(الوطن/ كونية) العراقورافدينية الثانية/1؟

أسبوع واحد يوم واحد ago

عبدالاميرالركابي
فبرك المستعمرون الإنكليز "الدولة العراقية" على عجل، وضمن اشتراطات اقتضتها ضرورات تامين نفوذهم المهدد، والذي تبين انه يقارب الاستحالة مع قيام ثورة 1920، وكان هؤلاء قد اعتمدوا الى حد، ماهو بعرفهم شكل الدول كما ينبغي ان تقام في اللحظة التي وجدوا انفسهم معنيين بالتعامل مع واقع العراق ابانها، وهي لحظة لم تعالج الى الان من ناحية مدى ماكان بمقدور المحتلين اثباته من مصداقية "حداثية"، سواء جرى ذلك قناعة وكينونة منهم، او بحكم ماقد اضطروا للتعامل معه والرضوخ لاشتراطاته وقتها، وهذه الناحية على أهميتها الاستثنائية، لم تكن هي الجانب الوحيد المتروك من عناصر تلك اللحظة من تاريخ هذه البلاد، وهو ليس النقص الفادح الوحيد الذي عاش العراق تاريخه خلال القرن المنصرم والى اليوم، من دون ان يتعرض له، ومن ثم ان يعيه.
فالعراق لم يعرف حتى اللحظة الراهنه، مايمكن تسميته "المنظور الوطني"، ولادخل في احتسابات او رؤية اجياله التي عاشت من وقته الى اليوم، أي مفهوم دال على الذاتيه الوطنية، وفي الأحوال التي برزت فيها مثل هذه الظواهر، او اشكال منها، وتلك التي قد تعتبر معبره عنها، حدث الشيء ذاته الذي وقع فيه الاحتلال، من ناحية التجاوز على الذاتيه الوطنية، واحتمالات الخاصيات البنيوية، ودرجة ونوع التشكل الوطني الحديث في حال وجوده قبل وصول الاستعمار، ومنذ عام 1922 كان قد قام حزب باسم "الحزب الوطني العراقي" بزعامة "جعفر أبو التمن"، الذي سيذكر في الادبيات التي تتناول تاريخ تلك الحقبة على انه "أبو الحركة الوطنية"، او "الذي استولد من معطفه الوطنية العراقية"، والحديث جار عن رجل يعمل تاجرا، كان مشاركا في ثورة العشرين بصفة غير قتالية، من الواضح ان اقدامه على محاولة تجسيد الوطنية العراقية كان اجراء آنيا، مبعثه الاستجابه لشروط نشأت في حينه، وتمثلت وقتها في قيام الدولة والكيان"الحديثان".
وفي حين لم يكن الإنكليز، او يمكن اعتبارهم غير معنيين بالبحث عن واقع العراق وتاريخه وماينطوي عليه من معطيات قد تستوجب الاحتساب في الراهن، لم يفعل أبو التمن ولا من عملوا معه في حزبه، أي شي يمكن ذكره على هذا الصعيد، وظل هؤلاء يمارسون عملهم السياسي بين الناس من منطلق التفاعل العملي مع القائم والمباشر، رفضا او قبولا او تبنيا، في حين لم تطرح على الاطلاق، ولافي أي مجال، فكرة "العراق الحديث" بصفتها قضية أساسية، ومبحثا حاسما يمكن ان يكون خارجا عما ذهب المستعمرون لتقريره، واقدموا على تنفيذه واقعا.
هذا الوضع سوف تتمخض عنه حالة فريدة، مليئة بعناصر التناقض، وغلبة البدائية والنقص الفادح في النظر الى الذات عند منعطف تاريخي، من طبيعته المفترضة وميزاته الأساسية، انه محفز على تجديد الذات بما يتلائم مع المستجد تاريخيا، وعلى مستوى المعمورةـ الامر الذي يتطلب بالاصل تعرفا عليها، هذا في وقت تكرست هنا وفي حالتنا التي نحن بصددها، نزعة الإلغاء والتجاوز على كل مايمت بصلة الى الكينونه والبنيه، الامر الذي سيصل حدودا غاية في الخروج على ابسط مقتضيات المنطق، وهو ماسيعرف منذ الثلاثينات مع ظهور الأحزاب الايديلوجية، وحضورها السريع، الماركسية منها، والليبرالية، ومن ثم القومية، فالتيارات المذكورة تاسست على فرضيات جاهزه جازمه، منقولة ومستعاره، تخص أماكن أخرى من العالم، واقحمت على انها هي العراق، مستبدلة إياه بغيره افتراضا، وبقناعة ملفته ليس من بين مايمكن ان توصف به، لا الوطنيه ولا حتى الحد الأدنى من الذكاء وحاسة الانتماء للمكان.
فجاة يصير العراق هو اوربا الثورة الصناعية والمصنعية وصراع الطبقات، بلا أي سؤال عنه، من هو؟ ماذا كان؟ مالذي عرف عنه بحسب تاريخه؟، والحال هنا ينطبق على الحزب الشيوعي، كما على الحزب اللييرالي الشعبوي، وما عرفناه من مبررات ومقدمات اقامتهما ككيانات سياسية، عدا تيار القوميه العربية المحكوم لاشتراطات أخرى، تتعدى نطاق العراق بذاته الى المنطقة التي هو منها، ويتاثر متفاعلا مع حاضرها.
ذلك لايعني ان الأحزاب الحديدة، والقوى المذكورة لم تكن حاضرة وحية، او انها لم يكن لها نصيب من تاثير وفعل يصل أحيانا مستويات غير عادية، مقارنه بغيرها من المستويات المشابهه في بلدان قريبه، اوبعيده، ومع ان هذه القوى تستعمل هذه الناحية للتدليل على اصالتها، وضرورتها الواقعية، وانها ماتزال تعتاش عليها، الا ان ماتفعله على هذا الصعيد يزيد بالأحرى من فداحة عقم منظورها، مدللا على استمراره وتراكم مفعوله، برغم التقادم ومااورثته التجارب القاسية من نتائج، لاتؤيد باي شكل الاستمرار على التمسك به، مايزيد ويضاعف درجة التدني في مستوى التفاعل مع الحقيقة التاريخيه والوطنية، التي هي من دون شك، اهم واكثر ارتباطا بالمستقبل، وبمصير هذا الموضع من الشرق المتوسطي والعالم، ودوره.
من بين مايميل هؤلاء للجوء اليه ضمنا أحيانا، وفي الممارسة واقعيا، ذهابهم الى نبذ لابل احتقار نزعة، او أي شبهة ميل ل "الخصوصية"، وبمعنى ما "الذاتيه"، مع ان هذه الناحية تظل دالة بوضوح على نوع من الدونية، ومن الموقف الالغائي في بعض الأحيان للذات الناجم عن العجز والانبهار بالاخر، ولانقول احتقارها، حيث ما لايمكن الغاءه، او على الأقل التعامل معه بما يستحق، خصوصا وانه يتعلق بواقع معترف له بانه "مهد الحضارة البشرية"، وانه الأرض التي عرفت اول امبراطورية في التاريخ، لامبراطور كان تسنى له ان "يحكم العالم"، او "زوايا الدنيا الأربع" بحسب تعبيره في حينه( سرجون الاكدي 2334/2297 قبل الميلاد )، كما ان المكان المقصود هو ارض "بابل"، الجد الاعلى لروما(1)، وليس هذا فقط، فالعراق وبغداد العاصمة الإمبراطورية المنهارة، التي جعلها الإنكليز عاصمة ل " الدولة الملكية الحديثة"، هي عاصمة الإمبراطورية العظمى، الحاكمة من الصين والهند الى اسبانيا لقرابه خمسه قرون، مع كل منجزها على الصعد المختلفة، واسهامها كحصيلة في اذكاء أسباب النهضة الاوربيه الحديثة، الامر الذي يستحق على الاقل رفع علامة تنبيه، ناهيك عن الإشارة او "البيرق" الدال بوجه المستعمر.
اهم ماكان من نتحدث عنهم، يخطر على بالهم، هو "تخلف بلادهم"، ونغمة " الخروج من الفترة المظلمه العثمانية بوسائل اوربيه"، الامر الدال على درجة وقدر من التناقض الفاضح المعجون بالجهل و الاستسلام والتماهي المبطن مع الغرب، باسم مقاومته، المعادلة هي "العثمانيون ظلام" و " الغرب" يقظة وتنوير ونهوض، علما بان العثمانيين ليس لهم علاقة بالظلام المخيم على المنطقه قبل نهضة الغرب الحديث، وانهم ليسوا هولاكو، وقرونهم المظلمه الأربعة الاخيره، سبقتها قرون من الظلمه والتردي، بعدالنهوض الذي اعقب الثورة الجزيرية في القرن السابع، وعودة الاليات الامبراطورية الرافدينيه للعمل بعد تحريرها على يد العرب من وطاة الاحتلال الفارسي.
هل يمكن او يجوز بعد هذا، الافتراض ولو على مستوى الخيال، ان يقدم الجمع الذي تصدى في الثلاثينات من القرن الماضي في العراق، لمهمة تأسيس "الوطنية الحزبيه الايديلوجية"، على احتمال التفكير ولو من بعيد، باحتمالية فاعلة، هي بداهة متجاوزة له، تتعداه، مع واقعه الظاهرالذي وجد فيه يومها، من قبيل مثلا تلمس احتمالية عمل اليات "وطنية"غير منظورة، او منظور لها بعين تعجز عن رؤيتها، او تعيين مضانها، واشكال تجليها، بمعنى وجود "وطنية من دون رؤية وطنية"، او وجودها ضمنيا وفعلا، مع غلبة وسيادة نوع من "الوطنية المفبركة الغالبه عليها"، مايتطلب بالطبع غلبة اشتراطات كانت وقتها داهمه ومهيمنه على مستوى الكوكب.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "لهذا قدر الله الملك في هذه المواضع وهذه الأمم في الدنيا ارباعا: البابلي في الشرق، والقرطاجي في القبله. والمجدوني في الجوف ( الشمال)، والروماني في الغرب، وكان بين السلطان الأول بابيل، والسلطان الاخر وهو سلطان رومه، فشبه السلطان الأول ـ وهو السرياني ـ بالوالد الموروث وشبه السلطان الاخرـ وهو الروماني ـ بالولد الوارث، واما الافريقي والمجدوني فانهما شبها بالوكيلين على الملك حتى كبر الولد الواجب له الميراث، وسافسر ذلك ان شاء الله"/تاريخ العالم/ اوروسيوس/ ترجمه قديمه حققها وقدم لها الدكتور عبدالرحمن بدوي/ ص 167 .