عن الاستشراق الألماني وأدولف شراير: الرسام الألماني المولع بالفرسان العرب

لوحة لوأدولف شراير
3 أسابيع 6 أيام ago

بشار حاتم

أولى المستشرقون الألمان بالذات الثقافة العربية اهتماما بالغا وكان الاستشراق الألماني " الأدبي " يتمتع بخصوصية تتجاوز فكرة الاحتلال وغيرها من التهم التي تواجه المد الغربي عند طرح مسألة الاستشراق وهو الاختلاف الذي ظهر في الأعمال الأدبية الفنية الألمانية المعنية بالثقافة العربية والشرقية بشكل عام، ناهيك عن اهتمام الأدباء الألمان بالشعر والأدب العربي ومنهم الشاعر الألماني الكبير فولفغانغ غوته.

كان المستشرقون الألمان يؤمنون باختلاف جماليات الأدب والفكر والتنوع الحضاري وسعوا إلى نقل المعرفة والاستفادة منها وكان من الواضح أنهم متلهفين لاكتشاف أسرار الأمكنة التي بزغت منها علوم الحضارة العربية والإسلامية التي امتدت فروعها إلى أوروبا ومن هذا المنطلق سعوا إلى الحفاظ على حلقة الوصل بين الشرق والغرب عبر إرسال المستشرقين المهتمين بالثقافة العربية وهذا الاهتمام الألماني مهد إلى دخول الألمان على خط المنافسة مع الانجليز في التنقيب الآثاري في الشرق الذي قاد إلى اكتشاف مدينة بابل الأثرية، وفي الحديث عن المستشرقين الألمان فهناك بالتأكيد أسماء لامعة عديدة ومنهم "غوستاف باورنفايد" و"كارل هاغ" و"أدولف زل" وفيرديناند ماكس بريت و"كارستن نيبور" وغيرهم ومنهم (أدولف شراير Adolf Schreyer)‏ موضوع حديثنا وهو رسام ومستشرق ألماني درس الفن لأول مرة في معهد شتيدل للفنون في مسقط رأسه، ثم في مدينتي شتوتغارت و ميونخ . كان اهتمام شراير الخاص هو رسم الخيول ، والتي سرعان ما أصبحت الموضوع الرئيسي لعمله الفني. ولذا كانت أغلب لوحاته عن الخيول العربية والفرسان العرب.

في عام ١٨٥٤ غادر شراير مسقط رأسه وانضم إلى الجيش النمساوي كمتطوع في حرب القرم. ثم عمل كرفيق سفر للأمير "إمريش فون تورن أوند تاكسيز" في رحلته عبر المجر ورومانيا وروسيا. في عام ١٨٥٦ ذهب شراير إلى باريس ، في العام التالي إلى بوخارست وعاد إلى كتيبته لبعض الوقت. في نهاية عام ١٨٥٧ عاد شراير إلى مدينة فرانكفورت وزار أيضًا أصدقائه في مقر رسامي كرونبرج .
في عام ١٨٦١ ، انتقل شراير إلى باريس ، التي كانت آنذاك مركز الفن الأوروبي بلا منازع. من مكان إقامته الجديد ، قام برحلة إلى شمال إفريقيا إلى الجزائر ، وكذلك إلى مصر وسوريا.استوحى أدولف شراير لوحاته الشرقية من أسفاره العربية حيث أقام بين البدو في الهضاب العليا وشاطرهم حياة الترحال وتعلم لغتهم وأظهر ميولا إلى تمثيل المشاهد الحربية عند شيوخ القبائل والسبايس والقوم وقد ترك التعرف على الثقافة العربية انطباعًا في داخل شراير فأصبحت اللوحات الشرقية تهيمن على رسوماته.

استقر في سنة ١٨٦٢ بباريس ثم عاد بعد ذلك إلى ألمانيا سنة ١٨٧٠ وسكن بمدينة كرونبيرغ قرب فرانكفورت حتى وفاته.
حصل شراير على أعلى تقدير وقد عُرضت أعماله بانتظام في المعارض الفنية الكبرى وحصلت على جوائز كبيرة ، بينما تم الاحتفال به باعتباره "حاكم الصالون الباريسي" واكتسب شهرة دولية أيضًا من خلال أعماله الرائعة في "الاستشراق".

كتبت الباحثة في الفنون التشكيلية الأستاذة بشرى بن فاطمة :

"إن حركة الاستشراق الفني والثقافي الألماني لم تكن مجرد ظاهرة بمعناها العام ولكنها كانت تصورا مدروسا لتبادل الثقافة الشرقية الغربية والتطوّر معها حسب رؤاها وخصوصياتها الفكرية والإنسانية والفنية والتأثر بها على مدى تنوع التصورات تعبيرية والنقدية والتعامل مع الذات والآخر وحمل الخيال إلى أبعد مستوياته، وهو ما انساقت معه تعبيريا الحركة التشكيلية الألمانية الحديثة التي تحمّلت الفلسفة والتشكل والتغيرات الجمالية والرؤى التوافقية حتى لو خطاها جادة في التجريب والتأثير والاشعاع إلا أنها عميقة ولها خصوصياتها وأثرها المؤثّر"