طبعة ثورة العشرين الثانيه/ ختام ب/10

أسبوعين 3 أيام ago

عبدالاميرالركابي
هل عرف العراق في العصر الحديث "الدولة" الاحادية، ام انه كان ومابزال منذ القرن السادس عشر في حالة تشكل حديث من طبيعته ونوع تكوينه، بما ينفي حتمية النمو او التشكل البرجوازي الالي الصناعي؟ مثل هذا التساؤل شديد الوجاهة، والجوهري بدرجة حاسمه، لم يطرح على الاطلاق في أي من الادبيات، او مايعرف بالدراسات والأبحاث التاريخيه الحديثة، الامر الذي يجعل من واقع العراق الحديث، خارج النظر، ومحكوما عليه بالاسقاط التصوري، ومن ثم الافتراض المركب والمفبرك من خارج الياته ،ونمط بنيته وتكوينه، وبالاساس فانه يمنع الفرضية الخطيرة التي يمكن ان تقول بثنائية التشكل الحديث، الامبراطوري الازدواجي الرافديني من جهه، والانشطاري الطبقي الاوربي.
لقد عشنا وعاش العالم ماخوذا بواقعة النمو الحديث الأوربي، مع الطمس الكلي لاية احتماليه مقابله، ماقد جعل العراقيين بالذات يحيون في العصر الحديث خارج ذاتهم التاريخية البنيوية، حتى وهم يخضعون واقعا وعملا، لقوة حضور الاليات العراقية الفاعله من دون وعي أهلها بها، وبالرغم عنهم.
والدولة مفهوما، هي "التصاب المجتمعي المتشكل" بحسب الظروف والحقب، وصولا لاعلاها الدولة الوطنية/ القومية الحديثة، التي تنتج عادة عن اكتمال التشكل الوطني. فهل المبدأ المذكور نهائي واجباري عام، لامجال ولا احتمال مخالفة له في الجوهر والشكل، وهل ان المجتمعية على مستوى المعمورة، هي واحده ومتماثلة، مدرجه تحت نموذج وحيد؟ لدرجه الذهاب عند لحظة معينه لاطلاق خراقة كبرى، من نوع "نهاية التاريخ" عند تخوم "الليبرالية" الغربية ونموذجها.
قبل حضور المستعمرين الإنكليز، كان من يحوز "بغداد" عاصمة الدورة الثانية الإمبراطورية المنهاره، يعتبر نفسه قد حكم العراق، وان هو ظل محاصرا داخلها، لايكاد يمارس السلطة حتى داخل اسوارها المتداعية، ويومها لم تكن مفاهيم "الوطنية/ القومية"، و "الدولة" والكيانية قد وجدت كما صارت عليه ابان صعود الغرب ونهضته الحديثة، ماجعل من حيازه بغداد واحتلالها، ترتبط بتخيل بنية وهيكيليه وسردية "تشكل وطني"، اقتضته الضرورة الناشئة، لاعن تطور العراق، بل عن عجز الإنكليز عن السيطرة على موضع متعذر حكمه مباشرة، ماقد اوجب وقتها الاتجاه الى "صناعة عراق حديث مختلق"، يكون متطابقا مع اشتراطات السيطرة الاستعمارية ،بمعنى ان حادثة احتلال العراق كانت قد اشترطت إعادة صناعة البلاد الجاري احتلالها، بفبركة بلاد متشكله تاريخيا ، عراق له دولة وكيانية، واقطاع، مرتبط بالسوق الراسمالية العالمية، وله "عاصمه"، ودستور وبرلمان، اضطلع برسم صيرورته الحديثة ويرلند، الضابط الإنكليزي الملحق بالحملة البريطانية الذي اختلق سيرورة تشكل مرتبطه بالسوق الراسمالية العالمية، ووطن وكيانية، وصولا الى السوق الوطنية، تبدا من عام 1831، الامر الذي لاشيء يؤيده، او يمكن ان يدل عليه، مع انه يرتكز لواقعة الاحتلال التركي الثالث، وازاحة داود باشا في العام المذكور، والمثير هنا ان القراءات اللاحقة ظلت ترى في داود باشا اخر الولاة المماليك، المزاح عام 1831 "محمد علي العراق"، وهو كما معروف، اصطدم بالممثلية البريطانيه، وسعى الى فرض رسوم كمركية على المنتجات الأجنبية، ماكان يبرر التساؤل عن دلالات مواقفه، ومنها تلك المعتبره "إصلاحية"، او مايمس جانب الثقافه والادب العراقيين، وينبه على الأقل الى نزعة استقلالية، لاشي يمنع من نسبتها الى "وطنية / برجوازية" سابقة على عام 1931 . الامر المثير للحيرة، ولاقصى اشكال الاستغراب، ان لم يكن استهجان مثل هذا التخبط والاعتباط المعرفي التاريخي.
هنالك تشكلان للعراق الحديث، مازال العقل العراقي لم ينتبه الى اليوم الى تضاربهما، تشكل نعرف بداياته، انتج داود باشا، وملامح نزعته الاستقلالية التي دفعت بالباب العالي لاعادة احتلال العراق خوفا من استقلاله، ومحاولة حكمه حكما مباشرا، ظل الاتراك يتحاشونه، واخرمفبرك يبدا مع حملة "علي رضا" وازاحة داود باشا عام 1831 ،هذا من دون ان نغفل كون داود باشا من جهته ماكان في وضع يؤهله لفبركة واختلاق "وطنية عراقيه"، او سردية كيانيه، ومبررات قيام" دوله"، يرى البعض انها تنتمي للدولة الحديثة، ولمايدل عليها ويشير لها من منجزات وبدايات تأسيس للصناعة الحديثة، وبمقدمها الصناعة العسكرية، والمدفعيه خصوصا، مع اقامته جيش ضخم من قرابه 100 الف منتسب.
الإنكليز كانوا مضطرين بإلحاح لان يوطنوا مفهوم الكيان والدولة "الحديثة"، وان يصنعوا له رواية، مثلما كانوا مضطرين اجبارا لان يبتدعوا لأول مرة في التاريخ، حالة مبكرة وصيغه افتتاحية مسبقة استعمارية جديده، مابعد كولونياليه، تنتمي لعالم "الاستعمار الجديد"، اطلقوا عليها تعبير "الحكم من وراء ستار"، الذي لم يعرفه العالم الا بعد قرابه أربعة عقود، مع القرن الأمريكي، وتكرس القيادة الامريكية للغرب، والذي فعلوه وقتها، لم يكن وماكان من الممكن ان يكون، من نتاج او او محاكيا لضرورات ومقتضيات التشكل الوطني، وبلوغه غاياته، وصولا لمستوى النضج الضروري اللازم، والذي لادولة وطنية من دون تحققه.
ووقتها كان قد حل على ارض الرافدين، مايمكن، او يجب تسميته بزمن الوطنية والدولة المفروضة والمقحمة من خارج التشكل الوطني/ الازدواجي الامبراطوري. بما كرس حالة ازدواج، وثنائية تاريخية متداخله حكمت تاريخ البلاد، الأولى الأساس نابعة وخاضعه لفعل الاليات التاريخية الازدواجية الإمبراطورية، والثانية ممثلة بوطاة الغرب وحضوره، ونمط سرديته، واشكال وتمظهرات مايعود له، ويدل عليه، وحدوده، ونوع عمله، ودرجة ومستوى فعاليته، ماكان قد تعدى حتى ابتكارماعرف ب" الاستعمار الجديد"، الى نمط اخر غير مسبوق، ولا مثيل له على مستوى المعمورة والتاريخ الاستعماري برمته.
ومعلوم ان الفرضية الانفه لاحضور لها باية درجة او مستوى كان بين الأوساط المعنية العراقية أساسا، وغيرها، حبن بتعلق الامر بالتاريخ والحياة الحديثة، وقبل هذا بعناصر ومفهوم الوطنية العراقية الحديثة، فلا إقرار من أي نوع، ولاحتى مجرد تفكير بتاريخ التشكل العراقي العائد الى القرن السادس عشر أولا ، ناهيك عن افتراض وقوفه على قدم المساواة من ناحية البداية الزمنيه، مع البدايات الغربية وتشكل الغرب الحديث، ذلك مع ان الغرب قد حقق ثورته البرجوازية، وقفزته الاليه، والعراق لم يفعل، ماقد منح الغرب فعاليه اعلى، وحضورا أوسع وابعد على مستوى المعمورة، نموذجا وتفكرا، وصولا الى ارض الرافدين ، ماجعل من البداهة الذهاب لالغاء احتمال "ثنائية النموذج" لصالح احدهما، وكرس عملية طمس اية إمكانية او منطوى تاريخي اخر، عدا الأوربي وماقد آل اليه، ونتج عنه، وعن سيرورته منذ القرن الثامن عشر، مع الثورة الصناعية على وجه التعيين.
ونحن نعيد اليوم السؤال: ترى الم يكن من المفترض او الجائز، ان لم يكن من المتفق مع مقتضيات الحالة وطبيعة حركة التاريخ، ان يخطر على البال احتمال دخول العراق مع بدايات القرن العشرين، وحضور الغرب، مايمكن ان يطلق عليه "صراع النموذجين على ارض واحدة" بدل الاخذ شبه المطلق، بفكرة ومنهجية غلبة نمط ونموذج على اخر، وطمسه، وازالته من الوجود كما فعل من يعدون انفسه "حداثيون" وعصريون، و "وطنيون ايديلوجيون حزبيون" على الطريقة العراقية كما تكرست بعد الثلاثينات على وجه التحديد، بعد فشل محاولة قصيرة اسبق، من نوع اقل صرامه ايديلوجية، فاشلة، اضطلع بها "جعفر أبو التمن".
مر العراق خلال القرون الانحدارية بعد 1258 بثلاث حقب :
1 ـ حقبة توقف الاليات الإمبراطورية.
2 ـ حقبة عودة التشكل الازدواجي الامبراطوري، وعودة عمل الاليات التاريخية البنيوية وتبدا مع القرن السادس عشر. وهذه تنقسم لطورين:
أ : اصطراعي مع بقايا السلطنات المتشبهة بتلك التي عرفتها الدورة الثانية، مر بحقبتين استبداليتين جنوبا: قبلية ، ودينيه تجديديه انتظاريه، بلغ مع نهاية السلطنات الايله للافول، حد شمول منطقة السواد برمتها قبل ان يتجاوزها ليشمل عراق الجزيره الأعلى.
ب: اصطراعي ثنائي مع نمط غالب إلغائي لما عداه بنية ونموذجا.
وكل هذا لم يغير أساس وثوابت بنية ارض الرافدين المجتمعية كموضع ازدواج امبراطوري، فرض عليه راهنا غير ماكان عرفه خلال دورات تاريخه، فهل كان مثل هذا التشكل واستمراره ممكنا اليوم؟ لنعكس السؤال بالقول لماذا هو غير ممكن، ومالذي تغير على صعيد البنية واساس وبدايات التشكل الحالي وصعوده على مدى ثلاثة قرون، وهو يترسم نفس قانون التشكل من "اسفل"، من سومر في الدورة الأولى، ثم من الكوفة والبصرة في الثانيه،صعودا الى الأعلى، من لكش، الى بابل، الى بغداد، وصولا الى العودة الى سومر الحديثة، "المنتفك" في العصر الحالي.
هل الانقلاب الالي الصناعي البرجوازي، عامل يمنع التشكل "الازدواجي الامبراطوري" ولماذا، الم تعرف مرحله التصنيع والحداثة اشكالا من الامبراطوريات التي "لاتغيب عنها الشمس"، مع انها قامت في مواضع من اوربا لم تكن يوميا امبراطورية بنيويا، صحيح ان روما لم تتكرر هي نفسها، لكن بريطانيا وامريكا صارتا امبراطوريتين، الثانيه منهما فقست خارج رحم التاريخ، هذا وارض الرافدين لم تعرف في تاريخها غير هذا الشكل من التجسد الكياني، مايجعل منه كينونته وطبيعة، أي انها امبراطورية بنية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هي كانت قد سارت على طريق التشكل، قبل وصول الغرب بثلاثة قرون، دون ان تعرف التطور الانقلابي الالي البرجوازي، بل كررت من جديد، سيرتها التاريخيه نفسها، ماينهض كدليل صارخ على رسوخ واستمرار عمل اليات تاريخها وبنيتهأ، ومايتفق معها من مآلات.
فاي علة، أوبالاحرى ايه معرفة معتبرة "استثنائية"، تلك التي اجازت في العصر الحديث الغاء خصوصية الكيانية الرافدينيه العراقية، وحرمتها باسم العالمية الاجبارية( واحادية النموذج والممكن الذي لاممكن سواه، الأوربي، المخالف مبدئيا لاسس العلم ومنظوره، ومنهجياته)،من معايشة ذاتها وعيا، لدرجة توليدها لاكثر الظواهر تشوها ومرضية كما تمثلت ب"الوطنية الاستعمارية"، الحزبيه الايديلوجيه.
ـ يتبع ـ
ختام ج