طبعة ثورة العشرين الثانيه: سماتها؟/8

3 أسابيع ago

عبدالاميرالركابي
مع منتصف الالفية الثانية الميلادية، دخل التاريخ والمجتمعات البشرية زمن "التفارقية الرباعية" المفضية الى التحوّلية، بعد مشارفة زمن الأحادية باعلى اشكالها، وارفع صنوف تجليها الممكنه، على الانقضاء، وكان هذا الطور من تاريخ التصيّر قد اعقب وارتكز الى الدورة الثانية الشرق متوسطيه، واتخذ بالأساس شكل انقلاب في وسائل الإنتاج نهضت به اوربا، من اليدوية الى الاليه، قبل ان ينتقل الى الطور التكنولوجي والتكنولوجيا العليا المتاخرة، قيد التشكل، ومع الآلة والثورة البرجوازية الراسماليه المصنعية، تهيأت للغرب أسباب الغلبه والهيمنه النموذجة والتفكرية، وصار نمطا ونموذجا اعلى، ومطمحا تريد التشبه به والتماهي معه، عموم مجتمعات الكرة الأرضية، في حين طغى منظوره بهذه المناسبة على التاريخ وجدليته، ومايعين اغراضه وآليات سيره.
ومن بين مجتمعات المعمورة، ظهر مثل هذا المنحى في الشرق المتوسطي من قبيل الاشكاليه التاريخيه الكبرى، انطوت على احتماليه غمط للاليات التاريخية المجتمعية، ومايوافق أغراض الظاهرة المذكورة والمضمربين تضاعيفها، وبما ان المنطقة المنوه عنها تعاني أصلا وقبل صعود الظاهرة الغربية، من هيمنه حالة الانقطاع التاريخي الملازم لحركة تاريخ هذا الموضع من المعموره بين الدورات، او مايعرف بحال التردي والانحطاط، الامر الذي كان من شانه ابعاد العقل كما هو متاح طاقة، عن التصدي لمهمة التعرف على الذات، او اعتبار حضور الغرب بصيغته الحداثية المستجدة، من قبيل المحفز، او العامل المؤدي لكشف النقاب عما ظل مضمرا وغيرمدرك من مكونات الذات والبنيه والاليات.
وبالمقارنه، يمكن تصور ماكان قد نشأ من تغلب استثنائي لكفة الغرب وظاهرته، وماقد شجع بقوة على التماهي معه، والانحناء امام موضوعاته، بغض النظرعن نوع حضوره واستعماره، واشكال هيمنته، اذ وحتى في هذا الميدان، كان هو قد اصبح المشروع المعتمد لاجل "التحرر" منه، فالغرب ك"استعمار"، هو نفسه الغرب ك"مابعد استعمار"، حيث يتوطن "التحرر"و"التقدم" ومصدره النموذجي( الديمقراطي الليبرالي او الاشتراكي)،هذا في حين كان قد زاد من أسباب تأكيد حالة الانفصام وعززها، استمرار شكل التعبير الذاتي الموروث من الدورة الثانية بصيغته النبوية المنتهية الصلاحية، بعد ان تحولت الى استعادة مستحيله خارج زمنها ومبررات حضورها"سلفيا"، ماقد اعطى نوعا، او قدرا من الشرعية لما يضادها من استعارة مماعرف بالنزوعات الراهنه الحديثة، او "التقدميه" بافتراض توافقها مع الزمن والعصرالمعاش، وبهذا كانت عناصر"الانحطاط" التاريخي التاريخاني التصيري، تكتمل لتولد حالة "انحطاط ثان"، استمرت غالبة لاكثر من قرنين من الزمن، وماتزال لم تعرف ايه انتباهة، او ردة فعل من جنس مايمكن نسبته الى "اليقظة" الفعلية، رغم كثرة استعمال العباره، لابما خص تلك التي ظلت تستعمل للدلالة على الانتقال من "انحطاط " اول موروث، الى "انحطاط" اخر مركب توهمي، وانحداري، معبأ بالكارثة واسبابها، دائرته ساحل الشام ومصر، وسرديته تبدا بمحمد علي و"نهضته" البرانيه، مع انتغاء العوامل الداله على حضور اليات العصر مجتمعيا( في مصر بالذات)، وفي منطقة هي الأدنى على مستوى الشرق المتوسطي وتاريخه دينامية، والاقرب، لابل المختصة بالا نتماء الى الأحادية بأكثر صيغها سكونية واجترارا.
ابن كان يجب، لابل يمكن للعقل الشرق متوسطي، وبمقدمه الرافديني ـ حيث بنية الازدواج المجتمعي ـ ان يذهب متعديا غلبه الغرب الحديث باتجاه فض كنه ومكنون ذاته، بينما هو يفتقر الى نوع من التجرؤ الاستثنائي الخارق، أساسه وأول عتباته التوقف عند مسالة التاريخ وديالكتيكه، وحركته خارج الأحادية وسطوتها، وتوطنها الطويل عقليا، وفي التجربة والمعاش، الامر الذي جعل المنطقة وارض مابين النهرين بمقدمها، تعيش تاريخها بدوراته دون وعيه، او ادراك مضمونه، ومن ثم مايتضمنه من حقيقه شامله للمجتمعات، والعالم، ولمقاصد وجود الكائن البشري. الامر الذي كان سيتطلب أولا الاقتراب من حقيقة ان المجتمعات البشرية وظاهرتها قد وجدت بالاصل والبنية، وتكوينا، باعتبارها ظاهرة تحوليه منطوية على أسباب ومحركات الانتقال الى مابعدها، قبل زوالها. ماقد اقتضى أولا وبداية، وجود مجتمع لادولة غير قابل للتجسد الأرضي، ممنوع من افراز أسباب التمايز والسلطة المنفصله من داخله، وماخوذ بالتجسد السماوي.
تبدا المجتمعية ب "اللادولة"، لتنتكس ازدواجا، ذلك كان حال المجتمع السومري اللاارضوي، ثم "الاستبدالي"/ النبوي، ابان زمن الانتكاس وظهور الدولة الدالة على الأحادية المجتمعية، مستغلة تعذر تحقق التحول المجتمعي ابتداء، بسبب عدم توفر العامل المادي الضروري للانتقال، وبين البنية التحوليه وتعذر تحولها، تقوم "الدولة الأحادية " او احدى صيغها "المنتقصة" ازدواجيا، والمتشكلة امبراطوريا، هكذا تعيش بنبة الازدواج الإمبراطورية التحولية في زمن التعذر وابانه، قبل التحول، بين "استبدال"من اسفل و"انتقاص" في الاعلى، وكما كان الانبياء يتمرغون لنقص الادراك بشبهة الملوك، ظل مايعرف ب "العراق" ابان الفترة العثمانية، يؤخذ على انه متنازع عليه بين الصفويين وال عثمان، باعتبار العراق هو بغداد، مع ان العراق كان مستقلا عن الاثنين/ والمنتفك طردت الصفويين من البصرة، وقتلت قائد حملتهم في وقت لاحق، والعثمانيين كانوا يتلطون خلف المماليك، وهؤلاء يلاسلطة لهم تتعدى بغداد، ويوم جاء العثمانيون وجدوا مغامس المانع شيخ مشايخ المنتفك حاكما على البصرة، فابقوة في محله الى ان وقعت تدخلات برتغاليه من جهة الخليج، حدت بهم لان بغيروا الحاكم مع ان الامر لم يدم لهم، وماكانت البصرة محكومه فعليا بيد غيرهم، هذا وكانت المنتفك أعلنت نيتها في قيام حكم عربي، وتولي الولايه في بغداد، لمرتين، ابان الثورة الثلاثية 1797 وقبلها، كما نصبوا بحرابهم التي دخلت بغداد، ممثلهم في كرسي الولايه سعيدا ابن سليمان باشا الكبير، الوالي السابق على داود باشا اخر الولاة المماليك، هذا وتحتفظ مناطق المنتفك والفرات الأوسط، بسجل يتضمن اكثر من 150 معركة وتمرد مسلح، بما يجعلنا امام عراق مستقل فعلا، محتل شكلا، ضمن مساحة التشكل التاريخي الحالي، لا العثمانيين ولا الصفويين يحكمونه، حيث هو قائم في الجنوب واليوم، وحيث تشكل ويتشكل حديثا منذ القرن السادس عشر، أي بالتزامن مع ظاهرة الصفويين ودولتهم(1).
"الاستقلال الاستبدالي"، مصطلح وتعبير يطابق مانحن يخصوصه، يخالف، بالطبع كل ماقيل ويقال عن عراق القرون الخمسه المنصرمه، ناهيك عن قبلها، وصولا الى للحظة البدايات الأولى التي ظهرت عندها المجتمعية التحولية الازدواجية في ارض الرافدين، ومع حالة الاستقلال التي عاشها العراق منذ القرن السادس عشر، ابان تشكله الحديث، لاتعود النظرات المستعارة عن ثورة 1920 سوى نوع من المصادرة الداله على القصور العقلي، فما ثار ومن ثار في 31 حزيران 1920 ليس الشعب الطامح الى التحرر من "الاستعمار"، فالاستعمار لم يكن له وجود وقتها، وهو بالكاد توضع في بغداد بعد مسير متعثر لثلاث سنوات، ولو ان الإنكليز لم يدخلوا العراق من الفاو، ووجدوا طريقة تؤمن دخولهم العاصمة بغداد، مثلهم مثل العثمانيين، لكان المشهد اختلف، وردة الفعل اتخذت منحى آخر غير الذي عرفناه في الثورة العشرينية.
الا ان الحملة البريطانية تعرضت بمرورها من الجنوب، ارض اللادولة، المكان الذي لم يعرف على مر الاف السنين اطلاقا، غزوا او احتلالا من قبل، فمست بقوة وفجاة، استقلال المجتمع التحولي العراقي، واستثارت حتى الأعماق، ردة الفعل التحولية الشاملة من نوع التي رأيناها وراها العالم وقتها، فكادت تطرد الإنكليز الذين اتجهوا مجبرين فعليا لوضع خطط الانسحاب والمغادرة، لولا اكتشافهم في اللحظة الأخيرة، لشكل الاستعمار المبتكر، والذي لن يصبح معروفا على مستوى العالم، الا بعد أربعة عقود، باسم "الاستعمار الجديد"، يوم ذهبوا لاقامة "دولة من اهل البلاد " تكون "واجهة لاستمرار النفوذ الإنكليزي في العراق"، من ضمن مجريات ومتطلبات حالة احتراب قامت من حينه، أي مع عام 1920، بين مجتمع تحولي مستقل كينونة(حديثة) وذاتا وبنية، وشكل تجلي الدولة الأحادية باعلى اشكالها وصيغها، واخر محطاتها، وهو ماسيكون ناظما لجوهر الحضور الإنكليزي في العراق، ولكل تاريخ الغرب في ارض مابين النهرين.
ان الحاصل خلال القرن الماضي، هو حالة تصادم بين شكلين ونوعين مع المجتمعات وانماط تجليهما، تحولي ازدواجي امبراطوري متشكل حديثا، واحادي آلي بصيغته العليا الراسمالية المصنعية، ووجهه الاستعماري، وهو مسار غير خاضع لمايقرره الغرب ومن يتبنون رؤيته للتاريخ الحديث، ويجدون الراسمالية، او الاشتراكية من قبيل الحتمية الناظمه للعصر الحديث وللمجتمعات البشرية، وهو ماتكرسه الغلبة الغربية النموذج والتصورات، فالعالم منذ الثورة الاليه البرجوازية، صار محكوما لقانون التحول، وانتهاء الأحادية المجتمعية، وللمجتمعية التكنولوجية مابعد الأحادية، المتفقه مع ضرورات الانتقال لمابعد مجتمعية، والى صناعة الانسان بدل الانتاجوية الراهنه التي تؤمن احتياجات "الانسايوان"، الحيوية، وضرورات ديمومته البيولوجية.
تتفق مسارات التاريخ مع غاية ومستهدف المجتمعية المضمر، والمودع في الظاهرة المجتمعية. وصولا الى ماوجدت المجتمعية الأولى السومرية مفتقرة له، وغير قادرة على التحول والعبوروقتها، بالرغم من بنيتها واشتراطات وجودها التحولية، من دون توفره، الامر الذي كان تطلب المرور بدورتين تاريخيتين، وصولا الى الراهنة الثالثة، التي تنطوي على انبثاق الوسيلة الإنتاجية المادية مابعد الاليه، الموافقة لطبيعة المجتمعية التحولية، والتي تأخذ المجتمعات الى المقصود من وجودها، والمتفق مع الغرض من صيرورتها كعتبة لازمة واجبارية، قبل بلوغ العقل مشارف الاستقلال، ولحظة التحررالضروري من العالق به من متبقيات الطور الارتقائي الحيواني.
ـ يتبع ـ
ـ ختام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يؤرخ لظهور الحركة الصفوية كحركه مسلحة من اطراف ايران المتاخمه لاذربايجان ب 1501.