ما قصة العراقَين، عراق العرب وعراق العجم، وما جذورها التاريخية؟

خريطة الكاشغيري
أسبوع واحد 5 أيام ago

علاء اللامي

شاهدت ذات مرة شخصا إيرانيا يتحدث في برنامج حواري في قناة بي بي سي البريطانية، وقد كرر الرجل الأقاويل والمزاعم الفارسية الإيرانية القديمة بتبعية أرض العراق قديما لبلاد فارس، ومما احتج به المتحدث أن العراق قديما كان يسمى "عراق العجم"! هذه المعلومة ليست إلا مصادرة باطلة واجتزاء مغرض وخلط للأوراق التاريخية والأنثروبولوجية والجغرافية. فالرجل لم يقل الحقيقة كاملة والتي هي على النقيض مما قاله تماما، بل وتصلح كمزعم مضاد لمزاعمه، يمكن أن يرد به "العراقويون - ذوو النزعة العراقية المُبالَغ بوطنيتها حتى حدود الشوفينية - عليه، لتأكيد أن غرب إيران من كرمانشاه شمالا وحتى عبادان جنوبا كانت جزءا وطيدا من العراق في تلك العهود، ولستُ من هؤلاء العراقويين، بل ممن يدافعون عن بلادهم التي سُميت في هذه اللغة الاصطلاحية "عراق العرب"، وهي تسمية تحرج أشباه الليبراليين المناهضين لعروبة العراق من دعاة "العراق ثنائي القومية" أو "العراق متعدد القوميات"، وتكشف أوهامهم؛ ولكن الحقيقة ينبغي أن تقارب من جميع الجهات وبجميع تفاصيلها. كيف ذلك؟ نعم، يوجد في السردية العربية الإسلامية مصطلح " العراقان"، ولهذا المصطلح فرعان هما: عراق العرب وعراق العجم. وأقدم وثيقة جغرافية على شكل خريطة بين أيدينا - على حد علمي حتى الآن - هي خريطة بدائية لا دقة فيها، وأقرب الى المخطط الهيكلي الجغرافي ولكنها وثيقة مهمة ومفيدة تاريخيا وإناسيا واصطلاحيا، تدعى خريطة الكاشغيري/الصورة. والكاشغيري محمود عالم ومؤرخ تركي من مدينة كاشغر من أهل القرن الخامس الهجري الموافق للقرن الحادي الميلادي. ويرد في هذه الخريطة إقليم "أرض العراقَين" بين أرض الحجاز غربا وجنوبا، وأرض خراسان غربا وتحادده أيضا "أرض الأكراد" و "أرض الشام" و"أرض اليمن" جنوبا و"أرض فارس" شمالا أي أن أرض فارس ليست هي أرض عراق العجم المحاذية لعراق العرب.
أما في التفاصيل، فنجد في الموسوعات الشهيرة تعريفا واضحا للفرعين وهما: (عراق العرب، ويشمل السهل الممتد مع انخفاض نهري دجلة والفرات، ويقع أغلبه ضمن جمهورية العراق حالياً). وعراق العجم ويقول تعريفه (منطقة جغرافية تشمل الأراضي الواقعة شرق عراق العرب بما في ذلك مدن مثل أصفهان والري وقزوين وكرمنشاه وتعرف هذه المنطقة أيضا باسم إقليم الجبال تتضمن هذه المنطقة المناطق الجبلية الكردية والفارسية والآذرية).
وبهذا المعنى، وردت العبارتان "عراق العرب وعراق العجم" في العهد السلجوقي في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي أيضا، وكان سلطان السلاجقة الأتراك يسمى بسلطان العراقين بعد أن اتخذوا من مدينة همدان عاصمة لهم كما ذكر الأصفهاني في (خريدة القصر وفريدة العصر- قسم العراق ص 459). كما ذُكر "عراق العجم" بهذه الحدود شرق عراق العرب في "مفاتيح العلوم للخوارزمي / ص 70".
وقبل ذلك بأكثر من ثلاثة قرون وتحديدا في عهد الخليفة المأمون، الذي تولى الخلافة سنة 198 هـ = 813 م، ضُرب اسم العراق على النقود العربية العباسية، كما يذكر د. ناهض عبد الرزاق في كتابه (تاريخ المسكوكات / ص 46) الصادر ببغداد سنة 1988م.
إضافة إلى ما تقدم، فهناك تعريف آخر ومختلف لمصطلح "العراقَين" في التراث العربي كما يخبرنا الكاتب سلام طه في مقالة قيمة له - لا يقلل من قيمتها أن كاتبها يضم عين العراق دون أن يعلل أو يوثق هذا الضم بالأسانيد اللازمة - ويقول لنا هذا التعريف: العراقان، مفردة ظهرت في العهد الأموي، وكانت تعني: عراق البصرة وعراق الكوفة. فهما كانتا المدينتين أو الحاضرتين الوحيدتين اللتين مصَّرهما العرب المسلمون في بلاد السواد أي في العراق القديم. ووردت مفردة "العراقان" بهذا المعنى حين توفي المغيرة بن شعبة، والي الكوفة، في السنة 50 للهجرة، فقرر معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية في طورها السفياني، ضمها لحكم يزيد بن أبيه، واليه على البصرة وخراسان وسجستان، كما يذكر الطبري في تاريخه. لهذا كان زياد بن أبيه يلقب حينا بوالي المِصْرين وأحيانا بوالي العراقَين أي الكوفة والبصرة.
أصل تسمية العراق: في هذا السياق، وفي مقالة سلام طه ذاتها، يتأكد لنا بالدليل الآثاري الملموس أصل اسم العراق كما رجحه من قبل عدد من العلماء والباحثين العراقيين ومنهم طه باقر وهادي العلوي، وهو الترجيح الذاهب إلى أن اسم العراق صيغة معربة من اسم "إرك" أو "أوروك" عاصمة الملك السومري جلجامش والتي تسمى اليوم الوركاء. وهذا الدليل الآثاري الأركيولوجي الحاسم يأتينا به الباحث تي. أولمستيد في كتابه "تاريخ آشور/ ص108" حيث يقول كما ينقل لنا سلام طه (إن أول استعمال لكلمة العراق وردت في العصر البابلي الكيشي، وعاصمتهم دوركيلكالزو - عقرقوف قرب بغداد في وثيقة ملكية ترقى إلى حدود القرن الثاني عشر قبل الميلاد، صادرة عن العاهل الآشوري أرتا توكلتي. وجاء فيها اسم إقليم " آراكيا - أراقيا " والذي صار فيما بعد الأصل العربي لبلاد بابل، وأن أوضح استعمال شاع لمصطلح عراق بدأ ما بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين).
هامش: هناك خريطة عُثمانية أخرى، محفوظة في المتحف الوطني الفرنسي، ولا أعرف تاريخها الحقيقي للأسف. وهي خريطة إلحاقية استعمارية تركية تلحق العراق وبلاد الشام بالإقليم العثماني الممتد شمالا حتى البحر الأسود وتطلق على الجزيرة العربية بلاد العرب، أما بلاد العجم وفق هذه الخريطة فتضم إيران وباكستان وافغانستان وكشمير وأرمينيا وجزء من تركمانستان. وهذه الخريطة خارج نطاق اهتمامات هذا المنشور لأنها تأتي ضمن سياق آخر هو سياق تقاسم المشرق بين الدولتين الكبيرتين والمتعاديتين آنذاك الفارسية الصفوية والتركية العثمانية.

خريطة عثمانية