بالفيديو/ ثورة العشرين والإقصاء الطائفي المتبادل: فيديو د. علي النشمي وفيلم "المسألة الكبرى" كنموذجين!

رسالة بخط اليد لثوار العشرين
شهران أسبوعين ago

علاء اللامي

تصاعدت الحملة الشرسة والواسعة المسيئة لثورة العشرين ولأحد رموزها وهوالشيخ صاري المحمود الزوبعي والتحق بها كتاب جدد يحمل بعضهم شهادات علمية مرموقة. وإذا كان بعض مَن يصنفون أنفسهم لبراليين ويساريين "متحولين" هاجموا الثورة ككل، فإن البعض الأخر من الكتبة الطائفيين هاجموا أحد شخصيات هذه الثورة وهو الشيخ المذكور. تقوم هذه الحملة في هذا الجانب على أسس ودوافع طائفية صريحة، فالضاري شيخ عشيرة من العشائر العراقية العربية السنية، والمسيئين إليه هم من أبواق الاحتلال الأميركي و"الدكاترة" المواظبين على الظهور في قنوات أحزاب الفساد والقتل الطائفية، إذ يبدو أن أصحاب القرار قد عزموا أمرهم على تطييف التاريخ العراقي بكامله والانتهاء من هذا "الصداع" الذي يسببه لهم التراث الثوري الكفاحي الوطني ورموزه وخصوصا من الطائفة المقابلة كالشيخ المقاتل ضاري الزوبعي.

إن ما يقوم به هؤلاء هو من محاولات لخط الوراق وتبرير إساءاتهم للشيخ ضاري بمحاولات نظام صدام إقصاء مشاركة مقاتلي العشائر العربية ورجال الدين في الجنوب والفرات الأوسط ونقل مركز وعاصمة وثقل ثورة العشرين من هذه المناطق إلى مناطق الغرب العراقي لا يعدو ان يكون محاولة غير علمية ولا أخلاقية ورجعية سياسيا قام بها إعلام صدام حسين ذو النزوع الطائفي هو الآخر بالأمس رغم مزاعمه العلمانية والإعلام الحزبي والمليشياوي اليوم ممثلة بالدكتورين علي النشمي وجاسب الموسوي؛ وهذا الأخير -كما يتذكر القارئ المتابع -  قد سبق له أن حاول الإساءة إلى البطل صلاح الدين الأيوبي هازم الفرنجة الصليبيين  ومحرر القدس، وقد رددنا عليه وعلى فيديواته بعدة مقالات نشرت في الصحافة العراقية والعربية فلم يرد على ما كتبناه بكلمة واحد واكتفى بأن ابتلع لسانه وسكت فلم يعد لهذا الموضوع مذّاك.

إن الطرفين الطائفيين، الشيعي والسني، في محاولتهما تطييف التاريخ العربي والعراقي ومنه ثورة العشرين العراقية الكبرى هما وجهان لعملة واحدة ذات جوهر رجعي ولا علمي يستبدل مجد الوطن والانتماء الإنساني إليه بالغريزة الطائفية المراهقة والمسنودة بالقمع الحكومي بالأمس أو بالخنجر الطائفي اليوم. وقبل أن نعرض ما طرحه علي النشمي في تسجيل الفيديو، فلنتعرف عليه وعلى سيرته كما وردت في صفحته على الويكيبيديا (هو علي نشمي حميدي عباس المالكي، من مواليد مدينة بغداد عام 1956م، حاصل على شهادة دكتوراه في التاريخ الحديث - لم يحدد اسم الجامعة أو الكلية ومكانها – يجيد اللغتين العربية والإنكليزية وأستاذ مادة التاريخ الأوربي في الجامعة المستنصرية في بغداد. بدأ نشاطه الثقافي المعروف بعد احتلال العراق مباشرة ولا أعلم أن كان قد عاد إلى العراق مع الغزو، فهو يفاخر بالقول في سيرته (أصدر أول صحيفة ديمقراطية بعد سقوط النظام في 20/ 4/ 2003 بعنوان فجر بغداد وهو أيضا كما يرد في صفحته "المحلل السياسي الأول للقنوات الناطقة باللغة الإنكليزية منها N.B.C / C.B.S الأمريكيتان، وبريس الإيرانية وغيرها").

بالعودة لما يقوله علي النشمي بلغته الفصحى الركيكة والتي لا تليق بحامل شهادة دكتوراة وضعف حافظته وارتباكها حتى في إيراد الأمثال الشعبية المتعلقة بالأحداث في بيئته، نجده يقول، وسأنقل كلامه بشكل شبه حرفي:

 *(حاول البعثيون أن يعطوا لضاري، الشيخ ضاري، أهمية كبيرة واعتباره جزءا من ثورة العشرين. والحقيقة، مع إجلالنا للشيخ ضاري، حادثة الشيخ ضاري ليست لها علاقة بالثورة أيها الإخوة. إنه حدث عرضي حصل أثناء الثورة. يعني الآن كل واحد يقتل واحد في زمن الثورة يعتبر هو ثائر؟)

*(ضاري كان رئيس عشيرة زوبع. هؤلاء الناس بدو عيشتهم على الغزو وعدم قطع الطرق وغيرها والتهريب. فالإنكليز عندما جاؤوا واحتلوا العراق أعطوا العشائر أموال حتى "يحمون" البضاعة كما كان العرب يفعلون في إيلاف قريش إيلافهم).

*(فالإنكليز كانوا معطيه فلوس حتى يحمي القوافل التي قادمة إلى بغداد. أرادوا أن يسيطروا على الوضع. فبعث له لتشمن إلى ضاري و"قله" انا معطيك فلوس لماذا هذا؟ أنتم حرامية. فقال له نحن موحرامية يا كيرنيل. فضربه لتشمن وكان هو جايب وياه ولده فقاموا بقتل لتشمن وقتل الشرطة الموجودين وهم خمسة او ستة وهرب ضاري).

*(الإنكليز قاموا بقصف المناطق الموج بها – ضاري – وبعدين هو راح احتمى بالثورة. لأن الثورة كانت موجودة والعاصمة عاصمة الثورة بالنجف. واحتمى بالثوار، الثوار لم يشارك بالثورة ضاري ولم يشارك بالقتال وبالتالي كان ضيف وبالتالي عندما سقطت الثورة راح للموصل وبعدين بقى بالموصل وبعدين مسكوه عام 27 وبعدين حوكم وحكم عليه بالإعدام لكن لم ينفذ لأنه كان مريض ومات بالمستشفى).

*وبعد ذلك ينتقل النشمي الى مناقشة فيلم "المسألة الكبرى" الذي صنعه إعلام نظام صدام حسين وسنعلق على ما قاله بخصوص هذا الفيلم السيء شكلا ومضمونا بعد قليل. أما الآن فسنرد على النقاط التي طرحها النشمي أعلاه في معرض هجومه التبخيسي والذي لا إنصاف فيه للشيخ ضاري المحمود قاتل لتشمن:

1-يكذب النشمي ويزور حقائق التاريخ ويستغفل سامعيه حين يقول (يعني الآن كل واحد يقتل واحد في زمن الثورة يعتبر هو ثائر) فهل الكولونيل الاستعماري البريطاني جيرارد لتشمن هو أي واحد؟ وهل الشيخ ضاري رئيس قبيلة عراقية عربية قتله وأشعل المنطقة الغربية برمتها هو أي واحد؟ وحين يقتل الشيخُ العراقيُّ الكولونيلَ البريطانيَّ فهل هذه مجردة حادثة أو شجار لا علاقة له بالثورة؟

2- يقول المتحدث (حادثة الشيخ ضاري ليست لها علاقة بالثورة أيها الإخوة. إنه حدث عرضي حصل أثناء الثورة). وواضح هنا، أن المتحدث يضع سامعيه بين احتمالين: فإما أنه جاهل لا يعرف عمَّ يتحدث ولا يعلم برسالة الثوار والمرجع الشيرازي الى الشيخ ضاري، أو أنه يعلم بها ولكنه يحاول إخفاءها لأنها تدحض كلامه كله! وقد اقتبستُ في مقالة سابقة ما تعلق بتلك الرسالة والفتوى من كتاب علي الوردي - وهو عالم اجتماع ومؤرخ نجفي وطني "من العرب الشيعية" - و (إن النصر العظيم الذي ناله ثوار الفرات الأوسط في معركة الرارنجية كان له دوي هائل في مختلف أنحاء العراق. وكان الثوار قد أرسلوا مندوبا عنهم اسمه السيد جدوع أبو زيد إلى شيوخ الفلوجة والمحمودية بعد تلك المعركة إلى شيوخ الفلوجة والمحمودية وهو يحمل معه فتوى المرجع الشيرازي وكتابا من السيد هبة الدين الشهرستاني يحثهم على الجهاد في سبيل الله. فاستجاب بعض الشيوخ ومنهم الشيخ خضير الحاج عاصي رئيس الجنابيين والشيخ علوان الشلال رئيس آلبو محيي فأصبحت بغداد من جراء ذلك مهددة من الجهة الغربية تهديدا مباشرا. كتاب " لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" الفصل الرابع من المجلد الخامس - القسم الثاني - ص 67). ويقتبس الوردي عن علي البازركان قوله (وقد تأثرت العشائر التي تقطن أطراف بغداد فأخذت تشن الهجوم تلو الهجوم - على القوات البريطانية - في ضواحي بغداد الأمر الذي جعل الإنكليز ينشئون الحصون والموانع للمحافظة على المدينة. ص 68). ويضيف الوردي (كان الشيخ ضاري المحمود من بين الشيوخ الذين وصلهم مندوب الثوار - السيد جدوع أبو زيد - فوجده على أتم الاستعداد لإعلان الثورة على الإنكليز حيث قال له (إني عربي ووطني عراقي، وها أني أبذل كل ما لدي من نفس ونفيس في سبيل مصلحة بلادي ضد الظالمين، ولينعم العلماء وإخواني الزعماء عينا. وها أني باسم الله سأعمل وستسمعون بأعمالي وترونها، تلك الأعمال التي يرضاها الله وترضون أنتم بها إن شاء الله/ ص 68). نلاحظ هنا أن الرسالة والفتوى واللقاء مع الشيخ ضاري حدث بعد اول معركة ظافرة للثوار في الرارنجية في الفرات الأوسط وليس في الشوط الخير من الثورة.

*أما بعد العملية التي قام بها الشيخ ضاري وولده فقد اشتعلت المنطقة بالثورة واشتدت المعارك بين الثوار والغزاة البريطانيين في غرب العراق وجميع مناطق الجنوب والفرات الأوسط وهاهو الوردي يقتبس عن البريطاني "براي" فيكتب (كان لمقتل لتشمن تأثير معنوي كبير على العشائر في تلك المناطق. ويقول البريطاني براي إن مقتل لتشمن انتشر بين العشائر انتشار النار في الهشيم ... لهذا عمدت العشائر إلى إشهار سلاحها عقب مقتله وأعلنت الثورة/ ص 90).

*ويبدو أن قيادة الثورة في الفرات الأوسط قد أرسلت رسائل الى جبهات القتال الأخرى تخبرهم فيها ببطولات المجاهدين في الجبهة الغربية حتى مشارف بغداد ورد فيها ذكر الهجمات التي قام بها مقاتلو عشيرة زوبع كمثال يحتذى لحثهم على الثورة. وفي الصورة المرفقة بهذه المقالة والتي تداولها صحافيون ومدونون على مواقع التواصل وتوحي بالكثير من الصدقية، نقرأ رسالة بخط اليد وفيها تفاصيل الأحداث وإسقاط طائرتين للبريطانيين في الفلوجة وتدمير سكة الحديد وإبادة جنودهم في معسكر الرمادي ومحاصرة قواتهم البالغة 800 عسكري بريطاني في الفلوجة، وكانت هذه الرسالة موجهة الى سليمان الشريف، وأعتقد أن المقصود هو شيخ عشائر بني زيد في قضاء الشطرة الذي يحمل هذا الاسم، ويرد فيها ذكر مقاتلي قبائل بني ركاب وقرغول في القضاء.

*ما قاله الدكتور المتخصص بالتاريخ حول سيرة الشيخ ضاري بعد انتهاء الثورة يكشف عن جهله الشنيع بالموضوع فهو يقول (كان ضيف عند الثوار وبالتالي عندما سقطت الثورة راح للموصل وبعدين بقى بالموصل وبعدين مسكوه عام 27 وبعدين حوكم وحكم عليه بالإعدام لكن لم ينفذ لأنه كان مريض ومات بالمستشفى.) والواقع أن الشيخ ضاري ظل مطاردا من قبل قوات الاحتلال والنظام الملكي الهاشمي العميل له حتى سنة 1928 ثم اعتقل في هذه السنة بعد خيانة، وهو لم يهرب الى الموصل بل خرج من العراق وراح يتنقل بين تركيا وسوريا. وقد تمت محاكمته فعلا، ولكن الحكم عليه لم يكن بالإعدام بل بالسجن المؤبد وقد توفي الشيخ في السجن في السنة الأولى له فيه وفي ظروف أقل ما يقال عنها إنها مريبة.

*أما بخصوص ما قاله المتحدث عن فيلم " المسألة الكبرى" والذي حل محل مشروع فيلم أخرى عن الثورة هو "السلاح الأسود" فأقول باختصار: إن ما قاله المتحدث في نقده لهذا الفيلم صحيح على العموم. وقد شاهدت الفيلم شخصيا قبل سنوات قليلة على الانترنيت ولم أستطع ان أكمل مشاهدته لشعوري بالاستياء والاشمئزاز بسبب كمية الأكاذيب والمبالغات التاريخية التي يضمها. فهو فيلم سيء شكلا ومضمونا، رغم حرفية الصنعة السينمائية التي يحوزها مخرجه المحترف محمد شكري جميل. بل وأعتبر أن هذا الفيلم هو إساءة ليس لثورة العشرين فحسب بل أيضا للشيخ ضاري المحمود ورفاقه الثوار في الغربية أيضا. وبالتالي فلا يتحمل الشيخ ورفاقه أية مسؤولية عن فيلم تهريجي صنعته بروباغندا نظام استبدادي كنظام صدام حسين، ومارست فيه أقصى أشكال التزييف التاريخي والإقصاء الطائفي والمذهبي للعراقيين في الفرات الأوسط والجنوب وبشكل شديد الغباء واللؤم، ورغم أن جغرافية ثورة العشرين كان فراتية من الثقل والقيادة والشرارة الأولى "اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون"  بل أن بعض ألوية الجنوب كالعمارة والبصرة، وحتى بغداد العاصمة، لم تشارك في فعالياتها القتالية بشكل واسع ومباشر كمنطقة الفرات الأوسط ولكنها كانت ثورة عراقية بامتياز من حيث الهوية والأهداف والتعاطف والتأييد الذي شمل العراق من أقصاه إلى أقصاه.  وأسجل للمتحدث أنه أنصف الكوادر الفنية والثقافية العراقية "من العرب السنة" كما قال، الذين رفضوا فعلة صدام حسين واعترضوا على هذا الفيلم فعوقب بعضهم بالسجن.

خلاصة القول هي إن د. علي النشمي، يمارس في حديثه هذا، نوعا من الإقصاء الطائفي المضاد، الذي لا يقل لؤما وغباء عن ذاك الحكومي الصدامي، ويستهدف من خلاله أحد أبطال الثورة ورفاقه المجاهدين في منطقة الغربية، وبهذا يتأكد لنا أن الإقصاء الطائفي عملة واحدة من حيث الجوهر: تحمل على وجهها الأول إعلام صدام حسين ممثلا بفيلم "المسألة الكبرى"، وعلى وجهها الاخر إعلاميي ودكاترة المليشيات الطائفية ممثلين بعلي النشمي نموذجا سيئا. والمستهدف في كلتا الحالتين هو التراث الثوري العراقي الذي يقلق الطائفيين أيا كانوا وسيبقى يقلقهم أبد الدهر لأنه يقاتل ضد مشاريعهم الطائفية التقسيمية!

*رابط يحيل إلى تسجيل الفيديو الذي تحدث فيه علي النشمي:

https://www.facebook.com/100025150577012/videos/699194320928914/