كافكا الآخر: العراقية د. بديعة أمين تنصف كافكا/ ج7

كتاب لبديعة امين
3 أسابيع 5 أيام ago

علاء اللامي

(لقد تعرض  فرانتس كافكا  للتجاوز ، وهو تجاوز فكري، بمعنى محاولة إزاحة نمط الحقائق باتجاه معين. فالصهيونية كحركة فكرية وعرقية، عملت على رأس هذا التوجه، حيث وظَّفت تفسيراتها لأدبه لصالح بنيتها الفكرية من منطلق كونه يهودياً، وكاتباً كبيراً ومتميزاً بآثاره الأدبية/ الناقدة العراقية د. بديعة أمين)

    مع مقالة " صهيونية كافكا واستلاب المثقف العربي " للناقد المصري محمد محمد البشتاوي[1] تبلغ عقلية وخطاب التقليد والتكرار والتسطيح لدى مناوئي كافكا وأدبه ذروتهما. ففي هذا النص الطويل ثمة تكرار واجترار شبه حرفي لمقالات كثيرة أخرى نشرت في هذا السياق. وفيها، لا نضع أيدينا على فكرة جديدة أو تحليل منسجم وعميق يوحي بشيء مهم، بل ثمة وحسب المعلومات والأحكام القاطعة الباترة ذاتها، مع إضافة جديدة هي أن البشتاوي لا يترك أحدا يفلت من سياطه ممن يحاولون تأكيد عكس ما يراه من قناعات.

فبعد فقرة حول علاقة كافكا الابن بابيه تاجر التحف بحسب البشتاوي ( والجزار أو بائع اللحوم بحسب آخرين) يناقش البشتاوي رسائل كافكا محاولا ان يقيم الدليل من خلالها على صهيونية الرجل، قافزا من الرسائل إلى ما كتبه ماكس برود من خواطر عن مشاهير يهود واضعا بينهم اسم كافكا ليستنبط – البشتاوي - من ذلك دليلا آخر. وبعد قليل من ذلك، وكأني بالبشتاوي قد صدَّق نفسه أيما تصديق، نجده يعبر عن غضبه ليس من "كافكا الصهيوني " الذي "ضبطه متلبسا" في رسائله التي ناقشها في بضعة أسطر مرتبكة، بل من المثقفين العرب الذين لا يرون رأيه فيه فيكتب بتشنج لا يخفى (ورغم عدم التباس النصوص السابقة، واتضاحها جيداً، إلا أن عدداً كبيراً من المثقفين العرب، يقفز عن هذه الحقائق، ويصف كافكا بالمناضل والفيلسوف المتحرر والمقاتل في سبيل الإنسانية، ما يعني أن حالة الاستلاب لم تعد تمثل التبعية للثقافة الغربية، وإنما الترويج لثقافات معادية للعرب عموماً، بما فيها الثقافة والفكر الصهيوني) ثم يفرد البشتاوي فقرة خاصة للعرب في قاموس كافكا، مركزا على القصة البسيطة إلى درجة التسطيح، والمشكوك بنسبتها إليه، والتي تحمل عنوان " بنات آوى وعرب "، حيث لا يبخل النص بالصفات السلبية والمهينة بحق العرب، فيما يتم تجاهل نقده الجذري للشخصية اليهودية وللإنسان الغربي بل الحضارة الغربية في مسرحيته "حارس المقبرة"، ولكن البشتاوي يصطدم بمشكلة "صغيرة" تبدد ابتهاجه بهذا الصيد السمين، وهي أن النص، وبالتالي كاتبه المزعوم كافكا، لا يبخل بالشتائم والتحقير على اليهود المرموز لهم ببنات آوى، فكيف سيحل البشتاوي هذه المشكلة؟ إنه يجد الحل لدى الناقد فيصل دراج وهو ناقد يساري عربي معروف بتنظيراته المتواشجة مع الأصول والتقاليد النقدية للجدانوفية في نسخة عربية متخففة كثيرا من أثقال الأيديولوجيا، ويستخدم من ترسانته مفهوم "التحقير ذي البعد البرغماتي". فما المقصود بهذا الاصطلاح أو المفهوم ؟

يشرح لنا البشتاوي هذا المفهوم على الشكل التالي (نظرة التحقير لـ اليهودي ..يجد كل من الدكتور فيصل دراج ومحمود موعد سبباً لها، مشيرين إلى تقبل كافكا لهذهِ النعوت مقابل البعد النفعي (البريغماتي)، والديني من ناحية أخرى، فهذا القبول ليسَ مجانياً وإنما مقابل التعالي، لأن اليهودي صاحب مهمة تاريخية ورسالة إنسانية (الناحية الدينية)، أما البعد النفعي فهو يكمن بقبول النعوت حتى نهاية الجولة، فالمهم أن يربح بغض النظر عن الطريق أو الشكل الذي يسلك، فابن آوى عندما هاجم الجثة لم ينهض عنها رغم تلويح الأعرابي بالسوط، مقابل النعوت سابقة الذكر فإننا سنجد رؤية توراتية داخل بنية النص، منها البعد التاريخي الذي دفع بنات آوى لانتظار المخلص جيلاً بعدَ جيل، النقاء ورفض الآخر الذي يظهر جليًّا من خلال رفض العرب بـ المطلق: "نريد هواءً نقيًّا، وأفقاً لا أثر لهم فيه"، واللجوء إلى العنف من خلال الدعوة للقتال، كما ونجد إشارة إلى ضرورة تجميع قوى النبل للنيل من القذارة حيث ينقسم العالم إلى قسمين. أما العربي الذي حظي بـ نعوت كثيرة تكاد تشابه اليهود في الطرح القصصي لهذا النص، فهم قذرون، قتلة، متخلفين يفتقدون لحكمة العقل.. الخ، وهذهِ النعوت تسعى لجعل الدم العربي مستباحا، نظراً لما يمثلهُ العرب من رجعية...) واضحٌ الطابعُ المتهافت والمتناقض لهذا المفهوم الذي لا يقوم على أي سند علمي بل هو أقرب إلى الفكرة المسقطة على واقع حال لا علاقة له بها، بل هو مثال شديد الوضوح على النموذج الرغبوي "الإرادوي" في الكتابة النقدية حيث يجهد كاتب النص ليس لمحاكمة الوقائع ومواجهتها بالوقائع بل بقصقصة الوقائع واختراع صور إضافية لـ" حقائق " أخرى ذات صبغة ذهنية وأشبه بالفقاعات. إنها باختصار محاولة لتدوير الزوايا ليس إلا، ويتبين لنا خطل هذه المنهجية "اللامنهجية" والتي يحركها الغضب والمشاعر الشخصية وليس العلم والفعالية البحثية العقلانية من خلال طرح سؤال بسيط هو: إذا كانت الشتائم المهينة التي يوجهها النص إلى العرب تشبه، أو تكاد تشبه تلك التي يوجهها إلى اليهود، فلماذا يعتبر البشتاوي ومَن يستنبط عنه مهاراته النقدية هذا السلوك استباحة أو تبريرا لاستباحة دماء العرب فقط وليس استباحة لدماء اليهود الذين شُتِموا أيضا؟ أليست المقدمات المتشابهة تؤدي إلى نتائج متشابهة في المنطق الشكلاني " الصوري" على الأقل؟

نترك السيد البشتاوي وهو يصرخ  في قاعة المحكمة بحكمه المبرم القائل بالكلمات التالية: لم يعد كافكا غامضاً ومبهماً بعد ما تكشف من صلات وثيقة تربطهُ بالحركة الصهيونية، لاسيما "بيت الشعب اليهودي" -أحد أطراف الصهيونية، إلا أن المستغرب ما يحدث من جدل وصخب في الوسط الثقافي العربي، الذي يضع حقائق بالغة الأهمية على رفِّ النسيان، دون أن يتناولها بالتحليل العميق ليقدمها إلى الجمهور العربي، وهو ما يفسر حالة الاستلاب التي أصيبَ بها المثقف العربي، ولهذه الحالة طرفين؛ الأول دونية الذات العربية، والطرف الثاني ارتقاء وتعالي الذات الغربية، الأمر الذي يجعل كثيراً من المثقفين العرب يعيشون حالة استلاب مرضية. أعتقد أن أخطر ما في الأمر، أن يكون الاستلاب للمضامين الصهيونية، كما هو الحال في كافكا، أو مضامين التغاضي عن الحقوق العربية في الطرح الغربي، كما هو الحال مع جون بول سارتر الذي تنكر للحقوق العربية في الأراضي المحتلة – الفلسطينية والسورية ) نودعه إذاً، تاركين إياه يعالج وبطريقته الخاصة "مثقفيه العرب" من حالة الاستلاب المرضية التي وصمهم بها وكأنها نوع من الزكام الذي يصاب به المرء بمجرد تعرضه لنفحة هواء بارد وهو خارج من الحمام، زاجا "بالمتنكر للحقوق العربية جون بول سارتر" بينهم، ونحاول الآن أن نلقي نظرة على محاولة نقدية أخرى أكثر أهمية تنتمي لما يمكن أن نطلق عليه مجازا معسكر المبرِئين[2]

ألفت الباحثة العراقية المتخصصة في الشؤون اليهودية والحركة الصهيونية د. بديعة أمين عددا من الكتب العلمية ذات السوية الرفيعة أولها صدر عام 1974 في بيروت بعنوان: " المشكلة اليهودية والحركة الصهيونية ثم تواصلت في كتب لاحقة هي: الصهيونية ليست حركة قومية سنة 1978 فكتاب "في نقد فكر الستوية " سنة 79، وبعدها أصدرت كتابها الذي سنتوقف عنده والذي يحمل عنوانا معبرا عن مزيج من الاستهجان والسخرية والرفض هو "هل ينبغي إحراق كافكا؟ سنة 83 ، أما كتابها "الأسس الأيديولوجية للأدب الصهيوني" فقد صدر في  حزيران سنة 1989  وعناوين كتب هذه السيدة لا توحي بأية احتمالات في أن تكون مؤلفتها مهادنة للحركة الصهيونية ومشمولاتها في ميدان الأدب والفكر ولا حتى محايدة أو تصطنع الحياد لكي يسهل ذلك من عملية وصمها وتشويه سمعتها كمقدمة لاتهامها بالتهمة الشائعة والتي تعرضنا لمثال لها قبل قليل، أي الاستلاب المرضي من قبل الصهيونية بل هي عناوين تؤشر وتشير إلى النقيض التام لهذا التوجه، ولكنها اختارت أن تكون في صف من ينظرون إلى كافكا بمنظار آخر غير المنظار البرودوي الصهيوني.   

يهمنا ان نتوقف عند كتابها ذي المساس مباشر بموضوعنا وهو كتاب " هل ينبغي إحراق كافكا؟"

  تعتمد د.  بديعة أمين منهجية تقوم على استقراء كوامن النص المقروء ومحاولة تفكيكها واستيعابها عن طريق إقامة حوار علمي مع تلك النصوص بوصفها نتاج حقيقي لحياة حقيقية. وتتم عملية الاستيعاب والتحاور عبر مقاربة البنية الجمالية للنص أولا، ومقاربة المضامين الأيديولوجية له ثانيا سواء كانت ذات منحى ديني أو أدبي أو فكري بحت.

يكتب جاسم عاصي[3]، أحد الذين تعرضوا  بالقراءة التحليلية لكتاب د.أمين، وتحت عنوان فرعي هو " الدفاع من داخل النص " ما يلي، ملخصا فكرة رئيسية طرحتها د. أمين ( لقد تعرض  فرانتس[4] كافكا  للتجاوز، وهو تجاوز فكري، بمعنى محاولة إزاحة نمط الحقائق باتجاه معين. فالصهيونية كحركة فكرية وعرقية، عملت على رأس هذا التوجه، حيث وظفت تفسيراتها لأدبه لصالح بنيتها الفكرية من منطلق كونه يهودياً، وكاتباً كبيراً ومتميزاً بآثاره الأدبية. لكن الذي يثير التحفظ هو انجرار النقاد العرب في توجيه قراءتهم لأدبه على وفق ما خطط له الآخر، ذلك لأنه مر عبر قنوات متعددة أهمها تغييب القراءة أو ربما تعطيلها، أو خضوعها لموجهات مسبقة. أو كما ذكرت الباحثة؛ من أننا اعتمدنا على ما روجه العقل الصهيوني عن (كافكا)، وإعراضنا عن قراءة أدبه قراءة موضوعية..)

ويلخص عاصي الأسس التي اعتمدتها السيدة أمين في دفاعها عن كافكا بأن تلك الأسس تقوم على حقيقتين:

الأولى هي خطورة تبويب ودمج أدب كافكا بأهداف الصهيونية.

والثانية هي توفير النقيض الموَّثَق لما تدعيه الصهيونية في أدبه.

 وهذه المنهجية تتطلب ان تكون الدراسة لهذا الشأن( ذات نمط تحليلي وموضوعي، وعلمي، من أجل اكتشاف العلاقات والظواهر الخفية فيها، وارتباطها العضوي بالخلفية الثقافية والفكرية والفلسفية، وعلاقتها بالبيئة الاجتماعية والظروف الاقتصادية، أي الكشف عن العلاقة الديالكتيكية وتفاعل الأدب والبيئة)[5] كما تكتب السيدة د.أمين، وهذا يتطلب الانطلاق في الجهد التحليلي من باطن النص الأدبي المقروء إلى خارجه وظاهره. وقد درست الباحثة يوميات كافكا بذات المنهجية التي اعتمدتها كاشفة عن التحريف والتحليل المغرض الذي اعتمده ماكس برود في تقديم وشرح تلك اليوميات لدرجة انه نسب إليه أقوالا لم يقلها ووجهات نظر ذات مضامين عرقية وعنصرية رفضها بقوة وبصوته الخاص كما في قوله (ما الذي يجمعني واليهود؟ ليس هنا أي شيء تقريبا ً يجمعني ونفسي أنا. إن علي ّ أن أختبئ بهدوء في زاوية ما، راضيا ً بحقيقة أنني قادر على التنفس)

لقد أكد كافكا في مناسبات كثيرة أمرا كاد أن يتحول إلى شعار حياته وتميمته الشخصية، وهو انه خُلق للأدب، وأنه مخلوق من الأدب وحسب، ولا يصلح لشيء آخر سواه، وقد ورد ذلك في رسائله الشخصية إلى خطيبته  فيليس باور، وفي يومياته، حتى أنه كره عمله البيروقراطي في شركة التأمينات لأنه يتعارض مع توجهاته وهواجسه وطموحاته الأدبية. ويوضح الباحث جاسم عاصي هذه الحيثية بالقول (إن كافكا كان على التصاق حميم ومصيري بالأدب، فأنه يرفض أي ارتباط بفكر مسّيس، ضمن مجموعة أو تشكيل عنصري. وهذا ما أكدته رسالته لوالد خطيبته " إن عملي أمر لا يحتمل بالنسبة لي، لأنه يتضارب ورغبتي الوحيدة، ومهنتي الوحيدة التي هي الأدب، وحيث أنني لا شيء غير الأدب، ولا أريد أن أكون شيئاً آخر، إن كل شيء ليس أدبا ً يبعث فيّ السأم، وأنا أكرهه، إذ أنه يسبب لي الاضطراب، أو أنه يؤخرني ". من هذا التصريح الواضح يمكننا أن نقف على حقيقة مهمة في كون دافعه لرفض كل ما هو ليس بأدب، كان مرتبطا ً بحالة خارج إرادته. فكلامه هنا، وبهذه الحدّة، يمكن اعتباره ردا على محاولة ما، ربما لزجه في ما هو ليس أدبي، وهو ما يؤكد مصداقية عدم ارتباطه بأي منظمة، أو توجه سياسي أو عرقي، ويمكننا أن نمضي أبعد قليلا بمساعدة التخيل البناء فنرى في كل عبارة من العبارات السالفة ردا مباشرا على ما حاول الزاعمون إلصاقه بكافكا، فهو حين يقول:

  • إن عملي أمر لا يحتمل بالنسبة لي ...فهو ينفي بشكل مباشرة أي مزاعم عن ارتباطات وطموحات سياسية أو تجارية لديه.

وهو حين يقول:

  • مهنتي الوحيدة هي الأدب... يؤكد ما سبق قوله، ولكن بعبارات لا تقبل اللبس حيث جعل الأدب مهنته وليس مجرد هوى أو هواية. فهو هنا لا يشطب على عمله كحقوقي في شركة تأمينات فقط بل يشطب على كل ما عداها باستثناء الأدب.

 وهو حين يقول:

  • وحيث أنني لا شيء غير الأدب، ولا أريد أن أكون شيئاً آخر.

فهو يقدم لنا استقالة مسبقة ومختومة من أي مجد أو طموح آخر، سياسيا كان أو غير سياسي، وسواء تعلق بالحركة الصهيونية أم غيرها من حركات وأحزاب واتجاهات ، بل هو يجعل حتى وجوده الكياني الانطولوجي[6] مشروطا بوجوده الإبداعي كأديب: أنا لا شيء دون الأدب!

 وهو حين يقول:

  • إن كل شيء ليس أدبا ً يبعث فيّ السأم، وأنا أكرهه، إذ أنه يسبب لي الاضطراب، وأنه يؤخرني، فهو يستبق وبشكل أقرب الاستشراف والتنبؤ ما سوف يفعله المأدلجون به وبتراثه الأدبي وفي مقدمة هؤلاء يانوش وبرود وغيرهما.

في هذه الكلمات القليلة قدم كافكا شهادة براءة شديدة الوضوح في حسمها من أية مزاعم تتعلق بشخصيته وتوجهاته واهتماماته وطموحاته فطلق كل شيء وتزوج الإبداع الأدبي فقط زواجا كاثوليكيا لا انفصام له.   

في كتابها موضوع قراءتنا هذه  تقترب الباحثة د. أمين من المفهوم الماركسي، أو للدقة من النسخة السائدة مدرسيا ورسميا لمفهوم للاغتراب الروحي  في المجتمع الطبقي الرأسمالي مستنتجة أن جلَّ أدب كافكا هو( عبارة عن انعكاس لإحساسه وشعوره بالغربة عن واقع متناقض تشوبه العلاقات الرأسمالية، مجسدة لرؤيته للعالم وعلاقاته، وطبيعة الاستبداد والعبودية التي يعاني منها الإنسان، جرّاء تسلط الطبقات المستغلة - بكسر الغين - وهيمنة الأنظمة الاقتصادية التي ولـّدت صراعاً دائماً، هو في جملته صراع طبقي أفرز كثيراً من الظواهر. لذا فكافكا ينحاز عبر وجهة النظر هذه إلى عكس مثال هذا التناقض وهذا الصراع. وقد عبّرت رواياته (القلعة – المحاكمة – المسخ - سور الصين - مستعمرة العقاب) خير تعبير عن هذه الظواهر، ملبية بذلك نداء الغربة الروحية الكامنة في ذاته كفنان مرهف الإحساس.)

إذا ما ضربنا صفحا عن عدم التمييز الاصطلاحي السائد بين "الغربة" المتعلقة عادة بما هو مكاني وجغرافي وبين "الاغتراب" المتعلق بما هو روحي وعقلي ونفسي في كلام د. أمين، خصوصا وأنها قد أسندت المفردة " الغربة " إلى صفة " الروحية " فأجهزت نقديا على أية احتمالات مختلفة أخرى، إذا ما فعلنا ذلك،  سنجد إن السوية العلمية الهادئة والعميقة لأطروحاتها تجعل من هذه الأطروحة وبجدارة المحاولة الأولى عربيا التي شكلت تجاوزا حقيقيا لما ساد الساحة الثقافية العربية من وجهات نظر اتهامية وسطحية تحتج بالقشور والحيثيات المعزولة عن سياقاتها بل والمحرفة أو الملفقة لأغراض خاصة. وهي، بهذا المعنى تُسَجَل كأول محاولة نقدية تعتمد منهجية منتِجة ودقيقة لتكريس وإثبات الافتراضات النظرية والمقدمات التي انطلقت منها على العكس من الكثير من المقالات والنصوص الإنشائية الخطابية المهجوسة بالسياسي والتحريضي أكثر مما هي مشغولة ومشتغلة بالبحث عن الحقيقية ومقاربتها علميا. ومع ذلك، ظل كتاب د. بديعة أمين، رغم أهميته النقدية الفائقة، وما أثاره حين صدوره من أصداء، أشبه بجزيرة غنية غمرتها رمال الزمان وصار حريا تقديم قراءة جديدة له وإطلاق قراءات شقيقة له في ميدانه، أو في ميادين قريبة أخرى وليس الاكتفاء به كما يدعو البعض وجعله كتابا مُنزلا لا يأتيه الباطل من خلفه أو من بين يديه فهو الأول والأخير وما بينهما، الأمر الذي لا نظن بأن المؤلفة ذات العقلية النقدية والقدرة التحليلية الفائقة توافق عليه أو تقبل به.

مقالة مهمة أخرى يمكن التعرض لها وهي بقلم الناقد أكرم الشيخ مهدي مقلد والتي على الرغم من المقدمات الصحيحة التي تنطلق منها، والعرض النقدي المفعم بالحيوية الذي تقدمه، لا تنجو من الاستسلام المجاني للقناعات البرودية - نسبة إلى ماكس برود - الزائفة والسائدة بفعل مجموعة من الأسباب سلف التطرق لها ومن تلك القناعات اعتقاده بأن كافكا كان ضد نشر إبداعاته الأدبية بل هو يصدق دون فحص أو تمحيص أكذوبة برود القائلة بأنه طلب من هذا الأخير قبل وفاته إحراق جميع مؤلفاته، فناقدنا كتب بنوع من الاستسلام والتصديق اللذين لا علاقة لهما بأية منهجية نقدية قائلا (لم يكن راغباً حتى في نشر قصة ولكن صديقه(ماكس برود)كان يدفعه لذلك دفعاً. وينشر في حياته قصصاً لا تتعدى السبعة في مجلات مختلفة. وكانت وصيته لصديقه (ماكس برود) هي ان يحرق كل ما كتبه. ولقد وقف ماكس حائراً ثم قرر في النهاية ان ينشر جميع قصص كافكا وفاءً لذكراه، ولم تمض على وفاته سوى أعوام قليلة حتى، كانت قصصه منتشرة في ألمانيا ثم في أوربا الوسطى إلى أوربا الغربية، وتلقاها الفرنسيون والانكليز بترحاب كبير).

لا ندري كيف نفسر هذه الثقة التي يطلق بها الكاتب هذه الأحكام والتفاصيل القصصية حتى لكأنه يستعرض لنا شريطا سينمائيا وثائقيا عن حياة كافكا، أو أنه كان صديقا شخصيا لكافكا وبرود وعاش معهما أو قريبا منهما فعرف تفاصيل التفاصيل المتعلقة بعلاقتهما. لقد سبق وتوقفنا عند أكذوبة وصية كافكا لبرود بإحراق مؤلفاته الإبداعية، وخلصنا إلى القول بأنه ظل ينقح أعماله ويتلف ما يعتقد انه ضعيف وناقص ولا مستقبل له، ويعتني بأعماله الرئيسية والمهمة بعكس ما قاله ماكس برود بعد وفاته. هذه المعلومات والمعطيات موثقة ومؤكدة سواء في يومياته أو في مذكرات من عرفوه وعاصروه - خصوصا من صديقاته النساء- على قلتهم أو في مخطوطات أعماله المنشورة وغير المنشورة، أما ما يتعلق بنفي طلبه تدمير وإحراق كل منجزاته الروائية والقصصية فهو أمر يمكن استنتاجه بسهولة كما تقدم.  ومما يعطي صدقية إضافية لما قلناه هو أن الصيغة التي قالها كافكا لبرود بحسب إحدى أشهر الروايات التي يذكرها الكاتب العراقي فاروق يوسف[7] في مقالة تعاني من مبالغات جمة  هي الأخرى في استسهال تصديق افتراءات وتزويرات ماكس برود ورد فيها قوله ( احرق هذه الخربشات )،  و يمكننا أن نفهم بيسر  أن المقصود بعبارة "هذه الخربشات" تحديدا هي الأعمال الضعيفة وغير الناضجة وغير المكتملة من وجهة نظر مؤلفها وإلا لورد الطلب بصيغة أخرى كان يقول " احرق كل شيء" أو "اتلف جميع مؤلفاتي " ثم  لماذا لم يكتب كافكا رسالة مهمة يبرر فيها طلبه لهذا الانتحار الأدبي الشامل والذي جاء على شكل طلب بإبادة جميع مؤلفاته من قبل ماكس برود ؟ولماذا لم نقرأ له تلميحا مهما كان ضئيلا وباهتا إلى أنه قد يفكر بارتكاب هذه الفعلة - إحراق كتاباته - في يوما ما قبل مرضه ؟ ولماذا لم يُقْدِم هو ذاته على هذه الفعلة ويحرق كتبه بنفسه وهو الذي لم يعجز بدنيا عن القيام بذلك خلال فترة مرضه الأخير إذا كان مقتنعا به شديد الاقتناع؟ أما قول مقلد (لقد كانت محنة كافكا في الحياة نعمة على الأدب العالمي فمن خلال ألم ومعاناة كافكا بصفته إنساناً، أبدع بروائعه الخالدة والتي أغنت الأدب العالمي، فقد التجأ إلى الكتابة ليهرب من جحيم الآخرين. في دنيا لم يحبها ولم يعرف لماذا وجد فيها.) فهو قول ينطوي على شيء من الصحة إذا وضع في سياقه الطبيعي، سياق حياة أديب شاب سوي ومبدع ابتلى بمرض خطير، وإذا اعتبرنا ان إصابته بذلك المرض الخطير، الذي سمم حياته وعلاقاته العائلية والغرامية المضطربة، كانت سببا في تعميق إحساسه بالألم المأساوي الأمر الذي عمق من تجربته الأدبية الإبداعية. أما التمادي في هذه الحيثية وبناء الكثير من الخرافات والاستنتاجات الخارقة على أساسها، كما يفعل الكثيرون، والسير على هدى مبالغات ماكس برود وصولا إلى مسخ كافكا وتحويله إلى شخص عصابي وعدواني ، ظلامي وسوداوي يكره الحياة ويعادي الناس والمجتمع فهي تتحول دون شك إلى مجرد هذيانات بولغ في التعبير عنها بقصد ونوايا سيئة لا تمت بصلة لكافكا الحقيقي الإنسان المبدع والمحب للحياة إلى درجة الشراهة والوله .[8]

نختم ها الفصل بالتوقف عند شهادة خفيفة الظل، قد لا نجد فيها ما هو مفيد وعميق على الصعيد المنهجي، ولكنها قد تعطينا انطباعا معينا وواضحا عن طريقة تقييم كافكا من قبل بعض الكتاب العرب. هذه الشهادة هي  للروائي المصري جمال الغيطاني حول أدب كافكا فهذا الروائي الذي تميز بأسلوب خاص في الكتابة الروائية كتب بمناسبة إصدار عدد خاص بأدب كافكا من مجلة "أخبار الأدب" المصرية ما يلي  ( ما زلت أذكر انبهاري الشديد عندما اكتشفت فرانتس كافكا في الستينيات من القرن الماضي، أنا مدين للدكتور مصطفى ماهر بتعرفي على عالم هذا المبدع العظيم والذي أعتبره إحدى العلامات الأساسية في الفن الروائي المعبّر عن الوضع الإنساني تجاه الوجود المحدود واللامحدود..)[9] ويبدي الغيطاني انتباهة خاصة وشديدة الجِدة حين يدقق في نوعية وخصوصية أدب كافكا حين يجمع بين غرائبية وكابوسية هذا الأدب وبين ألفته فيقول (رغم غرابة عالمه وكابوسيته يبدو مألوفاً، وكأننا جزء منه. يستيقظ بطل المسخ ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة، ورغم غرابة التحول إلا أن هذا يبدو منطقياً في إطار العمل الفني، بل إننا من خلال التفاصيل الدقيقة الواقعية التي يوردها المؤلف ولكن في بنية مغايرة للمألوف يشعر كل منا أنه تلك الحشرة. التفاصيل شديدة الواقعية، إنها مفردات واقعنا، غير أنها مصاغة في سياق مغاير يخلق واقعاً خاصاً، غريباً، لكنه جد مألوف لنا، شيئاً فشيئاً نشعر أننا جزء من هذا العالم.) ويسجل الغيطاني انه استطاع بمساعدة الدراسات الأجنبية حول أدب كافكا من وضع يده على سر وخصوصية التكنيك الكتابي وطبيعة ووظيفة اللغة عند كافكا فيقول (عندما قرأت "القضية" و"القصر"، أدركت خصوصية اللغة عند كافكا، وعندما قرأت الدراسات الأجنبية عنه فهمت بالتفصيل ما أدركته في مجمله. إنها لغة مباشرة، في صفاء البلّور كما يصفها رونالد جراي في كتابه عن كافكا) ولكن الغيطاني ورغم هذه الحدسية النقدية الإيجابية لم يكن في منجى من خيوط عناكب ماكس برود فيكرر مع الزاعمين ما صار في عداد "البديهيات " وهو ليس إلا افتراءات وذلك حين يكتب (وقرب نهاية حياته القصيرة طلب من صديقه ماكس برود أن يحرق كل ما كتب. موقف يذكرنا بما أقدم عليه أبو حيان التوحيدي عندما أحرق بنفسه ما كتب. غير أن ماكس برود حافظ على الأعمال ولم يحرقها، وبذلك أنقذ تراثاً إنسانياً رائعاً كان ممكناً أن يفنى.) ولسنا مضطرين لتكرار ما قلناه قبل قليل في صدد تفنيد هذه الخرافة البرودوية ولكن الغيطاني يختتم شهادته بالكلمات العبرة التالية (إنني أعتبر كافكا واحداً من أعظم المبدعين في تاريخ الإنسانية، ولا يعنيني من يهوديته إلا أبعادها الثقافية كما ظهرت عنده، ولا أتفق مع الآراء القائلة بصهيونيته. أفق كافكا ورؤيته وإبداعه أشمل بكثير، إنه كوني الموقف بكل المعاني.) ورغم الطابع البلاغي والمناسباتي  لهذه الكلمات  في مقالة خفيفة ولكنها- تلك المقالة- تحوي قدرا ملحوظا مما صار واقعا ناميا باستمرار ومعاكسا للطريقة التي كان ينظر بها لكافكا وأدبه والتي كانت في عداد البديهيات غير القابلة للمراجعة أو النقاش أو التساؤل مع أنها أبعد ما تكون عن ذلك، فأن تذكر أو تتذكر كافكا فأنت مدفوع للكلام عن كافكا الذي حاول أن ينتحر أدبيا ولكن صديقه " الطيب " أنقذه ورفض تنفيذ وصيته..وأصبحنا نذكر ونتذكر كافكا الآخر كافكا المستعاد من نمطية مفتعلة وذات أغراض لا علاقة لها بالإبداع الأدبي والفني بل هي ليست من نسيجه.

 

 

[1] - مجلة الثقافة العربية ، من نسختها على النت عدد 110 ومواقع أخرى  .

[2] - الطريف، وهي طرافة قد تشي بالأسى وتثير التساؤل هنا هو أن المبرِئين لكافكا من تهمة الصهيونية هم في أغلبهم غربيون، أما المتهمون المتشبثون بتلك التهمة، والتي اخترعها الصهاينة، هم وفي أغلبهم من العرب. باختصار: الصهاينة يخبئون وثائق كافكا التي تبرئه ونقاد عرب ينبشونها ويفسرونها في مصلحة الصهيونية. شيء طريف ولكنه محزن وسببه كالمعتاد: سيادة عمى الألوان النقدي والأدبي في الساحة العربية وتغلب الخطابة الطنانة والبلاغة الفارغة على إعمال العقل النقدي.

[3] - عاصي جاسم " بديعة أمين..... رحلة النص بين الجمال والفكر " عن مجلة الثقافة الجديدة العراقية .

[4] - فضلنا كتابة الاسم الأول لكافكا بالزاي كما يلفظ في اللغة العربية " فرانز " ولكننا أبقينا عليه كما هو حين يرد بالصيغة الألمانية " فرانتس" في الاقتباسات عن الآخرين للأمانة في النقل .

[5] - بديعة أمين، هل ينبغي إحراق كافكا ؟ دار المهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بدون تاريخ

[6] - الأنطولوجيا: هيّ المبحث الفلسفي الذي ينظر ويختص في "الوجود من حيث هو موجود" على حدّ عبارة أرسطو. و عليه فإنّ الأنطولوجيا هيّ دراسة الأشياء في ذاتها أي من حيث وجودها الفعلي . وحين نتحدّث عن قسمة أنطولوجيّة أي عن الفرق الذي يميز بين نوعين من الموجودات أو أكثر كالقسمة الأفلاطونيّة بين عالم المُثل " جمع مثال أي القيم جمع قيمة " والعالم المحسوس، فهي قسمة أنطولوجيّة باعتبار أنّ وجود الُمثل ليس من نفس قبيل وجود المحسوسات. ويمكن أن نقابل بين المبحث الأنطولوجي والمبحث الإبستمولوجي الذي يتٌخذ من المعرفة موضوعا له ويمكن أن يتعلٌق الأمر بالمعرفة بوجه عام، أو بالمعرفة العلميٌ بوجه خاص. ويمكن أن نميٌز بين المبحث الأنطولوجي أي ذاك الذي يتناول الأشياء من حيث وجودها، مثل أن نقول " العقل جوهر بسيط مفارق". والمبحث الإبستمولوجي وهو الذي يختصٌ بدراسة المعرفة مثل أن نقول العقل هو ملكة إدراك الأفكار المجرٌدة. والإبستمولوجيا هيٌ لفظ مكوٌن من لفظين يونانيٌين "إبستمي" :  أي المعرفة والعلم. و"لوقوس" : أي البحث والدّراسة.

[7] -. فاروق يوسف "القدس العربي" (لندن)، 10/7/2005

 

[8] - مرور سريع وخلود دائم في عالم القصة / أكرم الشيخ مهدي مقلد /جريدة  "الجريدة " / العراقية7 آب 2009 / على النت

 

[9] - جمال الغيطاني "أخبار الأدب" (القاهرة)، 5/7/2005