فقرات/ قصة الجامع الأموي وانقلاب الهويات والأديان!

الجامع الأموي
3 أسابيع 5 أيام ago

علاء اللامي/ فقرات من مقالة ستنشر كاملة لاحقا:

*لم يكن السلطان العثماني محمد الفاتح هو مخترع عملية تغيير هوية وديانة دور العبادات الدينية السماوية وغير السماوية "الوثنية"، بل إن ما قام به وهو تفصيل صغير في تقليد بشري حربي وديني مستمر يعود إلى عصور ما قبل الميلاد. ولعل ما فعله الفاتح بشراء كاتدرائية "آيا صوفيا"، بعد فتحه لمدينة القسطنطينية واستباحتها وارتكاب المجازر فيها، هو مجرد فعل رمزي لتخفيف وطأة هذا الفعل المتكرر في تاريخ الحروب، وذلك بسبب انتفاء العدالة والحرية من شروط عقد البيع والشراء بين الغازي المنتصر والمغزويين المهزومين.
*وكنت قد علقت اليوم على منشور للصديق العزيز منير التميمي حول تأريخية عمليات تغيير هوية وأديان دور العبادات واعتقد أن من المفيد أن أكرر هنا تعليقي ففيه بعض المعلومات والأمثلة التاريخية حول الموضوع. نص التعليق (خير مثال على تلك المساجد التي كانت دور عبادة لأديان أخرى هو الجامع الأموي بدمشق اليوم. فقد كان خلال العصر الحديدي، معبدا وثنيا لإله الخصب الجزيري "السامي" حدد بعل في العهد الآرامي 1200 قبل الميلاد. وبقي هذا المعبد حتى العهد الروماني فحول الرومان هذا المعبد الوثني الآرامي الى معبد لإله الرومان جوبيتير سنة 64 ميلادية (وفي نهاية القرن الرابع للميلاد، تحديداً في عام 391، تم تحويل معبد جوبيتر إلى كاتدرائية القديس يوحنا بأمر من الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول)، وتشير الأسطورة المحلية أن رأس يوحنا المعمدان -النبي يحيى عليه السلام - دُفن هناك، وهذه مجردة أسطورة شعبية بقيت حتى العهد الإسلامي وتشييد الجامع الأموي على أنقاض الكتدرائية في عهد الخليفة الأموي المرواني عبد الملك بن مروان. وهناك رواية تقول أن رأس الإمام الحسين عليه السلام موجود فيه وليس هناك ما يؤكدها. وثمة من يعتقد أن الأمويون استبدلوا قطعة الأرض التي بنوا عليها الجامع بقطعة أرض أخرى بنيت عليها كنيسة لهم وهذا ليس دقيقا فقد (كلف الخليفة الأموي السادس، الوليد بن عبد الملك (705–715م) الصناع والمهندسين، ببناء المسجد في موقع الكاتدرائية البيزنطية في عام 706 م. قبل هذا، كانت الكاتدرائية لا تزال قيد الاستخدام من طرف المسيحيين المحليين، ولكن قد تم تشييد غرفة صلاة (المصلي) للمسلمين في الجزء الجنوبي الشرقي من المبنى. الوليد، الذي أشرف شخصيا على المشروع، أمر بهدم معظم الكاتدرائية، بما في ذلك المصلى، وتم تغيير تخطيط المبنى تماما، ليستخدم كمسجد كبير لصلاة الجماعة لمواطني دمشق ومعلما دينيا لمدينة دمشق.احتج المسيحيون على هذه الخطوة، وردا على هذا الاحتجاج أمر الوليد بإسترجاع جميع الكنائس المصادرة الأخرى في المدينة إلى المسيحيين كتعويض. واكتمل بناء المسجد في عام 715 م، بعد وقت قصير من وفاة الوليد، وخلفه سليمان بن عبد الملك (715–717م) في الحكم..)..وربما قصدوا بالاستبدال التعويض على المسيحيين برد كنائسهم المصادرة بعد احتجاجاتهم على هدم الكنسية الكبيرة...
*إن قصة الجامع الأموي تلخص لنا قصة الأديان والمعتقدات البشرية والخلافات بين أهل الأديان والعقائد وكونها بمنظورنا اليوم أشبه ببناء متعدد الطبقات بُنيَ بمختلف الأساليب المسلحة وغير المسلحة، ومن العبر المهمة في هذا الصدد هو أن قضية التعددية الدينية والطائفية والقومية في المجتمعات الشرقية تسجل كدليل على تسامح الشرقيين وإنسانيتهم واحترامهم لعقائد وأديان وأرواح ودماء البشر الذين يقاسمونهم الأرض والماء والهواء والأمل، على العكس من المجتمعات الغربية الأروبية الإقصائية والتي مارست إقصاء وإبادة المختلف دينيا وطائفيا حتى لو كان مسيحيا وآريا منهم ولكن لأنه من طائفة أخرى. وأسماء المجازر لدى الغربيين كثيرة ولعل أشهرها مجزرة "سان بارتيليمي" في فرنسا القرن السادس عشر والتي أباد فيها الكاثوليك مواطنيهم الفرنسيين البروتستانت فصارت فرنسا منذ ذلك الحين أمة واحدية المذهب. وتشذ عن هذا المنهج الدموي الغربي بعض البلدان ومنها سويسرا التي استقبلت الناجين البروتستانت وقاسمتهم الوطن والمعاناة وسويسرا اليوم من البلدان القليلة المتعددة دينيا وطائفيا.
*ومن الطبيعي أن لا يُحسب ضمن هذا الواقع ما جدَّ من تعددية بعد الحرب العالمية الثانية وقدوم الملايين من أبناء المستعمرات للمشاركة في بناء أوروبا التي دمرها الأوروبيون أنفسهم في الحرب فهذا تطور آخر خارج بوتقة الصراع الديني.
*ولعل العراق - إلى جانب بلاد الشام - من أبرز الأمثلة على البلدان القائمة على التنوع والتعددية والتعايش السلمي في نسيجه المجتمعي، تعددية قديمة وتعايش متميز لا يخلو طبعا من الهنات، حتى وصف بالحديقة الإنسانية الجميلة ظلت شاخصة بثمارها حتى مجيء حكم المحاصصة الطائفية الأسود الذي فرضه الاحتلال الأميركي في بدايات القرن الجاري فبدأ العراق ينزف أقلياته الدينية والقومية ولم يتبق منها الكثير اليوم.
*ونحن حين ندرس ونقرأ التاريخ، فليس هدفنا الأول محاكمة الموتى لنعاقبهم على ما ارتكبوه قبل ألف عام، بل محاولة فهم ما ارتكبوه وتوثيقه وتحليله بشكل منهجي وعلمي لأخذ العبرة منه لأجيالنا الحاضرة، وبما يخدم تعزيز السلام والأمن والحرية لشعوب منطقتنا، واعتقد جازما أن ما فعله أردوغان بقراره تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد مجددا، ورغم أنه يقع في مشمولات سيادة الدولة التركية، مضر جدا بالعلاقات بين شعوبنا وبالسلام وبالصداقة بينها وسيخلق مزيدا من التوترات والعداوات بين هذه الشعوب وينكأ جراحات الماضي والهدف من كل ذلك هو الطموحات والأطماع الشخصية الزعاماتية.