التحولي الانسايواني الأعلى، قراءة القراءات المؤجله منذ اكثرمن سبعة الاف عام، دستورا ودلالة على الحياة الأخرى التي لامهرب منها ودونها الفناء.
ينبثق العقل خلال نشوئيته لمرتين، المرة الأولى ابتدائية ولادية داخل الجسد الحيواني، كمحطة لازمه واجبارية، هدفها التصيّري وماهي مهياة له، "الانبثاق الثاني"، انبثاق مغادرة الجسد. ولكل من العقلين وانبثاقيهما قرانه، و"قران" ارض مابين النهرين/ العراق، هو قرآن الانبثاق الثاني. في الانبثاق الأول، لم يكن العقل الحديث الحضور ناطقا، واقصى مافعله خلال مسيرة انعتاقه المجتمعي، انه جعل اللسان ينطق، قبل ان يصل للحظة نطقة هو، مع انقلاب كل مسار التحولية الحيوانية الانسايوانية، فيظهر الانسان ويسود زمن "النطق العقلي" مكان اللساني.