بين الميثاقيّة والديمقراطية العددية في لبنان

شهر واحد أسبوعين ago

صفية سعادة

الاختلاف هائل بين نظام مبنيّ على الميثاقية، وآخر على الديمقراطية. فالديمقراطية تعني حرفياً «حكم الشعب»، وتعتبر أنّ الشعب الموجود ضمن حدود دولة وطنية، وبمعزل عن مكوّناته وفئاته، هو مصدر السلطات. بناءً عليه، تحدّد الانتخابات رغبة الأغلبية الشعبية في كيفية إدارة مؤسسات الدولة؛ أي أنّ التنافس يدور حول برنامجين مختلفين، أو أكثر، لتطوير المجتمع.

أما الميثاقية، فهي لا تعترف بوجود شعب، بل بطوائف دينية يترأسها رجال دين وقيادات حزبية من الطائفة المعنية، ويعود لهم قرار مصير أفراد طائفتهم. فمنذ استقلال لبنان عام 1943، فُرضت «الميثاقية» فرضاً من قبل زعيمين يمثلان طائفتين، أحدهما رئيس جمهورية ماروني، وثانيهما رئيس وزراء سني. وبما أنّ هذه «الميثاقية»، لم تُعرض على الشعب اللبناني من خلال استفتاء للموافقة عليها أو رفضها، فهذا يعني أنّ «الميثاقية» التي تسير على أساسها الدولة اللبنانية، هي هيئة غير شرعية منذ البداية، ولا نستطيع إسباغ صفة الديمقراطية عليها، بما فيها «الديمقراطية التوافقية»، التي يتغنّى بها الكثيرون. ولقد شدّد القانوني الكبير إدمون رباط، في كتابه حول تاريخ الطوائف اللبنانية، على لا شرعية ميثاقية 1943، واعتبر أنّ القول بإنشاء لبنان ضمن واقع «ميثاقي» غير صحيح، لأنّ الشعب لم يُسأل أو يوافق على هذه الميثاقية.
من ناحية أخرى، لا نستطيع أن نسمي «الملل والطوائف» شعوباً، كما يفعل بعض الصحافيين، لأنّ كلمة «شعب» متّصلة اتصالاً وثيقاً بمفهوم الدولة الوطنية / القومية، وحدودها الجغرافية، وليس بالموروث الديني. لذلك، يُفرد علماء الاجتماع كلمة community، للدلالة على هذه المجموعات البدائية، فالطوائف هي مجموعات أو تجمّعات موجودة منذ ما قبل الدولة الوطنية، ولا تمت إلى مفهوم «الشعب» أو الشعوب بصلة.
الانتماء الرئيس للمذاهب والطوائف ليس الوطن بل الدين، وما يفرّقها عن غيرها من الهويات ليس الحيز الجغرافي والهوية الوطنية، بل هويتها الدينية، أي أنّها ملتصقة بمذهبها ودينها حيثما وُجدت في العالم، وليست متضامنة مع أشقائها في الهوية الوطنية.
في كل وطن من أوطان العالم، نجد مواطنين ينتمون إلى أديان مختلفة، إلّا أنّ الهوية الجامعة هي المواطنة بمعزل عن الدين والمعتقد الذي يُترك لحرية الفرد، لكنّنا حين نحدّد الهوية الوطنية بـ«الميثاقية» الطائفية، فنحن ننتقل إلى مفاهيم الدولة الدينية، والهوية الدينية العنصرية، لا إلى مفهوم شعب واحد.

تقوم الدولة الوطنية على حرية المعتقد وحرية القرار للمواطن، بينما نجد أن لا وجود لحرية الفرد في «الميثاقية» الطائفية
علاوة على ذلك، الدولة الوطنية تقوم على حرية المعتقد وحرية القرار للمواطن، بينما نجد أنّ لا وجود لحرية الفرد في «الميثاقية» الطائفية، فهو مكبّل منذ ولادته بقرارات طائفته، وإلزامية وجوده ضمن طائفته، من دون إمكانية التغيير لوضعه، وهو خاضع لقرارات زعماء طائفته المسيطرين على «رعيّتهم»، خاصة مع نهاية الحرب الأهلية (1975-1990)، وتبوّؤ أمراء الحرب للسلطة، وتقاسمهم مغانم الدولة من دون وازع أو رادع، وكلّ ذلك باسم «الميثاقية». التمسّك بالميثاقية هدفه سيطرة الطوائف والمذاهب على مؤسسات الدولة ومراكز القرار على حساب المواطن والوطن. ومن أجل هذه الغاية، يتمّ رفض الديمقراطية ويوسم المواطن بأنه مجرّد «عدد» لا أهمية له. ما سها عن بال هؤلاء أنّ «الميثاقية» غير الشرعية، هي أيضاً عددية! فإن عُيّرت الديمقراطية بالـ«عددية»، فلا تنجو منها الميثاقية التي بُنيت تراتبيّتها وأهميتها على العدد أيضاً.
حين قرّرت السلطات الفرنسية، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، إنشاء دولة جديدة سمّتها لبنان الكبير بعدما ضمّت إليها محافظات سورية بما فيها العاصمة بيروت، أرادت أن يكون لبنان طائفياً مع هيمنة «عددية» مسيحية، ومن أجل ذلك سعت إلى ضم «وادي النصارى» السوري إلى دولة لبنان الكبير، إلا أنّ الإكليروس الماروني اعترض على هذا الأمر، مبيّناً أنّ طائفة الروم الأرثوذكس ستصبح «عددياً» أكثر من الموارنة، فتستحق رئاسة الجمهورية بصلاحيات ما قبل «الطائف». استعيض عن ذلك بضم البقاع والجنوب ذي الأكثرية الشيعية والمهمّشة آنذاك، بسبب هيمنة الإقطاع عليها. التراتبية الميثاقية قائمة على العدد ضمن كل طائفة، كما كانت عام 1943، فهل هذا هو الواقع العددي للميثاقية اليوم؟ أوَليس رفض القيام بإحصاء سكّاني منذ عام 1936، أي ما قبل الاستقلال دليلٌ، ليس فقط، على لا شرعية الميثاقية، بل على انهيار وجودها الميثاقي من أساسه؟
الأمر نفسه ينطبق على إدارات الدولة، بما فيها الجيش، فالمادة 95 من الدستور الأصلي المعدّلة بموجب القانون الدستوري في 9 تشرين الثاني 1943، والتي لا تزال سارية المفعول إلى اليوم بالرغم من أنّ دستور «الطائف» أجرى تعديلاً عليها، تقول: «بصورة مؤقتة والتماساً للعدل والوفاق، تمثّل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكّل الوزارة».
العدل في هذه المادة الدستورية، لا يعني إلا تقاسم وظائف السلطة بين الطوائف بحسب «أعدادها»، وليس لأي سبب آخر. انهيار «الميثاق»، لم يكن نتاج ثورة شعبية أدت إلى إسقاط شرعيّته، بل لأنّ «العدل» القائم على العددية ضمن الطوائف اهتزّ وأصابه خلل كبير جراء الحرب الأهلية، ومن غير الممكن تغطيته أو التغاضي عنه. أمّا المواطن المفترض به المطالبة بدولة وطنية، فهو خارج السمع، وشبانه وشاباته يحزمون الحقائب جيلاً بعد جيل هرباً من الواقع المرير.
الاختلاف بين «الميثاقية» والديمقراطية، ليس الارتكاز على «العدد» في هذه الأخيرة، بل ماهية الهوية المطلوب إنشاؤها. ففي «الميثاقية» و«الوفاق الوطني»، الهوية الدينية / الطائفية هي المعيار، بينما إرادة الشعب كمواطنين متساوين أمام القانون، بمعزل عن دينهم ومعتقدهم، هي أساس النظام الديمقراطي.

* أستاذة جامعية