كائنان: ماقبل ومابعد وعي الازدواج؟

أسبوع واحد 3 أيام ago

عبدالاميرالركابي
يمر الكائن البشري خلال الطور المجتمعي من "انسايوانيه" بمرحلتين، الأولى هي مرحلة ماقبل وعي الازدواج، والثانية تبدا مع اماطة اللثام عن الحقيقة الازدواجية الخافيه، المتعذرة على الإحاطة العقلية، والانسايوان هو الكائن الذي يصبح موجودا مع انبثاق العقل في الجسد الحيواني، حين يبدا زمن المرور من الحالة الازدواجية الانسانو /حيوانيه "الانسايوانية"، الى الكائن العقلي "الانسان"، وهو طور على قصره، بالغ الأهمية والنوعية التحولية، وهو أيضا طور نشوئي خارج عن قدرة وطاقه العقل الاحادوي على استكناهه، وإذ يتم اكتشاف عملية التصيّر والنشوء الارتقائي للكائن الحي، فان اطوار، وأنواع النشوء المحكوم بها الكائن المذكور، لاتتجلى امام العقل الأحادي حتى في حالات عبقريته، وبلوغه الحد الأقصى من الممكنات الاحادوية على مستوى الادراك، كما الحال مع دارون ونظريته التي تتوقف عند العضو البشري، معتبرة إياه غاية ومنتهى الكمال، ومما لايمكن تخيل مابعده من شكل تطور، او صيرورة، الا اللهم مايتعلق باثر ومترتبات الاستعمال، وهو ماينطبق مستقبلياعلى اليدين وضمورهما المتوفع بسبب قلة استعمالهما، وتضحم موضع العقل، الجمجمه بسبب تزايد استعمالاته .
والعمليه المجتمعية مصممة بصفتها حالة تصيّر وارتقاء، من الازدواج بلا وعي او ادراك، الى كشف النقاب، وازاحة الستر عن الحقيقة الأساسية المطوية بين تضاعيف الظاهرة المجتمعية، حين يبدا وقتها ومن حينه، زمن آخر، وشكل تصيّر مختلف، مجاله وميدانه العقل والكون الأعلى، واشتراطاته الأولى، اشتراطات ومحركات التحول الانعتاقي من وطاة الحياة الأرضية، والجسدية، ومنها وبمقدمها "الموتية الجسدية" ووطاة "الحامل الأرضي الجسدي للعقل" وبديله الواجب تسقطه والبحث عنه.
هذه الحقيقة على خطورتها الاستثنائية، تظل غائبة تحت وطاة قصور العقل، ونوع التشكلات المجتمعية التي هي الغالب "أحادية" وارضوية، مقارنة بموضع اللاارضوية والازدواج الوحيد على مستوى الكوكب، فالظاهرة المجتمعية تصل نقطة بدئها، وتصير "مرحلة"، مع دخول ارض مابين النهرين واشتراطاتها البيئية، عالم الانتقالية من اللقاط والصيد الى ماهو معروف بالمجتمعية، ومع اشتراطات العيش على حافة الفناء التي تحكم نظام العيش والحياة جنوب ارض مابين النهرين، تدخل الظاهرة المجتمعية التي تظل قبلها في حالة انتقال، لحظة التبلور والنضج، وتصير قابلة للتاريخ والاندراج تحت طائلة البداية والانتهاء، البداية السومرية اللااارضوية "السماوية" ومجتمعها، المجتمع الذي لاينتج دولا منفصلة ولاتمايزات من داخله، وصولا بعد عشرات القرون الى، شمول الحالة الأولى اللااارضوية المعمورة، وتوقف واستنفاد المجتمعية الأحادية مبررات وطاقة الاستمرار، مع شمول قانون العيش على حافة الفناء الكوكب الأرضي برمته، وتحول الحياة البشرية عموما واجمالا الى الاشتراطات النافية للارضوية وللاحادية.
حتى حينه يظل الكائن البشري ينظر الى الحياة والمجتمعية والوجود البشري احاديا وتابيديا، فلا تتبدى له حقيقة البنية المجتمعة، او البشرية وموافقاتها المفترضة. وكل مايمكن ان يخطر له وهو يبحت في الأصول والخلفيات"الحضارية" المتصلة بالتجمع البشري، والإنتاجية والعلاقات البشرية الناشئة عن الاجتماع، وحركة الأفكار والقيم، من دون ملاحظة الحقيقة " الازدواجية "، و "اللاارضوية" الاساس. وقد تعد ارض الرافدين او يحصل الاتفاق بين الدارسين على كونها "مهد الحضارة البشرية"، بمعنى المنجز والبداية، أي السبق، مايجعل مسالة المجتمعية محكومة لمقاييس في التقييم من نوع بعينه، فلا تعتمد للتعذر قاعدة النوع الغائي، او تعتبر مجالا للبحث الحاسم، وإذ ينظر على سبيل المثال للظاهرة السماوية، فان العقل الأحادي ينطلق وقتها من كونه وكون الأحادية الارضوية هي القاعدة المتفقة مع الظاهرة المجتمعية والبشرية.
ومايكون ناقصا هنا وهو من نوع النكوص المريع، رفض او تعذر تبني منطلق وقاعدة الازدواج المجتمعي الفردي البشري، فالكائن ( نحن نتحدث هنا عن حدود مايسمى المعارف والعلوم السائدة الى اليوم على مستوى المعمورة، وما امكن التوصل اليه احاديا ) البشري يحسب المنظور الأحادي هو "وحدة" من عقل وجسد لافاصل بينهما، والمجتمعات واحدة هي الأخرى، من دون أي احتمال آخر، يلحق بهذا منظور ابتدائي يجد الظاهرة المجتمعية خارج قانون التحول والزوال، ولايرى احتمال ان تكون المجتمعات محكوم عليها، مثلها مثل اية ظاهرة في الكون، بانتهاء الصلاحية، بعد انتفاء الغرض والغاية منها ومن وجودها على الصيغة او الشاكلة التي وجدت عليها. الامر الذي كان سيدخل العقل البشري مداخل مختلفة كليا وتماما عن تلك المعتمدة اليوم، والمستمرة تجتر ذاتها وتدور حول نفسها.
ونحن نتحدث هنا عن علوم "الانسايوان"، لا "الانسان" كما يتم الادعاء حتى الان اعتباطا وتجنيا على الحقيقة الوجودية والكونيه، فالانسان يعي في العمق بانه لحظة غير قائمة لا متحققه، وان تحققه وظهورة متوقف على تخلصه من وطاة الاشتراط الحالي المفروض واللازم كمعبر مابين الحيوان وبين الكائن الأعلى، حيث العقل متخلص من وطاة الجسدية الحيوانيه العالقة به ماتزال، الامر الذي لن يكون ولن يصبح حالة انشغال غير قابلة للتحاشي، او معالجتها بالقصور الانسايواني، وقت تصير الاشتراطات الحياتيه لاارضوية، ويصير العيش على حافة الفناء، ومايؤدي اليه من استنفار عقلي ريئسي هو المعاش اليومي بدل المعاش الراهن الجسدوي، المرتكز الى تامين الحاجات الجسدية الحيوية/ الحيوانيه، بالدرجة الأولى، الامرالذي يبطيء ويؤخر من حضور العقل، و وتجلي ممكناته العليا.
لم توجد المجتمعية الرافدينية بصفتها " بداية" وفصل اول، بل ابتدات كصيغة لاارضوية، العقل عندها وابانها ذاهب الى ماهو فوق ارضي، وصولا الى الاضطرار البديهي الى شطر الوجود البشري الى "سماوي" و"ارضي"، توراتي ونبوي ابراهيمي، مقابل الفرعوني، يراه الاحاديون "دينا" بلا حقيقة مجتمعيه أخرى مقابله، لخروج طبيعتة واصله عن نطاق ادراك العقل الأحادي، عدا عن رغبته في تامين وحدانتيه الأحادية ونموذجه، هنا وهذا الأهم، تكمن ليس مجرد حالة الافتراق، بين نوعي مجتمعيات، وتلازمهما تعبيرا وحضورا، مع غلبة للنوع الأحادي منهما بحكم مستوى الادراك والاحاطة العقلية المتاحة، فما يتمثل هنا كاهم الموجود، الحقيقة المتصلة بالوجود والصيرورة، ومآلاتهما، هو حالة التصير واتجاهها كقانون ناظم للمجتمعات والظاهرة المجتمعية، بما يحتم البدء بالمجتمعية السماوية اللاارضوية، وينتهي بها معممة على المعمورة بكل توزعات مجتمعاتها.
المجتمعية اللاارضوية هي المجتمعية الغاية من وجود الظاهرة المجتمعية، صممت المجتمعات كونيا، ومن لدن الغائية الكونية العليا. والكائن الحي العقل، هو الكائن المستهدف والمطلوب ان يوجد بعد الكائن الحيواني، ومن ثم "الانسايواني"، والمسافة بين البدء وبدء التحقق النهائي، تستغرق دورتين تاريخيتين، وانقطاعين تمر بهما ارض مابين النهرين، يصل العالم المجتمعي الأوربي ابانها وأخيرا، الى اعلى مايمكن من تجليات المجتمعية الأحادية الأعلى دينامية ضمن صنغه ونمطه، والارقى بنية انشطارية"طبقية"، فتصل هذه عند مشارف وقبل بدء عملة الانتقال الكبرى الى اللامجتمعية، اعلى درجات تجليها فكرا ونموذجا، ورؤية، مع انها تظل مع ماتنطوي عليه من رفعة ضمن نمطها، أحادية ومادون تحولية، بينما يشرع العالم والوجود المجتمعي البشري على مستوى المعمورة بالانقال الى "اخر الزمان الأحادي"، ويصير الزمن الأخير، الزمن التحولي، واشتراطات العيش على حافة الفناء، هي الغالبة، يرافقها ماكان قد تحقق خلال مسيرة المجتمعات المستمرة الى اليوم من ممكنات انتقال مادي وتكنولوجي، ظلت عملية "التحول" تفتقر له في المراحل الماضية من تاريخ تصيرها برغم آهليتها البنيوية.
لم نعد اليوم ومن هنا فصاعدا، أبناء المجتمعات الأحادية، والحياة سائره مجتمعيا وتصيرا باتجاه الغاية منها، فالغاية صارت على الأبواب، ونحن نضع الاقدام من هنا فصاعدا فوق عتبه التحول الكبرى، بالضبط كما كان قد حدث يوم ابتدات الخطوات الأولى من تاريخ المجتمعية الحالية في ارض سومر.
ماعاد عالم اليوم عالم ماقد عاشه الانسايوان على مدى العشرة الاف عام المنصرمه، فما مر تحقق المطلوب منه، وقد شارف اليوم على النهاية والزوال، والأرض الأولى التي نطقت بالسر بحسب الممكن وقتها بالابراهيميه النبوية الحدسيه/ غدت اليوم امام البوابة الكبرى، وقد صارت عند زمن الأسباب، والابراهيمة الثانية العلية. وتحول الكائن الحي، والتهيؤ لمقاربة الاكوان العليا عقلا، خارج الجسدية المنتهية الصلاحية، هي والمجتمعية.