مستشفيات وخانات بغداد قبل ألف عام:حين كان الأجداد يطعمون حتى القطط والطيور والسمك في دجلة!

خان مرجان منم الداخل
4 أيام 4 ساعات ago

علاء اللامي

المستشفيات "البيمارستانات" في بغداد العباسية: اهتمت الدولة العباسية بالصحة والمستشفيات وبنت الكثير منها وأجزلت العطاء والأجور للأطباء والكحالين "أطباء العيون" فكان راتب الطبيب جبرائيل بن بختيشوع عشرة آلاف درهم شهريا، وأوكل الخليفة المتوكل إلى الطبيب إسرائيل بن زكريا الطيفوري بناء بيمارستان كبير أنفق عليه ثلثائمة ألف درهم. وبنى صاعد المعتضدي البيمارستان الصاعدي. وبنى بدر مولى المعتضد مستشفى عرف باسمه وكان ينفق عليه من وقف السيدة شجاع أم الخليفة المتوكل، وكانت النفقات تشمل (أرزاق المتطببين والمئانين والكحالين ومن يخدم المغلوبين على عقولهم "المرضى النفسيين" والبوابين والخبازين وأثمان الطعام والأشربة أربعمائة وخمسين دينارا ذهبيا في الشهر).
وكان الوزير علي بن عيسى - الذي بلغ عدد المستشفيات في عهده ببغداد خمسة، في حين بلغ العدد وفق القائمة التي وضعتها المستشرقة زيغرد هونكه عشرة مستشفيات على الأقل في القرون الثلاثة الأولى من بناء بغداد - قد كتب الوزير المذكور ذات مرة إلى مسؤول البيمارستان المعتضدي يلومه على صرفه نفقات لبني هاشم (من أسر العباسيين والعلويين) وإهمال البيمارستان وأمره أن (يقدم نفقة البيمارستان على نفقات الهاشميين وأن يحتال بكل حيلة لما يطلق لهم ويعجل حتى يدفأ الذين في البيمارستان من المرضى والممرورين بالدثار والكسوة والفحم ويقدم لهم القوت ويتصل لهم العلاج والخدمة). وكانت الدولة تجري امتحانات للأطباء والكحالين "أطباء العيون" والصيادلة يجريها لهم مشاهير الأطباء قبل أن يرخص لهم بالعمل وأحصي عدد الأطباء ببغداد لامتحانهم فبلغ عددهم أكثر من 860 طبيبا.
خان مرجان: الخان كلمة مُعَرَّبة، أُطلِقت على مكان مبيت المُسافرين وهي الفنادق في العصر الحالي. وخان مرجان عمره 664 سنة، شيَّده السلطان الجلائري أمين الدين مرجان، في جانب الرصافة من بغداد قرب المدرسة المرجانية التي بنيت في السنة نفسها، في الفترة بين عامي 758هـ/ 1356م - 760هـ/1358م. وهو عبارة عن بهو مسقوف ترتفع قاعدته 14 متراً عن أرضيته، ويتميز هذا المبنى بالإضافة إلى سلسلة العقود المتوازية بنقوش مكتوبة على نـحو بالغ الروعة والدقة!
يتألف مبنى خان مرجان من طابقين يحتوي الأول، أي الطابق الأرضي، على 22 غرفة، والثاني، أي الطابق العلوي، على 23 غرفة، وتزين أبواب الطابق الأرضي مقرنصات يؤدي فيها البروز الآجُرِّى وظيفته الجمالية المثلى، وهي تكون سلسلة من المشكاوات المقوسة تنحدر منها زخارف مقرنصة، وتستند على حوامل وأفاريز تخرج من الجدار بصورة تدريجية وتؤلف نطاقاً مزخرفاً يزيد عرضه على المترين ويحيط بالبهو من جهاته الأربع على ارتفاع أربعة أمتار.
صممت القاعة بطريقة تسمح بإضاءتها بضياء الشمس، وذلك باستعماله النوافذ المعقودة المخرمة على نـحو فني جميل. وقد أثر الاستخدام السيئ على شكل المبنى، بوجه عام، فضلاً عن تأثره بالعوادي الطبيعة، مما دفع مديرية الآثار القديمة العامة - قبل الاحتلال الأميركي سنة 2003- إلى ترميمه ترميماً شاملاً، وجعلته متحفاً للفنون الإسلامية، وأطلقت عليه اسم (دار الآثار العربية)، بيد أن ارتفاع مستوى المياه الجوفية في أرض الخان وما حوله، أدى إلى أن تغمر المياه هذه الأرض، فلم يعد يصلح لأن يكون متحفاً، فنقلت معروضاته، وأجريت له صيانة واسعة، ونجحت في خلالها في ترصين أرضيته وجدرانه بمادة الأسمنت حتى تمت السيطرة على عملية نضوح المياه الجوفية إلى داخله، ثم جرى استغلاله خلال فترة الثمانينيات من القرن العشرين وتم إعادة ترميمه واستخدم المبنى كمطعم سياحي.
ذكر عماد عبد السلام رؤوف في كتابه (المراقد في بغداد) خان مرجان بقوله (وحينما نخرج من الخان، لا نملك إلاّ أن نتذكر بالخير ذلك المنشئ الكبير، الذي أشاد المؤرخون بعدله وإحسانه، حتى قيل أن خيراته لم تشمل الفقراء والمساكين فحسب، وإنما شملت القطط، والزراريق وحيتان الشط والطيور، فكان قد اشترط أن تطعم من الأصناف الغذائية التي تلائم طبيعتها كل يوم هنا عند هذا الموضع من دجلة، وكانت ترمى الأطعمة للسمك، وهنا في صحن هذا المبنى الذي كان داراً للشفاء كانت تعطى الأطعمة للحيوان، فالخير، كما أراد مرجان، كان يصل إلى الجميع، طعاماً وعلماً وشفاءً من كل داء).
من خانات بغداد المشهورة أيضا "خان جقان"، الذي تأسس عام 1586 وسط بغداد ويبدو أنه اندرس ولم يبق قيد الاستعمال، ولكنه دخل في منظومة الأمثال الشعبية العراقية الحية، ويضرب هذا المثل للمكان أو المبنى السائب وغير المضبوط الذي يدخله ويخرج منه من يشاء في أي وقت يشاء. أما قبل ذلك بعدة قرون فقد انتشرت الخانات مع بدء بناء بغداد في زمن الخليفة المنصور سنة 762 م، واشتهرت منها خان أبي زياد وفندق حسين الخادم وشبكة خانات عاصم وخان اليعقوبي. وترك لنا الواسطي لوحة للحياة في أحد الخانات الذي يرد ذكره في مقامة الحريري.
*العامة في بغداد د. فهمي سعد ومراجع أخرى.
*الصورتان: الأولى لبوابة خان مرجان والثانية له من الداخل.

بوابة خان مرجان