"الدولة المنتقصة"/ وقفة اضطرارية/ 4

شهران أسبوعين ago

عبدالاميرالركابي
لن يكون متاحا للمتلقي على الاغلب،متابعة والتعرف على مانريد ايصاله بخصوص ثورة 1920، بينما نحن لم نوضح مصادر وخلفيات الفعل المجتمعي المقصود،الكامن وراءها، بنوعه، وطبيعته، واشكال تجليه، ومع اننا اردنا في الحلقة الثالثة المنصرمة، القاء شيء من الضوء على "طبيعة" الحكم والدولة كما نشات وتشكلت في التاريخ العراقي التحولي الازدواجي، الا اننا لم نتوسع كما كان يتطلبه المقام، في حالة تستحق بذاتها انكبابا لجدتها الاستثنائية.
تَنبهنا لذلك مع ما تحسسناه من مستوى الالتباس الذي وجدناه سيظل عالقا وبلا حل بما قصدنا تبيانه من خفايا الظاهرة المجتمعية والدولة، مع اخذ عمق وطول فترة توطن فكرة الدول الأحادية ووطاتها بالاعتبار، بالاخص مع نموذجها الأعلى الأوربي الذي لم يتورع عن اشاعة فكرة "الاستبداد الشرقي" لكي تصبح متبناة من قبل الشرقيين انفسهم، وصولا لقبولهم نظريات من نوع "نمط الإنتاج الاسيوي"، لدرجة ان البعض منهم ـ ومااسهل ذلك ـ قد ذهب لحد محاولة تطبيق النظرية المذكورة ( تطبيقا مزريا)على حالة العراق المناقضة كليا وقطعا لها،حتى مقارنه بالحالة المصرية النيلية التي قد تقاربها كنموذج مجتمع احادي دولة نهري.
وهكذا ومرة أخرى نقف امام وطاة معضلة تاريخ العراق الحديث باعتباره،موضعا تاريخيا ومجتمعيا كان قد واجه في العصر الحديث، وبعد دورتين تاريخيتيين كبريين "عالميتين"، مهمة أساسية، تخص التعرف على الذات، واماطة اللثام عن المنطويات التاريخية المجتمعية الغائبة، والتي تعذر الكشف عنها فيما مر من تاريخ هذا الموضع. علما بان الامرلم يكن لهذه الجهة قد تعلق وقتها، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، بحالة عادية من حالات الكيانات والتكوينات المجتمعية على مدى المعمورة، بل بموضع هو"مهد حضارة الانسان، وبمركز يعد من اهم مراكز الامبراطوريات القديمه، وباصقاع مر بها كبار القادة من الاغريق والرومان، وبمشهد مجد الإسلام ومفاخره زمن العباسيين"(1) وليست تلك سوى نفحة تريد مقاربة الحقيقة من محتل غاز، وجد نفسه مجبرا على الإشادة بعظمة وعمق تاريخ المكان الذي تسنى له ان يحل فيه حالما بالسيطرة، الامر الذي لم يعرفه أبناء البلاد انفسهم، ولم يداخل نخبهم، وفي حين غلب على هؤلاء جهلهم وضعف انتمائهم للأرض والحقيقة التاريخية المجردة، عدا عما يلقيه عليهم موقعهم كابناء لبلاد وجودها في التاريخ استثنائي على مختلف الصعد، انقلب هؤلاء مسارعين للهرب من مواجهة المهمة الكبرى التي شرفهم بها التاريخ، ليدللو وفي حالة من حالات صغارة النفس والدونبة النادرة على نوع نوع من سلوك يصل الجهل والتوهم فيه جد الخيانة بحق التاريخ، لا العراقي الرافديني وحسب، بل وتاريخ البشرية على الاجمال، ابان لحظة من لحظاتها الانعطافية الكبرى، ليلحقوا ذواتهم وعظمة تاريخهم الذي لايضاهى بالمحتل، وبقوتة الصاعدة التي لاشك ان القها كان يومها ساطعا على العالم، فما وجدوا غير الماركسية، والقومية/ والليبرالية/ بطبعات منها بمنتهى الرثاثه مادون البدائية، ليهربوا ملتجئين اليها باستخذاء، تاركين مهمة الشرف الكبرى وراءهم، ليتكرر ويستمر، غياب ماهو ملح، وماهوغاية في الخطورة على صعيدي العراق والعالم، عدا عن المنطقه.
بهذا يكون من نتحدث عنهم من "نخب الجهالة المقاربة للخيانه"، قد تركوا لنا معضلة إضافية مركبة، تولدت عن وجودهم بذاته، وعن ماعملوا على فبركته وتكريسه من مفاهيم بديله مناقضة للوطنية، ، بالاخص مع ماقد اورثوه لماعرف بالمجال او الميدان الفكري الحداثي، او وبالتحديد مجال التعرف على الذات من تبسيط وسطحية، هما الاقل ممايمكن ويجب ان يلتفت له من الكارثة التي الحقت بالوطنية الرافدينية في العصر الحديث والى اللحظة المعاشة، على راس موضوعاتها الهامة والارتكازية، قضية "الدولة" وموضوعتها بالمعنيين : الإجمالي العام، والخاص الذي هو بالأحرى عام مسقط من الحساب والمعالجة.
وتبقى مسالة الدولة اهم لابل اخطر النواحي او الموضوعات الأساسية المتصلة بالغرب الحديث، من ناحية ماقد أضفاه عليها كمفهوم ودلالة، مقابل ماينطوي عليه تاريخ ارض الرافدين من مدلولات استمرت وماتزال مطوية ومطموسة، وبالذات وخصوصا بالمقابلة والمضاهات بين مفهومي او نمطي "الدولة الأحادية المنتقصة من خارجها" و"الدولة المنتقصة من داخلها"، والاساس او المنطلق الواجب اعتمادة أولا هنا، هو "عمومية الازدواج"، فالمجتمعات كما سبق وذكرنا في مناسبات سابقة، كلها على وجه الاجمال" مزدوجه بدرجات، ارفعها الحالة الرافدينية، وكلها بالاجمال والعموم تعرف "الدولة بنمطها الأحادي" شكلة الارفع النموذجي والاعلى المنتمي للكمال ضمن نمطه، هو الأحادي الأوربي الانشطاري الطبقي، حيث الدولة الأحادية لاتكون مهيمنة هيمنة شامله وكليه على المجتمع كما الحال في نمط وادي النيل كمثال، بل تأخذ شكل الدولة المنتقصة احاديتها، بنيويا من داخلها، كما الحال في نموذج الدولة الاغريقية وديمقراطيتها المدينية، مع استثناءاتها العبودية المسقطة لدور فئات من السكان، وصولا الى اعلى اشكالها ممثلة بالدولة الاوربية الحديثة "الديمقراطية"، ابان الانقلاب الطبقي البرجوازي الأخير، وهو مايذهب جانب من التفكير الى اعتباره من قبيل "وسيلة السيطره"، واداة تكريس الاستغلال الطبقي، حيث الدولة وفق ماركس على سبيل المثال "أداة بيد الطبقة المالكة".
لايحدث لا السياق ولا المسار نفسه في المجتمع الازدواجي المنشطر عموديا، فالدولة الأحادية المتحورة والمتحولة الى امبراطورية هنا، كما اسلفنا في القسم السابق، هي دولة أحادية مضطرة للتحور بناء على اشتراطات مايضادها وينفيها ضمن كيانيتها، وحامورابي هو صاحب الشريعه الرابعه بعد ثلاث بدأن بشريعة كوراجينا المشاعية،( تعد مقدمة شريعه حامورابي ارقى من مقدمه الدستور السويسري ارقى الدساتير الاوربية)، وسرجون الاكدي يضع في الالف الثالثة قبل الميلاد اول اصلاح زراعي، ويذهب لفصل الدين عن الدولة، بمنع المعبد من التدخل في شؤون الحكم، والعباسيون يتبنى خلفاؤهم الاعتزال، ويقتربون من ائمه الشيعة لحد التفكير بمنحهم ولاية العهد، بينما يتركون ارض السواد من دون ان يطمحوا لبسط سلطتهم عليها، في حين تترك بغداد تعج بالتيارات والمذاهب، وشتى اشكال الحركات والأنشطة، وكل هذا بحسب الغرب وماركس دليل على "الاستبدادية الشرقية"،مع انه يصر على ملاحظة استبداديته الغربية في دولة مهمتها احتلاب فائض القيمه، وايداع العامل "البروليتير" للاغتراب عما ينتجه، دون ان يمنعه ذلك من التغني بالديمقراطية الغربية واعتبارها نموذجا للكمال ضمنا.
لايستطيع فرع الدولة الأحادية الازدواجي ان يكون هوذاته، بينما تكون النزعه السماوية والتالهية ابتداء، فتتكرس كنفي للسلطة الأرضية البشرية، ورفع لها من يد الانسان الى السماء، وبينما تظل دولة اللادولة غير مجسدة ارضويا، فان تجسدها المفهومي يصير اكثر الحاحا ووجوبا داخل ارض الازدواج بداية وتأسيسا، وخارجها( مع اعتماد مبدأ واستراتيجيا الوعد خارج ارضه) في المدى الشامي المصري المخالف لطبيعتها لاحقا داخل الدائرة الابراهيمة الأولى الشرق متوسطيه، وبعد ان تكون بالاصل قد تاسست تاريخيا، بينما تظل دولة اللادولة حاضرة بمواجهة الدولة الأحادية، متخذة من ممارسة الاستبدال(1) وسيلة للحضور، ومن ثم التجسيد الارضوي المقابل والقابل للاستهداف المباشر.
ـ يتبع ـ
الاستبدال و"المنتفك"/ وقفة ثانيه/5

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ستيفن همسلي لونغريك / أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث/ ترجمة جعفر الخياط/ط5/ دار الكتاب/ص 9/ ماكان لاي شخص يتمع بقدر من الإحساس واي درجة من الفطنة والشعور بالانتماء للمكان الذي هو منه، ان لايتساءل عن سر هذا الموضع الاستهلالي على صعيد الظاهرة المجتمعية، وكل "تاسيساتها" الكبرى، وعودته مرة أخرى للقيادة العالمية في دورة ثانية، مع تكرارية ومتوالية الصعود الكوني، والانهيار الانقطاعي الثابته، وقد يُحتج لهذه الجهه بطبيعىة اللحظة، وبالق الغرب الصاعد في حينه، وحضوره الكاسح على مستوى المعمورة، الامر الذي يؤخذ كشيء من التبرير في كل مكان على مستوى العالم، الامر الذي لم يحدث على هذه الشاكلة اجمالا، بعكس حالة ارض الرافدين حيث كل الأسباب تجعل من مناسبة "نهضة" الغرب، نهضة تمهيدية لاخرى مقابلة ومكمله، لانهضة للعالم بدونها، ومن دون فعل الموضع المهيأ والمؤهل لهاتاريخيا وبنيويا، والذي لايمكن تصور المنجز الغربي مؤديا للغرض منه ومكتملا من دونها.
(2) حدث "الاستبدال" الأول في العصر الحديث مع بدء عودة التشكل الوطني يوم قررت ثلاث قبائل من سومر الحديثة هي (الاجود، وحميد، وبني مالك) استقدام جماعة تحتل موقع الواجهة " القيادية" من خارج المجال المستجد التبلور مجتمعيا، لتعذر سيادة، او تغلب احد اطرافه على الاخريات بحكم الطبيعة التكوينية المشاعية التاريخية، فوقع الخيار لاسباب القرب والمصاهره على "ال شبيب"، اجداد " ال السعدون" لينصبوا زعامه شكلية، بلا سلطات تغلبيه تقليدية لحين الثورة الثلاثية، عندما قررت القبيلة المشاعية الانتهاء مما صار فائضا، او مطموحا له من نفوذ آل شبيب، مما كان يستدل عليه ببعض حالات الشطط ، وهو ماحصل بعد الثورة الثلاثية في 1787 ماحدا بالقبيله لان تتجه من يومها للتحول نحو الانتظارية الدينيه، ممثلة بمدينه اللادولة النجفية.