‫لماذا يتوجه الناس الى الساحات و الشوارع؟‬

مشهد من الانتفاضة العراقية
4 أشهر ago

د.زياد العاني

جاء في مقدمة تقرير التنمية البشرية العالمية لعام 2019 الذي نشر مؤخرا من قبل البرنامج الانمائي لمنظمة الامم المتحدة (‪UNDP‬) تحت عنوان " أوجه عدم المساواة في القرن الحادي والعشرين" بأن موجات التظاهرات التي تجتاح بلدانا عديدة و لنفس الاسباب تقريبا تعطي إشارة واضحة إلى أن مجتمعنا المعولم ليس على ما يرام، رغم كل ما أحرز من تقدم.
يتجه الناس إلى الشارع لأسباب مﺨتلفة تتراوح بين ثمن تذكرة القطار أو أسعار البنزين إلى المطالبات السياسية بالاستقلال. أما المحرك المشترك لجميع هذه المطالب،‪ ‬فهو الشعور العميق المتفاقم بالإحباط إزاءعدم المساواة".

منذ 40 عاما طرح عالم الاجتماع والمفكر الاقتصادي أمارتيا سين (أستاذ في جامعة هارفارد و هو هندي بريطاني حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998ومؤسس مبدأ التنمية البشرية) طرح سؤالا يبدو في غايةً البساطة : المساواة في ماذا؟ فأجاب ببساطة مماثلة:
المساواة في الأمور التي تهمنا كي نبني المستقبل الذي نتوق إليه. كلمات البروفيسور أمارتيا سين تساعد على النظر الى أبعد من التنمية والأسواق و المطالب السياسية حيث طرح فيها بعدا اجتماعيا.

فالعالم المتغير حسب رؤية هذا الاقتصادي الشهير يتطلب النظر في ما سيصوغ عدم المساواة في المستقبل. و الأشكال القائمة والجديدة لعدم المساواة تتفاعل مع أشكال من القوى الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لتحديد معالم حياة شباب اليوم وحياة أبنائهم في المستقبل.
ففي حين يلجأ الناس إلى الاحتجاج على أمل تحقيق المساواة ، يبقى النفوذ هو صاحب الكلمة الفصل: نفوذ القلة، وعجز الكثرة، والنفوذ الجماعي الذي يمكّن الناس من المطالبة بالتغيير‪.‬

يبين تقرير التنمية البشرية، بأن الفشل في التصدي لهذه التحديات سيؤدي إلى ترسيخ عدم المساواة وتوطيد نفوذ القلة و هيمنتها السياسية.

لا أدري لماذا لم ينظر البعض (داخليا و اقليميا) الى تظاهرات و انتفاضة العراقيين (انتفاضة تشرين بالتحديد) من منطلق مبدأ عدم المساواة القائم و نفوذ القلة المهيمنة كمحرك اجتماعي طبيعي لهذه الاحتجاجات في حين غلب الطابع السياسي على تلك النظرة بسبب خوف القلة من التغيير فاستخدمت هذه القلة جميع امكانياتها السياسية و الاعلامية و الامنية لتشويه سمعة المتظاهرين تمهيدا لقمعهم فظهرت في وسائل الاعلام ومنشورات التواصل الاجتماعي مصطلحات المتآمرين و الجواكر و عملاء السفارة و الطرف الثالث و المندسين الخ فطغت و تغلبت على شعارات و مطالب الانتفاضة الاصلية بل أنها ساهمت في شق صفوف المنتفضين حيث اصطف البعض منهم مع السلطة أحيانا أو مع الفصائل و الاحزاب السياسية المتنفذة، متأثرين بتلك الحملة الاعلامية الشرسة، بحجة انحراف و اختراق الانتفاضة مما أستوجب اعادة تقييمها حسب وجهة نظر هذا البعض.

خلال المظاهرات الاخيرة أستبدل مصطلح المتآمرين بالمتظاهرين و قوات مكافحة الشغب بقوات الكاظمي و القوات الامنية بعصابات الكاظمي أو ابن مشتت و أختفت مصطلحات الطرف الثالث و الجواكر و المندسين لان من كانوا يطلقون تلك المصطلحات ركبوا موجة التظاهرات ورفعوا شعاراتها و شعارات الدعوة الى المساواة و تحولوا (ظاهريا) الى مدافعين عن أعداء النظام المطالبين بالمساواة الذي وضعوا ركائزه بانفسهم. ولو سقط الكاظمي فأن تلك المصطلحات ستعاود ظهورها من جديد و ما يحصل الآن من خصومة ليس سوى صراع بين أطراف هذه القلة المهيمنة.
رابط الى تقرير التنمية اليشرية لليونيديب ‪http://hdr.undp.org/sites/default/files/hdr_2019_arabic.pdf