أنا وصدام حسين.. من الذي انتصر؟

شهران 3 أسابيع ago

رعد أطياف

سيقرأ أطفالي، ومن بعدهم أحفادي يومًا ما هذه الكلمات، وسيعرفون أي فجيعة حلّت في هذه الروح البشرية في مسعاها نحو الانتقام. أكتب عنهم بهذه الصيغة التوكيدية، لأنّهم ورثوا منّي روح التسامح، مثلما ورثته من والدي الذي كان الأكثر عطفًا وتسامحًا في عائلته، وأصلّي من الأعماق لتغدو هذه الكلمات مفتاحًا للقلوب المكسورة التي أتلفها الكرب والحزن والفقدان.

لقد تفنّن صدام حسين في تعذيب والدي وتذويبه بحامض التيزاب، وكان عمري لا يتجاوز  الأربعة أعوام 

لا أتذكّر من والدي سوى صوتين عالقين في ذاكرتي حتى هذه اللحظة: صوته الخافت في لحظات الفجر وهو يهمّ للالتحاق إلى ثكنته العسكرية، وصوته الرحيم الذي كان يخترق مسامعي في ليلة شتائية قارصة، وأنا ملفوف بمعطف الفرو العسكري السميك، أعاني من نزلة برد شديدة، وكنت بالكاد أستمع إلى الصوت فأسناني التي تصطك من شدة البرد لم تدع لي سوى هذه العبارة الذي يتردد صداها دائمًا "لا تخف بابا.. لقد وصلنا للطبيب".

هذا كل ما وهبتني إيّاه ذاكرتي المتعبة كأرشيف نفيس لذكرى والدي الذي غادرنا ولم يرجع من إجازته الطويلة، وسط ظروف غامضة ومبهمة لطفل لم يتجاوز أعوامه الأربعة.. وكل ما أتذكره في ذلك الحين تلك الوجوه ذات الملامح الشفوقة وهي تمطرني بذات الأسئلة المكررة: "هل ستعرف أباك حينما تراه؟ لعن الله من اعتقل والدك.. آه.. أنت تشبه والدك كثيرًا كما لو أنكما توأم.. الله ينتقم من صدام حسين"!

لم أفهم ما تلك الميزة التي طبعت ذلك الشخص الذي يدعى صدام حسين؛ هل كان عدوًا لوالدي، هل ينتميان لنفس العشيرة، هل كان أحد "أشقياء" المحلّة، هل كان ضابطًا مسؤولًا في الوحدة العسكرية، ماذا يعني أنه أخذ والدي، ولماذا تنحبس الأنفاس أوتخفت الأصوات حينما يُذكر هذا الرجل في المحافل العامة؟  كانت هذه الأسئلة تكبر معي وترافقني كظلي إلى أن أدركت أن هذا الرجل هو رئيس جمهورية العراق، ومن "مزاياه" و"عطاياه" لعائلتي، أنه حرمني من رؤية والدي وأنا طفل صغير.

ثم أدركت القصة بكل تفاصيلها المرعبة. لقد تفنّن صدام في تعذيب والدي وتذويبه بحامض التيزاب، فتلك الطريقة المحببة إليه لمعاقبة ضباط ومراتب القوة الجوية، وكان والدي من المراتب الذي وقع عليهم اختيار الموت بهذه الطريقة البشعة. وظلت تلك القصة طيّ الكتمان طيلة حكم الدكتاتور، ثم تسربت هذه الفظائع بعد أن التحق صدام حسين بقافلة الموت.

 شرعت بالبحث عن جثمان والدي بين حشود الموتى المغدورين، فقد تحولوا إلى أرقام ورموز في ملفات البوليس السري البعثي، لكن حتى الأرقام كانت تدّخر لي بشارة على يد أحد المعنيين بتجميعها، وهو رجل ستيني تعرّض فكه إلى الكسر جرّاء التعذيب وكان من الناجين من الموت بأعجوبة. صارحني بجدية وصرامة كانت واضحة على ملامحه المتعبة: لا تتعب نفسك في البحث عن قبر الوالد، فهو لا رقم ولا جثة.. أنه من ضمن المذابين في حامض التيزاب!

خلاصة العذاب: ذابت أحشاؤه  في حوض البانيو المملوء بهذا الحامض المركّز. تبخّرت جثته بثوانٍ معدودة، واختفت من هذا العالم دون أن تبقى ذرة واحدة شاهدة على هذا العذاب البشري الذي لا تحتمله قواميس اللغة. كثيرًا ما كان يخيفني سؤال الناس عن صورة والدي وكنت أجهل عن ماذا يتكلمون. لكن الهواجس، كما قلت، ظلّت تتبرعم في روحي لوحدها كما العشب البري، لا تحتاج إلى من يسقيها، فالذاكرة تستعدي تلك اللحظات بسرعة البرق، لأنّها اللحظات الأولى التي ترسخّت في أعماق الفكر.

مات صدام حسين في لحظات حرجة من تاريخنا، ومات معه خلق كثير وحلّت الفجائع في كثير من بيوت العراق

لكن لم تدم تلك الأسئلة طويلًا؛ فبعد بلوغي سن الرشد سمحت لي والدتي، التي كانت، ولا زالت، مختبرًا للأمراض، بالاطلاع على صور والدي، وكان يشبهني كثيرًا، وأغلب الناس كانت تعرفني من خلال الشبه الذي يجمعنا. فمن هنا فهمت، وأنا استرجع تلك الأسئلة المبهمة، حول الشبه الذي كان يجمعني بوالدي.  

 ثمّة أمر محيّر لا يجد قبولًا عند الكثير، وهو أني عاصرتُ حقبة صدام حسين، ورأيت ماذا حلّ بهذا البلد من رعب وويلات ومقابر جماعية اكتشفناها فيما بعد. فالغريب لم تتولد عندي روح الانتقام أو التشفي، ليس لأني جبان! (وحدهم الجبناء من خبروا روح الانتقام) وليس لأن أثر الصدمة ولدّت عندي برودًا  في الفكر، وإنما روحي لم تألف الانتقام يومًا ما، لأن الانتقام لا يرطب أرواحنا التي جفّفها الحزن والفقدان. لقد رأيت صدام حسين وهو معلّق من رقبته، في مشهدٍ من أكبر المشاهد صدمة في تاريخنا السياسي المعاصر، فارتجفت قدماي وبقيتُ مبهوتًا؛ كيف لمثل هذا الكائن أن يموت؟! لماذا لم تداهمني الغبطة في ذلك الحين؟ ما أعرفه أن براءتي كانت أمضى من كل سيوف الانتقام، ولهذا الأخير قصة لم تعد خافية على الجميع؛ لقد تم ذبح البلد من الوريد إلى الوريد بدواعي الانتقام، ولم تندمل جروحنا، بل زادها الانتقام نزيفًا.

مات صدام حسين في لحظات حرجة من تاريخنا، ومات معه خلق كثير وحلّت الفجائع في كثير من بيوت العراق.. وبما أن الحلم حق، شرعت في حلمي البريء؛ الحلم في تكوين عائلة لأرى نفسي في لحظات الأبوة ولكي "أتقمّص" روح والدي التي بقيت عطشى لهذه الغريزة القاتلة! لأنني أعلم - بعد أن أصبحت أبًا- إن والدي في لحظات الموت كان مهمومًا بأطفاله الذين لم يستمتع بمشاهدتهم. ترى كم مرة تمتم والدي بأسمائنا وهو يذوب في هذا الجحيم، كم من دمعةٍ اختلطت في حامض التيزاب وهو يتذكّرنا؟ لا يمكن لكل أدبيات الانتقام ووسائله الوحشية أن تجيبنا عن هذا السؤال العصيّ.

على أي حال، إن ملامح ابنتي الصغيرة تحيل العالم إلى لحظات رحمانية تغتبط بها كل أوصالي وأنا أنوب عن والدي، في هذه اللحظة العابرة لكل أشكال الوصف، فتتكوّن لابنتي روحان تحرسهما: روح والدي (جدها)، التي قطع عليها الطريق صدام حسين للفوز بنعمة الأحفاد، وروحي المفعمة بالرحمة والشفقة والغبطة التي يخبرها الآباء جيدًا، ليستنشق جَدّهم من خلالهما رائحة أحفاده السحرية. فكنت مدفوعًا غريزيًا لأواصل ذلك الامتداد الأبوي، ولا أورثهم روح الانتقام، بل لا أصارحهم عن هذا الحدث المأساوي؛ فحينما ينضجون ستورثهم البراءة ما لا تعوّضه الكراهية حتى لو قُدّر لهم تكرار الكراهية والانتقام عدّة قرون. بل سأكون ساديًا بدواعي الانتقام.

لقد كرّمت الحياة صدام حسين بأن يكون جَدًّا وينعم بدفء أحفاده، وأنا من هذه الناحية لا أحسده إطلاقًا، وأتمنى لأحفاده أن يعيشوا حياة هانئة، وأتمنى لهم كل أسباب السعادة، وأتمنى أن لا يطالهم الأذى في كل لحظة، وكذلك أتمنى لهم أن يسلكوا طريق السلام. وأرجو أن لا يستدعوا أي ذكرى تلوّح لهم بروح الكراهية، فالحياة البشرية ثمينة للغاية، وبذات الوقت سهلة الفقدان، فحذار من الموت الوشيك الذي يشعل نيرانه شبح الكراهية المرعب.

 منحتني الحياة وردتين يخترق عطرهما روحي المفعمة بالغبطة والسرور وهما ينعشان أشواقي القلبية. (ومنح الحياة كثيرة ولا تقتصر على منحة الانتقام!) فـ"بلبل الأرواح" لا يحطّ على أغصان الكراهية اليابسة. ما وهبتني إيّاه الحياة أكثر مما وهبت صدام حسين من ناحية أخرى؛ وهبتني معلمين، وأصدقاء، وعائلة جميلة تعوضني روح " اليتيم"! ووهبتني فرصة ذهبية لأكفّر خطيئتي وأغدو والدًا! فمن أعظم الخطايا أن يبقى والدي بلا أحفاد، فاختَزَلَتْ لي رحلة الألم والبؤس لأنتصر في النهاية على ما حرمني إياه صدام وحرم خلقًا كثيرًا من هذه الغبطة.

الحياة بلا حب تغدو غصة مؤلمة، وإن الرحمة والرأفة هي أقصر الطرق نحو الاستنارة، وإن روح الانتقام ستعيد إنتاج نفسها فيما لو وجدت الحاضنة المناسبة لها

وحده الحب في هذه اللحظات العجاف يبرئ الجروح وينعش الأرواح المعذبة بهمجية الانتقام والتشفي، لأن الانتقام لا يستعيد لنا من أيتم عوائلنا. لقد أعطت الحياة صدام حسين قبراً من مرمر يقصده "محبوه" ( فالمرء لا ينسى أرباب نعمته)، ومنحتني الحياة قلبًا نابضًا علمني أن الحياة بلا حب تغدو غصة مؤلمة، وإن الرحمة والرأفة هي أقصر الطرق نحو الاستنارة، وإن روح الانتقام ستعيد إنتاج نفسها فيما لو وجدت الحاضنة المناسبة لها، وسيحيلنا الانتقام إلى طغاة جدد. لقد انتصرت البراءة على الانتقام، وانتصرت الرحمة على ملك الكراهية المُفزع، وأنا لست نادمًا على ذلك، بل سعيد بهذه المنحة الوجودية الثمينة، المنحة الوحيدة التي تضمن لنا البقاء على قيد الحياة.

عراق ألترا