دفاعا عن الشيخ المقاتل ضاري المحمود وعن ثورة العشرين المجيدة

الشيخان المقاومان ضاري المحمود وعواد المرزوق
شهران أسبوعين ago

علاء اللامي

دفاعا عن الشيخ المقاتل ضاري المحمود مُجندِل الكولونيل البريطاني ليتشمن، وعن ثورة العشرين، وفضحاً لهراء بعض زعماء المليشيات الطائفية الذين لا يقلون سخفا وعداء للثورة عن أولاد السفارات الأجنبية! لإلقاء ضوء على سيرة الشيخ المقاتل ضاري المحمود الزوبعي أحد أبطال ثورة العشرين الاستقلالية الكبرى الذي تعرض مؤخرا لهجوم غبي وشرس من أحد قادة المليشيات الولائية هو قيس الخزعلي، أنشر هنا فقرات ذات صلة بالموضوع من الفصل الرابع من المجلد الخامس - القسم الثاني - ص 66 وما بعدها من كتاب "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" للباحث الراحل د. علي الوردي مع تعليقات توضيحية قليلة وضرورية عليها:
1-(تقطن عشيرة زوبع بالقرب من خان النقطة، بين بغداد والفلوجة. وهي تنتمي إلى قبيلة شُمَّر، جاءت من البادية في عهد متأخر ولهذا ظلت محافظة على قيمها البدوية إلى درجة كبير، وكانت نخوتها: خيال الخيل الزوبعي! كان عدد رجال العشيرة في وقت الاحتلال الإنكليزي نحو أربعة آلاف رجل، منهم سبعمائة خيال، وهم مسلحون تسليحا جيدا. ص66).
2-تعرض الشيخ ضاري إلى عدة إهانات من الكولونيل البريطاني جيرارد ليتشمن " أو ليجمن" المعروف بفظاظته بين الشيوخ والوجهاء العراقيين فكان مكروها وممقوتا منهم. وبعد أن يشرح د. علي الوردي تفاصيل محاولات المحتلين لاحتواء شيوخ العشائر ومنهم الشيخ ضاري ثم محاولة إخضاعهم بالامتيازات والرواتب فإن شعروا بخطرهم ضربوهم وجردوهم من وجاهتهم أو أراضيهم أو مكانتهم الاجتماعية. وقد فعلوا ذلك في كل مكان وصلوا إليه في العراق فنجحوا مع بعض الشيوخ وفشلوا مع آخرين رغم ما بذلوه لهم من أموال وأقطعوهم من أراضٍ. وبعد اندلاع ثورة العشرين وانتصار الفلاحين الثوار على القوات البريطانية المحتلة في "معركة الرارنجية في 24 تموز 1920"، يروي لنا د. الوردي التفاصيل التالية:
3-(إن النصر العظيم الذي ناله ثوار الفرات الأوسط في معركة الرارنجية كان له دوي هائل في مختلف أنحاء العراق. وكان الثوار قد أرسلوا مندوبا عنهم بعد تلك المعركة إلى شيوخ الفلوجة والمحمودية وهو يحمل معه فتوى المرجع الشيرازي وكتابا من السيد هبة الدين الشهرستاني يحثهم على الجهاد في سبيل الله. فاستجاب بعض الشيوخ ومنهم الشيخ خضير الحاج عاصي رئيس الجنابيين والشيخ علوان الشلال رئيس آلبو محيي فأصبحت بغداد من جراء ذلك مهددة من الجهة الغربية تهديدا مباشرا. ص 67).
4-(كان الشيخ ضاري المحمود من بين الشيوخ الذين وصلهم مندوب الثوار فوجده على اتم الاستعداد لإعلان الثورة على الإنكليز حيث قال له (إني عربي ووطني عراقي، وها أني أبذل كل ما لدي من نفس ونفيس في سبيل مصلحة بلادي ضد الظالمين، ولينعم العلماء وإخواني الزعماء عينا. وها أني باسم الله سأعمل وستسمعون بأعمالي وترونها، تلك الأعمال التي يرضاها الله وترضون أنتم بها إن شاء الله/ ص 68).
5-تفاصيل مقتل الكولنيل البريطاني لتشمن الصغيرة والحدثية متضاربة وكثيرة سنختصر هنا أكثرها انتشارا وقوة صدقية: يقول الوردي على ص 68 م.س، إن قطع الطرق والإخلال بالأمن كان من ضمن النشاطات والأفعال التي يقوم بها مسلحو القبائل العراقية إذا أرادت تلك القبائل الثورة على الحكومة. ثم يدرج حادثة القضاء على ليتشمن في هذا الإطار، ولكن تفاصيل الحادثة لا يعطي أية صدقية لهذا التحليل الذي يقوله الوردي رغم أنه لا يتهم الشيخ وعشيرته بالإتيان بشيء غريب ومستهجن بل يضعه في سياقه الاجتماعي والتاريخي المشترك لجميع المكونات القبلية آنذاك. وفي التفاصيل، لا يمكننا البت بأي النظريتين أصح وأدق، وهل للفرق بينهما أية أهمية؟ هل هي النظرية التي تقول إن عملية سلب الطريق التي وقعت في ذلك اليوم كانت كمينا معدا ببراعة من الشيخ ضاري لينفرد هو وابنه سليمان بالكولونيل ليشمان ويقتلانه، أم النظرية التي كررها العراقيون الوطنيون الذين قالوا إن عملية السلب التي وقعت كان مفتعلة ومدبرة من الجانب البريطاني للإيقاع بالشيخ ضاري والتنكيل به والحط من كرامته/ ص 70. وباختصار فقد أطلق سليمان ابن الشيخ ضاري رصاصة على الكولونيل البريطاني حين أهان أبيه فأصابه، وهنا استل الشيخ ضاري سيفه وأهوى به على رأس ليتشمن وأسقطه بضربة واحدة.
6-بقي الشيخ ضاري مطاردا بين العراق وسوريا وتركيا، حتى ألقي عليه القبض سنة 1928 بعد خيانة تعرض لها حين كان مريضا. فحين حاول صحبه نقله للعلاج من نصيبين التركية الى سوريا خانهم خائن وقادهم بالخداع إلى القوات البريطانية. وقدم الشيخ المجاهد ضاري بن محمود الزوبعي إلى المحاكمة ليحكم بالمؤبد ويموت شهيدا في سجنه وفي ظروف غامضة في السنة ذاتها.
7-( كان لمقتل ليتشمن تأثير معنوي كبير على العشائر في تلك المناطق. ويقول البريطاني براي إن مقتل ليتشمن انتشر بين العشائر انتشار النار في الهشيم ... لهذا عمدت العشائر إلى إشهار سلاحها عقب مقتله وأعلنت الثورة/ ص 90.).
8-(ومن الطرائف التي تروى في هذا الشأن أن ضاري عندما كان جالسا في خيمة السيد محسن أبو طبيخ مع بعض رفاقه قادة الثورة دخل عليهم مرزوق العواد - قائد الثوار في معركة الرارنجية وشيخ عشيرة العوابد - وقال إنه حالف يمينا بالطلاق أن يقبل اليد التي قتلت ليتشمن، ثم طلب من ضاري مد يده لتقبيلها. ولكن ضاري رفض مد يده فقال مرزوق "إذن فامرأتي طالق وهي أم لأطفال وسيكون الحاضرون شهودا على هذا الطلاق" ... وعند هذا وجد ضاري نفسه مضطرا إلى مد يده. ص 74).
فسلام على الشيخ ضاري والشيخ مرزوق ورفاقهم وإخوانهم شيوخ القبائل المقاتلين وعلماء الدين الأماجد!
والخزي والعار لمزوري التاريخ من أذناب الغزاة الأجانب ودول الجوار وبغض النظر عن طائفتهم أو قوميتهم أو حزبهم أو مليشياتهم!
والمجد كل المجد لثورة العشرين الباسلة ومقاتليها وشهدائها والسائرين على دربها، درب الاستقلال الوطني وطرد المحتلين الأجانب من كل بلاد الرافدين!