استذكارا لثورة 14 تموز 1958/ج2

قاسم وعارف
أسبوعين 4 أيام ago

نصير المهدي:عند تناول اختلاف الآراء حول ثورة 14 تموز 1958 المجهضة برأيي منذ يومها الأول على يد الشريكين اللذين اتفقا على قطف ثمارها وتقاسم مكاسبها ونبذ أهم التقاليد التي رسختها حركة الضباط الأحرار وهو احترام التراتب العسكري الذي أتاح لعبد الكريم قاسم أن يكون رئيسا للهيئة العليا للحركة بعد انضمامه اليها مباشرة بعد أربع سنوات من تأسيسها على يد الثنائي رفعت الحاج سري ورجب عبد المجيد وتنحي محيي الدين عبد الحميد عن رئاسة الهيئة لصالح عبد الكريم قاسم مع عزوف ناجي طالب الأقدم بين أعضاء الهيئة عن تولي رئاستها وخرق هذا التقليد من لدن الشريكين ولد حساسيات كثيرة وكبيرة في صفوف الضباط الأحرار بعد الثورة تحولت الى عداوات لاحقة كما أن إنقلاب الشريكين على أهم الاتفاقات التي تم تكريسها في الهيئة وهو تشكيل مجلس قيادة الثورة ليكون السلطة العليا والقيادة الجماعية للثورة سيفتح الباب واسعا أمام الصراع على السلطة الذي لم ينجو منه الشريكان نفساهما وليتحول الى انتقام وثأر وتصفية حسابات دموية الى يومنا هذا .
لقد سمعت من العقيد عبد الوهاب الأمين عضو الهئية العليا للحركة ومدير الحركات العسكرية عند قيام الثورة وهو الذي وقع أمر تحرك القوات التي تقوم بتنفيذ التغيير قوله بأنه عاد عصر ذلك اليوم الى بيته فاستقبله الجيران والمعارف بالترحاب والتهاني فرد عليهم عزوني بدلا من أن تهنوني وقد سألته عن السبب فأجاب لقد كان واضحا أن عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف لم ينقلبا على النظام الملكي فحسب بل علينا نحن الضباط الأحرار .
أقول عند تناول إختلاف الآراء سنجد صورا عديدة لانفصام حقيقي وتضاربات عميقة في التقييم فمثلا يؤيد الإحتلال الأميركي للعراق ويحقر ثورة العشرين ولكنه يشيد بقيادة عبد الكريم قاسم أو يشتم ثورة مايس 1941 ويمجد ثورة تموز 1958 وغيرها من المواقف الكثيرة التي تحددها الانتماءات الحزبية والمذهبية والتعصب السياسي القبلي .
ولست هنا في معرض النقد والمديح أو التبرير ولكن في سياق وصف الحال لحدث تاريخي يحتاج ان تتناوله الناس بهدوء أعصاب بدون تأجيج المشاعر وإثارة الفتن وتوزيع الاتهامات .
وحقا لا أفهم لطرف جلس في أحضان الاحتلال الأميركي وتحول الى مطية لتحقيق برامجه وغاياته التدميرية ثم يدعي احتراما أو تقديسا أو تبنيا لثورة 14 تموز أو لأي من أبطالها الحقيقيين أو المزيفين .
وعلى أية حال فحين يستذكر الحدث تبرز روايتان الأولى تتعلق بالتطور المزعوم العهد الملكي الذي يدعى أن الثورة قطعته والثانية تخص العنف الذي اقترن بالثورة خاصة في يومها الأول ومن شواهده مقتل العائلة المالكة وبعض العرب والأجانب وعددهم بضع نفرات دون الاستهانة بدم الانسان إنما تصور الأمور بأن مجازر كبرى قد ارتكبت يومذاك .
النظر في التطور المزعوم مع أن هذا الجانب يحتاج الى مجلدات في وصفه وتحليله ولكن في عجالة لا بد من التذكير ببعض الحقائق ومن أهمها أن الدولة العراقية الحديثة التي تأسست في 1921 إنما بنيت بما ينسجم ومصالح المحتلين ولا يختلف التأسيس جوهريا عما شهدناه من بناء للعملية السياسية بعد الاحتلال الأميركية وقد كانت تلبية مصالح الاحتلال هي الغرض الأول من إقامة سلطة " عراقية " وقد اقترن انشاء الدولة الجديدة بالموافقة على استمرار الاحتلال البريطاني وسلطته في العراق لذلك كان البناء مشوها ولم يرتق قط الى ما يعنيه قيام الدول في تجارب مماثلة .
نعم تختلف الممارسات والتقاليد بين مرحلة وأخرى في كل الأنظمة بما فيها تلك الأرقى في الممارسات الديمقراطية ولو ضربنا مثلا بالكيان الأردني حيث طبيعة السلطة مشابهة لنظيرتها الملكية في العراق لوجدنا اختلافا كبيرا مرتبطا بالزمن وتطوراته وظروفه لهذا فإن المقايسة بين النظام الجمهوري والآخر الملكي لا تصمد على أسس صحيحة ومن نافل القول بأن مرحلة حكم صدام وآل المجيد استثنائية ليس في العراق وحده بل وحتى في مختلف أنحاء العالم ولذا لا يمكن اتخاذها معيارا أو الحكم بها على أي مرحلة أخرى من تاريخ العراق .
قرابة الأربعين عاما من التوترات السياسية والظلم الاجتماعي والقمع والسجون والاعدامات وتلبية مصالح المحتلين على حساب المصلحة العراقية والتفريط بالثروات لا تعكس واقعا إيجابيا عن تلك المرحلة غداة الثورة ويومذاك تصح المقارنة ولعل مراجعة سنة 1939 وكيف حاول نوري السعيد بكل جهده وطاقته ونفوذه زج العراق في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل وسعيه لإعلان الحرب على ألمانيا ثم إيطاليا وتصرفاته المتطرفة باعتقال المواطنين الألمان والايطاليين واعتبارهم أسرى حرب وتسخير كل شيء في العراق لخدمة المجهود الحربي البريطاني تكفي للحكم على طبيعة السلطة المتسلطة في العراق .
أما العنف الذي وقع يوم الثورة ولا يمكن بحال خلط الأمور بإدراج العنف السياسي الذي مارسته الأحزاب في عامي 1959 و1963 ذلك أن هذا الصنف من العنف هو عنف بيني وقع في معسكر الثورة وفي إطار الصراع على السلطة فقد كان وأعني عنف يوم الثورة عنفا محدودا اختلط في دوافعه خوف الثوار من فشل الثورة ومصير ضباط حركة مايس 1941 بحماس جماهيري منفلت غير منظم يستحضر المعاناة والشقاء الذي عانى منه العراقي في ظل النظام الملكي والسلطة الثنائية المتعسفة لعبد الاله ونوري السعيد اللذين أسرفا في ممارسة العنف ضد المعارضين والمناوئين وساهما معا في منع مسيرة التطور السياسي والاجتماعي في العراق فضلا عن تفانيهما في خدمة النفوذ البريطاني في العراق .
وعلى أية حال فالثورة في العراق حدث تاريخي طوته السنين ويصلح مادة في دراسة التاريخ فضلا عن استخلاص العبر والدروس لمن يريد بناء مستقبل مستقر في العراق عندما تحين الفرصة بعد جلاء الإحتلال الراهن وقيام حكم وطني مستقل وإلا فكل استحضار للثورة بقصد إثارة الضغائن وتأجيج الأحقاد لغايات حزبية أنانية وأكثر من ذلك منافقة تتحدث عن ثورة تموز الوطنية وهي دخلت في صفوف سلطة أقامها الاحتلال الأميركي في العراق وتتباكى على نزاهة الزعيم بينما تلوثت أيديها وجيوبها بالفساد وشاركت في نهب المال العام وبينما تعد إجلاء القوات الأجنبية عن قواعدها في العراق على يد الثورة انجاز وطني كبير وهو كذلك تصاب بالخرس والصمم بوجود قوات الإحتلال وعبثها بمصير العراق وأهله وحقا لا يختلف هذا الاحياء المنافق لثورة تموز عن سلوك تجار الدين الذين يتصارخون بمناقب علي عليه السلام ثم يقدمون نموذجا فريدا في اللصوصية والفساد .
* هذا المنشور كتبته في تموز من العام الماضي كحلقة ثانية لمنشور آخر أرسلته في حينه وقد نسيت ارسال هذا الجزء حتى تذكرته قبل يومين حين قرأت منشورا قيما للأخ العزيز محسن الجيلاوي يطرح نفس الأفكار ويسرني أن أشاطر أخا عزيزا مثل هذه الأفكار التي تعني أن التاريخ علمنا دروسها فحفظناها .
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2486349694979463&