استذكارا لثورة 14 تموز 1958/ج1

قاسم وعارف
أسبوعين 4 أيام ago

نصير المهدي:مع ان استذكار ثورة 14 تموز هذا العام أقوى وأكثر نشاطا من العام المنصرم لسبب يمكن تصوره لكن الصولات لم تغير وجهتها فمن التباكي على العصر الذهبي المزعوم الذي مثله العهد الملكي الى توجيه سهام النقد والتحريض إلى القوميين الذين ينطبق عليهم المثل الشعبي الذائع الصيت "مأكول مذموم" ذلك انهم أقاموا صرح الضباط الاحرار وانجزوا عملية إسقاط النظام الملكي وإقامة الجمهورية وكل ذلك معتبر لدى من يشيدون بحدث الثورة ولكن شرط أن تكون من فعل الجن ومع ان الفريق الأول يجد من يتصدى له ويكشف عوار اطروحاته فإن المفارقة ان الفريق الثاني لا يضيع الأجر والثواب على الجانبين وسلاحه تزييف التاريخ وإطلاق أحكام ارتجالية والإصرار على تسويق الروايات الحزبية التي عفا عليها الزمن خاصة للأجيال لا تقرأ ولا تهتم بالبحث وتقتصر معرفتها على الوجبات السريعة الجاهزة.
لا تمر هذه المناسبة كل عام الا وتشحذ الذخيرة لإضافة رصيد جديد من الكراهية والضغينة التي ترمي بالشناعة طرفا وترفع اخر وما يلفت الانتباه حقا تطوع الجالسين في أحضان الاحتلال الأميركي والمدافعين عنه والذائدين عن إنجازاته التدميرية في العراق والمنطقة للاصطفاف مع من يمارس عملية سطو تاريخية على حدث لا يمكن احتكاره في سياقه العام ولكنه عند التخصيص انجزته فئة وقطفت ثماره أخرى تدعي ما ليس لها ثم لا تفوت الفرصة لتشن هجومها السنوي المعتاد في مثل هذه المناسبة.
هذا المنشور في حلقته هذه والحلقة التالية ليس محاولة للتقييم ولا المقارنة بين
اي شخصين ارتبط اسميهما بهذا الحدث ولا يغفل الاطار الموضوعي للتطورات السياسية التي مهدت للحدث وإنما للتذكير بحقائق يحاول كثيرون طمسها بالضجيج مرة وبتسويق روايات شعبوية ساذجة مرة أخرى وبين هذه وتلك يرمى طرف معين بأي مثلبة او خطأ أو تقصير مقابل رمي ثوب العصمة على الطرف الآخر ما يعتني به هذا المنشور هو الفعل الذي حول النية والغرض الى واقع قائم يشكل جزءا حاسما من تاريخ العراق السياسي.
ومن الطعون الكبرى التي تشهر في مثل هذه المناسبة ان الامور كانت ستمضي على أفضل ما يرام لولا الطرف القومي في الجيش والحركة السياسية وقد ينحدر كثيرون الى استخدام التعبير البذئ والمشبوه الذي اقترن رواجه بالاحتلال " قومجي".
لايمكن لأي باحث منصف ان يخرج من استعراض اسماء الضباط الاحرار بدا من الهيئة العليا وحتى أصغر رتبة فيهم الا بنتيجة واحدة وهي انهم عموما كتلة ذات وجهة قومية ضمت بين صفوفها اثنين من الضباط القريبين من الحزب الوطني الديمقراطي وقد التحقا بالحركة بعد أربعة أعوام من تاسبسها هما عبد الكريم قاسم وعبد الوهاب الشواف وبضعة ضباط آخرين بدون هوية سياسية واضحة ولم يكن في الضباط الاحرار اي منتسب إلى الحزب الشيوعي العراقي وحتى وصفي طاهر عضو اللجنة العليا للحركة الذي انتسب إلى الحزب الشيوعي العراقي بعد الثورة كان قريبا من حزب الاستقلال ذي التوجه القومي العربي رغم اصوله التركمانية والطريف ان عبد الوهاب الشواف الذي سيصبح المتمرد والعميل وذنب الاستعمار بعد أشهر قليلة من الثورة كان منتسبا إلى منظمة الضباط والجنود الوطنيين المرتبطة بالحزب الشيوعي العراقي قبل تحوله نحو حركة الضباط الاحرار فضلا عن أن فاضل عباس المهداوي قد انتسب إلى الحزب الشيوعي العراقي بعد الثورة وأمر الخلية العسكرية التي كان يديرها سلام عادل معروف ومشهور وقد ضمت المهداوي ووصفي طاهر وآخرين ممن يمسكون زمام الأمور في الجيش بعد الثورة وفيهم من لا علاقة له بها او بحركة الضباط الاحرار بل وحتى بالجيش وقت اندلاع الثورة لانه كان متقاعدا خارج الخدمة كجلال الأوقاتي وطه الشيخ أحمد.
واحسب ان انتماء المهداوي ووصفي طاهر إلى الحزب الشيوعي بعد الثورة كان في سياق شعر العسل بين عبد الكريم قاسم والشيوعيين وقد بقيا مخلصين مواليين لقاسم حتى نهاية حكمه وخاصة بعد انفضاض الزواج المؤقت بين قاسم والحزب الشيوعي.
من الأمور النافلة ان عبد السلام محمد عارف سيطر على اللواء العشرين وقد كان قائدا لاحد افواجه وعاد باللواء إلى بغداد فاسقط الملكية وأعلن الجمهورية واذاع البيان الأول للثورة وسلم القيادة لرفيقه وزميله ذي الرتبة الأعلى عبد الكريم قاسم الذي دخل بغداد عصر ذلك اليوم بعد أن تم حسم كل الأمور.
وجميع من قادهم عبد السلام عارف إلى تنفيذ خطته كانوا من الضباط القوميين وليس فيهم احد من اي طرف اخر.
الحلقة الوسيطة وهي القيادة البديلة او الاحتياط والتي شكلتها الهيئة العليا للضباط الاحرار هي الأخرى كان اعضاؤها من الضباط القوميين وليس فيهم من ينتسب إلى طرف سياسي اخر.
الوحيد ممن اشترك في التنفيذ ولكن دون أي فعل بإستثناء واجبات الدلالة وحسب لاحقا على طرف اخر هو وصفي طاهر ولم يكن يعرف يوم الثورة بمثل ذلك التوجه الذي اشتهر لاحقا به ولا ندري ماذا سيكون رأيه وموقفه لو ان عبد السلام عارف قد أخذه الزهو بانتصاره وأعلن نفسه قائدا للثورة.
وعموما فلولا شجاعة او تهور او جنون عبد السلام عارف ما كان العراق او التاريخ سيعرف يوما اسمه ثورة 14تموز او الجمهورية او الزعيم وغير ذلك من المفردات التي ذاعت بعد ذلك في التاريخ العراقي وكل بدائل أخرى تبقى افتراضات لا أكثر.
ذكر هذه الأمور ليس من باب المدح والثناء والاطراء ولكن هذه هي الوقائع التي لا يمكن تبديلها لأنها حدثت وصارت جزءا من تاريخ هذا البلد.
وعبد السلام عارف كان مخلصا لرفيقه وشريكه وكان بإمكانه ان يغير وجه التاريخ بإعلان نفسه قائدا للثورة وستهتف الجماهير باسمه ولن يستطيع احد منافسته حتى عبد الكريم قاسم نفسه والأمر كان سيحصل لو ان عبد الوهاب الشواف قد استطاع إسقاط الملكية في مايس من نفس العام لولا أن شرط التنفيذ وهو وجود الثلاثة الملك وعبد الإله ونوري السعيد لم يتحقق ولو تحقق ذلك لكان الزعيم هو الشواف ولرضي عبد الكريم قاسم بالمنصب الذي كان سبضعه فيه الشواف رئيسا لا كان الجيش وعبد السلام عارف أمرا لحامية الموصل وقد آثار هذا حفيظة الاثنين فعيناه أمرا لحامية الموصل بدلا من تحقيق رغبته في تولي منصب الحاكم العسكري العلم وهذه الحساسيات المبكرة عجلت بانفجار الخلافات لاحقا.
وعلى اية حال لم تحل الذكرى الأولى للثورة الا وكان من قاد عملية إسقاط النظام الملكي ومعه جميع من شاركه التنفيذ ذلك اليوم بدون استثناء اما نزيل سجون الثورة او جليس بيته محالا على التقاعد.
لا بد أن من يريد او يتخيل نفوسا خالية من الاحقاد والضغائن وما يميز النفوس البشرية من ردود افعال يتصور هؤلاء من جنس الملائكة وليس البشر خاصة عندما يرون غيرهم يقطفون ثمار جهدهم ومخاطرتهم بانفسهم وأكثر من ذلك ما تعرضوا له من إذلال وتنكيل.
منذ الاحتلال والى هذا اليوم
يصار إلى الاحتفاء بمثل هذا اليوم ولكن بمفارقة صارخة وهي الإشادة بالثورة ولكن بشتم من قام بها ولاينسى المحتفون الذين يدأبون على سرقة جهد وتضحيات غيرهم على ممارسة الطقوس العبادية في شتم العرب وإهانة العروبة وختم الشعائر برمي جمال عبد الناصر لا بالحصى بل بالحجارة الثقيلة وينساق في الحملة من يصنف نفسه مثقفا فيساهم في عملية التجهيل والتضليل فيما يتعلق بحدث تاريخي ينبغي أن ينظر اليه بعد هذا الزمن الطويل بحياد يعطي الناس حقهم بانصاف ويجنب المجتمع عواقب استخدام الحدث في تاجيج الفتن وإشاعة الكراهية خاصة وان المجتمع العراقي ليس بحاجة إلى المزيد مما يمزقه ويزيد من تفريق أبنائها.
وللحديث صلة.
كنت قد كتبت قبل سنوات رأيا في الثورة وملابسات الخلافات التي تلتها لمن يريد الاستزادة
https://m.facebook.com/photo.php?fbid=1623862357894872&id=100008133698983&set=a.1473263359621440&source=43