طبعة ثورة العشرين الثانيه/ ختام ج/11

أسبوعين يوم واحد ago

عبد الامير الركابي

يُستفز "الوطنيون الاستعماريون !!!" حين يقال بان العراق لم يكن له وجود قبل عام 1921 ،دواخلهم ترفض التلميح في مناسبة كهذه لاحتمال ان يكونوا "خارج العصر" الذي هو "دولة" و "كيان" على النمط او النموذج الغربي، واما الكفر بنظرهم، أي القول الذي لايسامح قائله والمعتقد به، فهو عادة أي نوع من الميل الى نفي الطبقات وتبلورها وصراعها، او التفكير مهما كان عابرا باحتماليه ان يكون لهذا المكان، او الجزء من العالم من "خصوصية" من أي نوع كان، فالحداثة والوطنية شرطها الانتماء الصادق الصدوق للغرب وظاهرته التي هي "التقدم"، و "التقدميه" هي في كل مجال.
هل من فارق بين نوري السعيد، وكل من " فهد" يوسف سلمان يوسف، و"كامل الجادرجي" على هذا الصعيد، نعم الأول يختلف عنهم في الجانب العملي الاجرائي والتنفيذي، الذي اختص به واضطلع مقارنة بالاثنين الاخرين، المنغمسين في الجانب المفهومي بالدرجة الأولى والاساس، مع انهم مجتمعين لهم المرجعية نفسها، والمعتقدات ذاتها بخصوص الدولة أساسا، والكيان الذي لاوجود لهم ثلاثتهم من دون اصطناعه، والإصرار على نسبته لذات المعادل، والاهم ان الثلاثة منكسرين امام ذواتهم، جازمين بشان ظلامية ولافائدة تاريخهم، رافضين لاحتمالية ان يكون مصدرا يمكن ان يستوحى منه باي شكل كان، نوع حاضرهم.
وقد لايكون هذا الحال قد وجد مايماثله في أي مكان اخر، مكان ميزته الانطواء على البدائل التاريخيه المضاهيه حضورا وتواريا، فالمصري اذ يقول مثلا وعلى سبيل المجادلة بان "الدولة الحديثة" لم تستورد، فانه عند ذاك سيجد مايسنده كمرجعيه مقابله، لانه ابن"دولة" وكيانية/ وطنيه راسخة، كانت اول دوله أحادية في التاريخ، بينما العراقي اذا استنكر او نفى وجود مثل هذه الدولة، يكون محكوما، ولو من دون قصد او وعي منه، لان يذهب الى نمط غيرها، خاص به هو لوحده، لم يسبق ان جرى كشف النقاب عنه، فالعراق لم يعرف ابدا "الدولة/ الكيان"، ونموذجه التاريخي هو "الدولة الإمبراطورية / المنتقصه"، وهذا الإقرار هو مجرد افتراض خفي وغير قابل بعد للعرض، بمقابل الدولة المفبركة "الحديثة"، لالشي الا لان العقل هنا مايزال ادنى من اشتراطات وجوده وقدرته على الإحاطة، وهو اذ ينتكس في هذا المجال لايجد امامه الا ان يبرر لنفسه فعل الاستجلاب والاستعارة من الغرب، و"فهد" يذهب الى موسكو ليتعرف على ماركس ولنين، وياتي من هناك ليفعل مايفعله ويرلند بالضبط، فيجعل العراق ـ وبما انه ارتبط بالسوق الراسماليه العالمية ـ مفعما بالطبقيه والطبقات وصراعها، وصولا الى تفريقه، مميزا بينه هو وبين ذو النون أيوب المختلف معه، وكانه هو البلشفيك أي لنين، والأخر المنشفيك، هكذا وعلى مثل هذه الشاكلة تتواصل وتكمل بعضها حلقات الفبركة الكيانية خارج المعاش.
ويطول كثيرا جدا ويتشعب، ركام الامثله والادله المنتمية لوطنية الاستعارة والفبركه، على حساب امكان او احتمالية ضائعه ومطموسة، هي وطنية الازدواج والكيانية الإمبراطورية الرافدينيه، تلك التي يمكن ان ترى الى تأسيس الحزب الشيوعي على يد "فهد" ومعلمه فاسيلي في الناصرية، وليس في بغداد، على انه الامر البديهي المتفق مع كون العراق مكون من ازدواج مجالين مجتمعيين وانشطار عمودي مجتمعي، لا افقي طبقي، مايجعل من عملية الفبركة التي حلت عليه في عام 1921 من اعلى على يد المستعمرين الإنكليز، سببا وعاملا محفزا طبيعيا على قيام فبركة مقابله من اسفل، ترتكز لنفس قانون "الاستبدال" التاريخي، فبغداد هي مركز مناسب لنوري السعيد، وليس لحسين الرحال، اول من حاول أقامه حزب شيوعي في العاصمة وفشل، اما الناصرية عاصمة المنتفك والتشكل الحديث التاريخي فلها "نوري سعيدها" باعتبارها مدينة الفبركة المضادة من داخل الفبركة الاعم: دولتان ومجتمعيتان ففبركتان، من اعلى ومن اسفل، وهو ماسينطبق حرفيا على حاله حزب البعث، وفشل محاولات تاسيسه في بغداد وتشكله الفعلي في الناصرية، على يد فؤاد الركابي.
في مجتمع ازدواجي تكوينا وبنية، مايحضر وينسحب على ظواهره الحديثة هو الازدواج المجتمعي، وليس الطبقي، واذا كان "فهد" قد تعلم اليوم وحفظ ماهو قادر على حفظه من "صراع الطبقات"، فانه بالاحرى وجد هو نفسه فعلبا وواقعا ماخوذا بالصراع المجتمعي بين مجتمعين، الثاني يتعرض لحالة هجوم ساحق من اعلى، معتمد من القوة الاستعمارية عن طريق فبركة مايعرف ب "الدولة الحديثة" من خارج النصاب الاجتماعي والتشكل التاريخي، دولة سلاحها وقاعدة وجودها، تغيير شكل علاقات ملكية الأرض المشاعية الى اقطاعية مفتعله، أي محق ومحو البنية المجتمعية التاريخيه الجنوبيه لمجتمع اللادولة، الامر الذي حفز اليات الرد من اسفل بأقصى ممكناتها، وسرعها بما يتناسب وحجم ودرجة خطورة الهجوم المسلط من اعلى، فكان الازدواج والثنائية الغربية بين شرق "اشتراكي" وغرب "راسمالي" احد العوامل المساعدة والمشجعه على بلورة صيغة "الدولة الاستبداليه الجديده من اسفل" ،بعد القبلية والدينيه الانتظارية النجفية، لتصبح عاملا مضافا لماهو متوفر من أسباب تمثيل التشكل الوطني الازدواجي الثالث الراهن، بغض النظر عن طبيعته الحقيقية، او مستوى ودرجه توافقه مع البنية المجتمعية، علما بانه كان يجد أسبابا للانتعاش داخل تكوين مجتمعي مشاعي تاريخا وتراثا، وكما ان الدولة المفبركة من اعلى كانت تمارس هجومها التصفوي ضد مجتمع اللادولة، عملت الدولة الاستبدالية الجديدة، وعن طريق الفبركة من اسفل، على مد حضورها الى عقر دار الدولة من اعلى، مخترقة بغداد وشمال العراق الكردي، والموصل، لتصبح اقرب الى حالة صعود لعملية التشكل الوطني الحديث الشامل، وان بوسائل الفبركة واساسها الاستعماري الغربي، ليعود "الازدواج" التاريخي فيحضر كعامل حاسم واساس، لامكان ولامجال لرؤية تاريخ العراق ومختلف ظواهره الحديثة، ومساراتها، ومتغيراتها، من دون الارتكاز له ولفعل آلياته.
عاش العراق تاريخه في الطور الثالث من تاريخ تشكله الحديث، كطبعه من طبعات التشكل الازدواجي الامبراطوري ضمن اشتراطات هيمنة النموذج الغربي، والانقلاب الالي الراسمالي، وما قد تميز به من خاصيات على الصعد المختلفه، فكانت الخاصية الرئيسية لحضور العامل الجديد الغربي قد تمثلت في السعي لالغاء اليات الازدواج التاريخي، ومحقها باستخدام ممكنات والمتاح من طاقة الغرب، بناء لنموذجه وافكاره، الامر الذي لم يكن قد تهيأت له أسباب الغلبة، بينما اضطر هو نفسه للتحور ومخالفة كينونته وطبيعته البنيويه ومايمثل، من نوع الاضطرار لفبركة الدولة والكيان الأحادي في مجتمع ازدواج تاريخي، وهو مالايتفق مع طبيعة الغرب ونظمه ونموذج دولته ( الدولة/ الامه)، والأخطر اضراره لخيانه طبيعته البرجوازية، باعتماد سياسة فبركة واختلاق طبقة "اقطاعية" في مجتمع مشاعي تاريخي، غير الاضطرار الى الخروج على أسس ومقتضيات الممارسة الاستعمارية الكولونياليه، ومغادرتها نحو شكل استعمار آخر غير معروف على مستوى المعموره، مايعني في الحصيلة، قصور الظاهرة الغربية، وعدم اهليتها لتحقيق اغراضها بمواجهة، وخلال تجربة الصدام مع مجتمع الازدواج التاريخي.
هذه الحقيقة المبدأ، من شانها، لابل من البديهي ان توجب إعادة نظر شامله لكل وقائع التاريخ الحديث، بالاخص القرن المنصرم منه، بما يسقط من الحساب والاعتبار كل اشكال التناول الأحادي، ونمط الفبركة، ومايترتب عليه من التوهمات، من نوع علاقة نشاة الشيوعية بالطبقات، مع مايتعلق بمسار هذا الحزب ومراحل تغير دوره، ودلالة وجوده، مابين الطور الأول يوم نشا وكان مستبدلا ضمن ارض السواد، وبين مااعقب ثورة 14 تموز1958 وانتهاء الضرورة التي اوجبته في الثلاثينات ضمن ضرورات وحاجات مجتمع اللادولة المستهدف، ليتحول بعدها الى ظاهرة تعيش خارج الاصطراع الازدواجي الثنائي، بعد تصفيته ومقتل زعيمه الأول والثاني الأرض سواديين، ليغدو حزبا خاضعا لاشتراطات أخرى، ومحركات كردية دولوية، أودت به وانتهت لتحولة الى قوة ملتحقة بالاحتلال الأمريكي، وحكم المحاصصة الطائفية، ونظام مادون "دولة"، الامر الذي ينسجب على الظواهر الأخرى المختلفة التي على شاكلته، واهمها، بمافي ذلك حزب البعث ومتغيراته، وتحوراته السلطوية، من حزب ارض سوادي نشاة، الى حزب ريع ونواة قرابيه، ملحق باليات الدولة المقامة وفقا للتدبيريه الثانية الريعية، بعد تدبيرية الفبركة الاقطاعيه.
لم تكن ثورة العشرين على وفق هذا المنهج "ثورة وطنيه" بالمفهوم السائد الغربي الأصول، وكما يقرر المنطق المفبرك، فهي بالأحرى لحظة اعلان عن حضور المجتمع الأسفل بخاصياته وطبيعته، كمجتمع مستقل متحرربذاته، ليس بحاجة لاية استهدافات لها علاقة بالتحرر على الطريقة الغربية"البرجوازيه"، يقدر ماكانت تنتمي للإعلان عن استحالة الرضوخ للطاريء الاحتلالي، في وقت كانت اليات تاريخ العراق الازدواجية الإمبراطورية، تدخل زمن التطور الانقلابي بمواجهة صعود الغرب وحداثته، وطبيعته، وعزمه على فرض رؤيته ونموذجه، بينما هي ماخوذة باهداف أخرى من نوعها، وطبيعتها البنيويه، وبما يتعدى النموذج الأحادي الغربي نحو مابعده، وما يغاير ويخالف طبيعته وموقعه ضمن حركة التاريخ على مستوى الكوكب الأرضي.
لم تنته ثورة 1920 ولاتوقفت في حينه منذ أعلنت، بل بدات من وقتها لتصبح بحال استعداد للدخول بحالة اصطراع وجود بنيوي تاريخي، استمر ل 82 عاما، انتهت، باضطرار الغرب نفسه الى إزالة وسحق "الدولة التي فبركها" عام 1921، مختارا الاعتماد على قوى "ماقبل ومادون دولة"، في وقت لم يعد هو نفسه نموذجا يقتدى، كما انه لم بعد يحتفظ بسياسة "صناعة الأمم والكيانات" التي كانت تؤمن مصالحه، بل تفتيتها، في وقت راحت تعتمل في قلب العراق، وبناء لتراكمات تجربته خلال قرن من الزمن، وقرابة نصف قرن من نمط جديد متجدد من "العيش على حافة الفناء"، أسباب الانقلاب التاريخي الأعظم، فتلوح علائم الانتقال الى الابراهيمية الثانية، الابراهيمة الادراكية العليّة، مابعد النبوية الأولى، المنتهية والمتوقفه منذ نبوة محمد "الخاتمة"، حيث تنتظر اماطة اللثام عن المكنون المجتمعي، والمضمر التصيري التاريخي الغائب منذ قامت المجتمعات.
ـ يتبع ـ
لقاء محمد ولنين، إبراهيم وماركس/ ختام الختام/ 12