مجتمع الإحباط

أسبوع واحد 5 أيام ago

رعد أطياف

إن كانت البشرية تعاني الآن، بعمومها من جائحة بيولوجية فتكت حتى الآن بآلاف البشر، فالجائحة الاجتماعية والسياسية هي الأشد خطرًا وفتكًا بأضعاف مضاعفة، ذلك أن العلل البيولوجية يمكنها أن تتماثل للشفاء، لكن من يمتلك القدرة السحرية، في مجتمعنا العربي، أن يبتدع عقارًا شافيًا لجائحة الإحباط؟! إنه الفيروس الذي وجد حاضنته هنا في مشرقنا العربي، ولا نعلم كم ستطول؛ فهو يشتد ويغدو أكثر افتراسًا كلما طال به المقام في الجسد العربي المنهك. إذ لا مناضلين اجتماعيين ولا سياسيين يتمتعون بالرحمة والشفقة على شعوبهم. الأمر الوحيد الذي برعت به النخب السياسية هو كيفية تضخيم حالة الإحباط عبر الحرب المستميتة على رغبات الناس المشروعة، وتهجير أكبر عدد ممكن منهم في العراء، أو على أقل تقدير، غض النظر عن الهجرات الجماعية.

 

 الفرد العربي يعاني أقسى حالات الاغتراب؛ لا عقد اجتماعي واضح المعالم، لا نظام سياسي واقتصادي يوفر له أدنى درجات الاستقرار والرفاه

يمكن لحاكم عربي أن ينزل أقصى درجات التنكيل بشعبه، ويحيل البلد إلى أطلال، ويبقى مكافحًا لنهاية المطاف في التشجيع على سياسة الإحباط. ولا يهمه لو احترف معظم الشعب مهنة التسول. بل لا يهمه لو تحول هذا الشعب إلى طابور خامس، فالعلاج السحري جاهز ومعروف: تهمة الخيانة، والإعدام، فيغدو المواطن شيطانًا رجيمًا، والسجون وسياسات التنكيل شاهدة على ذلك. ثمة عبارات جاهزة أدمنها المُحبَطون وأدمنتها السلطات القمعية، وهي "عدو الثورة"، و"لا صوت يعلو على صوت المعركة". ثم يتجشأ السياسي آخر الليل بأدبيات الممانعة وذم الامبريالية. ولا يدري هذا الطاغية، أن جيش الامبريالية لا يأتيه من خارج الحدود، بل هو جيش جرّار من المُحبًطين؛ يكفي أن تمنح أحدهم العيش الكريم حتى يغدو لك عبدًا مملوكًا. لكن هذه البديهة يتجالها الطغاة. ولذلك لا نستغرب من بعض الفئات تقديسها للسفارات أكثر من تقديس الأوطان، فأظن الجواب بات معروفًا الآن، وهو ليس لغزًا غامضًا على أي حال.

إن السمة المشتركة التي يتميز بها مشرقنا العربي هي، بلا شك، سمة الإحباط. يمكنك أن تعثر على نماذج عديدة من الجماعات المُحبَطة؛ ذلك إن "المواطن" العربي، ومنذ زمن طويل، وهب حياته للمجهول، وأصبح مادة خصبة للأفكار الطوباوية؛ فكلما تشتد نيران القهر والإذلال يجنح الإنسان نحو الطوباوية لتعويض كل أشكال الاستلاب التي يعانيها. الفرد العربي، ببساطة شديدة، يعاني أقسى حالات الاغتراب؛ لا عقد اجتماعي واضح المعالم، لا نظام سياسي واقتصادي يوفر له أدنى درجات الاستقرار والرفاه، يأكل من مطبخ الأيديولوجيات التبريرية، ينام ويصحو على زعيق الشعارات الرنانة. كل شيء يتخذ صفة الإكراه في حياته اليومية. باختصار شديد: غياب هوية واضحة المعالم، وحضور حالة الإحباط المتواصل.

لا تحتاج إلى جهد استثنائي لبث روح الانكسار، فأنت لمجرد أن تحيل بين الناس ورغباتهم، فستحيلهم حتمًا، إلى كائنات مُحبَطة يائسة وسلبية. ولا أعني هنا الرغبات الجامحة، ولا أعني بها مدلولاتها السلبية، التي تنتهي، ربما، بأقصى درجات الجشع. فنحن في نهاية المطاف نتكلم هنا عن الرغبات العامة التي توفرها العدالة الاجتماعية، والمجتمع المواطني، والعيش المشترك. بمعنى آخر، لا نتكلم عن فلسفة زهدية، أو جنوح صوفي بمعناه "الاهتيامي"، وإنما نتكلم بمنطق "السهر على راحة الخلق"  الذي تحدث به أسلافنا، هذا المنطق الذي يتخذه المناضل الاجتماعي شعارًا له للوقوف بوجه سياسات القمع، واستبدالها بسياسات الإحسان، وهي تقديم كل ما هو خير، مدفوعًا بالإرادة الخيرة التي يحركها الواجب الأخلاقي، بلا قيد أو شرط. على أنه ينبغي الاعتراف، أن هذا النمط شحيح للغاية، فحتى الحركات الاجتماعية لم تنضج حتى الآن لتفرز مثل هؤلاء القادة الاجتماعيين في الفضاء العام. فيبقى الثقل على عاتق المناضلين السياسيين، ودورهم الريادي في تحقيق سياسات نافعة تقف بالضد من سياسات الإحباط المتواصلة في مناخنا السياسي. هل يمكن لبعض الكتل البرلمانية أن تأخذ هذه الأطروحة على محمل الجد، ويسعون لتحقيق رغبات المواطن المشروعة؟ أشك بذلك! والبرلماني العراقي شاهد على كل حرفٍ في هذه المقالة، فهو صريح جدًا لدرجة أنه يستثني نفسه من كل هذا الخراب!

نحن أمام علاقة طردية؛ كلما غابت السياسات النافعة التي تسهر على خدمة المواطن، حلت محلها سموم الإحباط واليأس والعدمية. فالموضوع هنا خارج ثنائية التفاؤل والتشاؤم، بقدر ما هو نظرة للواقع كما هو، فآخر ما نفكر فيه هو مضاعفة الأفكار الطوباوية والغرق في وحل الأحلام الكاذبة. وإنما نحاول كشف الواقع وملابساته المعقدة، لنفهم لماذا تتمسك الكثير من الفئات الاجتماعية بمنطق الكفران المبين لكل ما يمت للثقافة العربية بصلة؟ ليس هذا فحسب، بل نستغرب من السلوكيات الشائنة التي تبديها بعض الفئات تجاه بلدانها، فهم ينطبق عليهم قول الشاعر"أرماه في اليمّ مكتوفًا فقال له، إيّاك إيّاك أن تبتلّ في الماءِ". فماذا ننتظر من المُحبَطين غير الكفران المبين، وماذا تنتظر من الغريق غير التمسّك بقشّة.

إن المنطق المشترك الذي يوحّد بعض الفئات الاجتماعية، هو العداء والكراهية الشديدة لبلدانهم، ولا توجد لديهم مشكلة في الانخراط في أعمال مخجلة والانتماء إلى أفكار ومؤسسات تجري بالضد من سياسات بلدانهم، وفي أحسن أحوالهم يتجهون صوب البلدان المستقرّة للحفاظ على ما تبقّى من كرامتهم البشرية، ولمجرد أن تمنحهم البلدان ذات الصلة، تتضح ردود أفعالهم السلبية بوضوح أكثر. ماذا نسمي الهجرة الواسعة التي غامر بها شباب العراق نحو البلدان الأوروبية؟ إنها هجرة الجماعات المُحبَطة، الجماعات المغتربة في أوطانها، وهم الآن، بمختلف ظروف حياتهم، يشعرون بالانتماء والطمأنينة لمن وفر لهم المأوى والكرامة والعدالة والحرية. بالطبع هم ليسوا معنيين للنظر بحقاق الأمور، أعني الدور الذي لعبته القوى الكبرى بمقدرات بلداننا وأحالتها إلى جحيم لا يطاق. فهي، بمنطقهم، تبرير آخر للفشل، ودفاع مبطّن عن أنظمة الاستبداد. فضلًا عن أن هذه الفئات ليست جموعًا من المفكرين، بل قد يمثلون الفئات الأضعف في المجتمع.

ما الإحباط؟ لقد جاء في المعجم الفلسفي للدكتور إبراهيم مدكور ما يلي: الإحباط، هو "الحيلولة دون المرء وتحقيق رغباته، سواء كانت هذه الرغبة لها ما يبررها أم لا، ويصاحب ذلك ضرب من الحسرة وخيبة الأمل". ولك أن تتأمل معي في هذه اللحظة: ما هو مصير المجتمع الذي يعاني باستمرار من خيبة الأمل والحسرة؟ لا أظنه سيكون مجتمعًا مسالمًا ومتصالحًا مع نظامه السياسي فضلًا عن نفسه. إنه مجتمع يطور على الدوام آليات العنف والقسوة كتعويض عن هذه السموم النفسية التي تنخر كيانه. ماذا يعني أن لا يؤمّن الفرد على حياته وحياة عائلته ولا يتذوق طعم العدالة والحرية والعيش المشترك؟ إنه حتمًا مجتمع مأزوم يسعى جاهدًا لفك الارتباط لكل صفة انتماء وطني، ويعلن حربه الشعواء لكل صيغة تعاقدية تمعن بإذلاله وكسر شوكته. المحبطون سلبيون وعدائيون ولا تعني لهم الجغرافية شيئًا يُذكر إلّا بمقدار ما تقدمه لهم من صنوف العيش الكريم، فبهذا المنطق يغدو الوطن عدمًا مطلقًا، ويسعى المٌحبَطون لتأسيس عدمهم الخاص!

 

كلما غابت السياسات النافعة التي تسهر على خدمة المواطن، حلت محلها سموم الإحباط واليأس والعدمية

 لذلك ذكرنا، أن نظرتنا للواقع عابرة لثنائية التفاؤل والتشاؤم، فإذا التزمنا بهذا المنطق، فسنبتعد عن فهم الأمراض المزمنة التي يكابدها مجتمعنا. لكن الميل إلى أحد الأطراف (تفاؤل أو تشاؤم) دون سواها، فهو ترجيح يبتعد عن الموضوعية. كل ما في الأمر أن نضع أصبعنا على الجرح، عسى أن يظهر لنا مناضلون اجتماعيون وسياسيون يكتشفون عقارًا شافيًا لهذا الوباء المتفشي بين أوساط المجتمع. إن فهم الواقع كما هو يعني ما يعنيه ألفات النظر لذوي البصائر النابهة، الذين يحللون الواقع طبقًا لمعطيات موضوعية لا أن يسقطوا في فخ الذاتية ويعلنون العداء لشعوبهم دون معرفة الأسباب. فحينما تقرر، مثلًا، أن هذا الشعب يتسم بالعدائية والعنف، فأنت مطالب بفهم المقدمات، وإلّا سوف تندرج في خانة المُحبَطين، وهؤلاء يمثلون الفئات الأضعف في المجتمع، بينما الباحثون عن الحقيقة، الباحثون عن الخير لأوطانهم، يبتدعون الحلول حتى وإن طال بهم المطاف.

ألترا عراق