فاز سلفادور أليندي!!

أسبوعين 4 أيام ago

بيتر كورنبلو ...ترجمة عادل حبه

إنه موجز لكتاب حرره بيتر كورنبلو بمناسبة الذكرى الخمسين لإنتخاب سلفادور أليندي رئيساً لجمهورية تشيلي. لقد جرى تحرير الكتاب بعد رفع السرية عن السجلات الخاصة بردود فعل الولايات المتحدة على أول انتخابات حرة لزعيم اشتراكي في الرابع من أيلول عام 1970. وقد أبلغ السفير الأمريكي أدوارد كوري في تشيلي الإدارة الأمريكية ببرقية مستعجلة قال فيها:" فاز سلفادور أليندي". وتبعاً لذلك عملت إدارة نيكسون-كيسنجر، كما تكشف الوثائق الرسمية، على التدخل في تشيلي وأصدرا التعليمات بشأن الإطاحة بالرئيس الاشتراكي الجديد بالتعاون مع الحكم في البرازيل ودول أخرى مجاورة تابعة للولايات المتحدة، والذي تتوج بالإنقالب العسكري واغتيال الرئيس الشيلي في الحادي عشر من أيلول عام 1973.

في الذكرى الخمسين لانتخاب سلفادور أليندي في تشيلي الذي غيّر التاريخ ، نشر أرشيف الأمن القومي الأمريكي اليوم مجموعة مختارة من الوثائق التي رفعت عنها السرية، والتي تسجل رد فعل المسؤولين الأمريكيين على أول انتخاب ديمقراطي لزعيم اشتراكي في أمريكا اللاتينية أو في أي بلد آخر. فمنذ أوائل السبعينيات، خصص صانعو السياسة الأمريكية عشرات الملايين من الدولارات كمساعدات علنية وأعمال سرية لمنع انتخاب الرئيس الشعبي للحزب الاشتراكي التشيلي. لقد أدى انتصار أليندي إلى بذل جهود محمومة أمر بها الرئيس نيكسون ، وأشرف عليها مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر، ونفذته وكالة المخابرات المركزية، لزعزعة استقرار تشيلي وتقويض قدرة أليندي على الحكم. وهو جهد مهد الطريق لأحداث الحادي عشر من أيلول عام 1973، في انقلاب عسكري بقيادة الجنرال أوجوستو بينوشيه. وقتها قال كيسنجر لكبار مساعديه: "لا أفهم السبب في الوقوف متفرجًين ونحن نشاهد بلداً يتحول إلى دولة شيوعية بسبب عدم الإحساس بالمسؤولية من قبل شعبها".

قبل الانتخابات، اعتقد المسؤولون الأمريكيون في وكالة المخابرات المركزية إن بالإمكان النجاح عبر تنفيذ ما سمي بـ"عمليات إفساد" لتقويض شعبية أليندي قبل الانتخابات. ففي محادثة سرية مع الرئيس التشيلي الديمقراطي المسيحي إدواردو فراي مساء يوم 3 ايلول عام 1970 ، توقع السفير الأمريكي أدوارد كوري أن مرشح الحزب الوطني المحافظ، خورخي أليساندري، سيهزم أمام أليندي في مرحلة السباق الثلاثي. وعندما سأل فراي عمن سيفوز ، فأجاب: " إنني أعتقد أن أليساندري سيحصل على ما لا يقل عن 38 في المائة، وأن أليندي لا يمكن أن يأمل في الواقع بأكثر من 35 في المائة، وأن المرشح الديمقراطي المسيحي، رادوميرو" قد يفاجئ توميش الماركسيين في المرتبة الثانية، مما يجعله الأكثر قرباً من اللفوز بالرئاسة". في الواقع ، فاز الليندي بفارق ضئيل على أليساندري بنسبة 36.3 في المائة من الأصوات. وجاء توميتش في المركز الثالث بفارق كبير.

لقد قدم السفير كوري ما لا يقل عن ثمانية عشر تقريراً إلى الإدارة الأمريكية يوم الاقتراع في الرابع من أيلول. ويشير التقرير رقم 1 إلى وجود إقبال "كبير جدًا" على الانتخابات"بدون وقوع أي حوادث تذكر" ، مع التزام الشيليين بالتصويت لدرجة أن مرضى المستشفى "يتم إحضارهم إلى صناديق الاقتراع، ويبدو أن بعضهم كان يلفظ أنفاسه الأخيرة ا...". وعندما أصبح انتصار أليندي الضيق واضحاً، تغيرت لهجة تقارير كوري من التندر والسخرية إلى الإدانة الغاضبة للثقافة السياسية في تشيلي، التي وفرت الأجواء لانتخاب أليندي الديمقراطي ثم القبول المدني به.

عندما تم رفع السرية عن برقية "Allende Wins" لأول مرة منذ أكثر من 25 عاماً ، تم تنقيح الفقرة الثانية بالكامل. ولكن ما أن رفع ت السرية في الآونة الأخيرة عن سلسلة وثائق العلاقات الخارجية للولايات المتحدة (FRUS) التابعة لوزارة الخارجية، بدا أن الرقابة لم تكن تهدف إلى حماية معلومات الأمن القومي الحساسة، ولكن بدلاً من ذلك السعي لإخفاء الطبيعة الميلودرامية المهينة بشكل مذل لآراء السفير. لنقرأ الرسم البياني المنقح للسفير: "كنا نعيش مع جثة في وسطنا لبعض الوقت واسمها تشيلي"....."إن التفسخ لا يقلل من الروائح الكريهة جراء الكياسة التي ترافقها. كان بإمكان التشيليين كالمعتاد أن يتحدثوا إلى ما لا نهاية في التلفزيون والراديو وفي الساعات الأولى من اليوم، كما لو أن شيئاً لم يتغير، وتحولت الشاشة من برامج متنوعة إلى طاولات مستديرة للسياسيين بثرثرتهم الحمقاء. يحب التشيليون الموت بسلام وأفواههم مفتوحة".

حتى قبل فرز الأصوات بالكامل، أثار انتخاب أليندي سلسلة من خطط الطوارئ الأمريكية السرية الموجهة نحو منع تنصيبه. ونظراً لعدم فوز أي مرشح بأغلبية الأصوات، فقد ركزت الإستراتيجية الأمريكية صوب التأثير على النتائج في تاريخ 24 تشرين الأول 1970، حين تتم مصادقة الكونغرس التشيلي على الفائز، من خلال الرشوة والاضطراب الاقتصادي، أوالانقلاب العسكري المحتمل. في يوم الانتخابات، قام مكتب كيسنجر بمراجعة خطة سرية للغاية صاغتها "لجنة الأربعين" في المخابرات المركزية التي وافقت على العمليات السرية. ورأت وكالة المخابرات المركزية في البداية أنه "لا توجد فرصة في أن يؤثر أي إجراء من جانب الولايات المتحدة على تصويت الكونجرس التشيلي لهزيمة أليندي" - وهو الموقف الذي رفض نيكسون وكيسنجر قبوله. في اليوم التالي، أرسل مقر وكالة المخابرات المركزية برقية إلى رئيس محطتها في سانتياغو يطلب فيها تقييم "فرص هزيمة انتصار الليندي".

أثارت مقترحات التدخل السري في الشؤون السياسية في تشيلي نقاشاً قصيراً داخل إدارة نيكسون. وناقش فيرون "بيت" فكي ، مسؤول وزارة الخارجية المكلف بمكتب كيسنجر ، بأن الجهود المبذولة لرشوة أعضاء الكونجرس التشيلي، إذا تم الكشف عنها، "فسيكون وقعها كارثياً بالنسبة للإدارة الأمريكية، وعلى غرار مغامرة خليج الخنازير". استخدم ويمبرلي كور من مكتب الاستخبارات والبحوث أيضاً عبارة "خليج الخنازير" عندما طرح "وجهة نظره الشخصية" حول "العمليات المقترحة ما بعد الرابع من أيلول". وعبر كوير أن "رشوة" الجهاز الداخلي التشيلي هو "خارج حدود الإمكانيات" وسيلحق الأذى بسمعتنا وفاعليتنا في أمريكا اللاتينية (دون الإشارة إلى سمعة الحكومة الأمريكية بين المواطنين الأمريكان)، وبشكل أشد من آثار خليج الخنازير. وصرح وزير الخارجية ويليام روجرز في مكالمة هاتفية مع كيسنجر: "بعد كل ما قلناه حول الانتخابات ، فإذا حاولت الولايات المتحدة منع العملية الدستورية ومنعت الولايات المتحدة فوز شيوعي، فسينظر العالم إلينا بنظرات سيئة".

رفض كل من نيكسون وكيسنجر هذه الحجج، بالإضافة إلى الموقف الأوسع لوزارة الخارجية الذي طالب بوضع خطة مؤقتة للتعامل مع أليندي وأن يجري السعي لتعزيز المعارضة في الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 1976. في 12 أيلول، جرت مناقشة انتخاب أليندي عبر الهاتف. وسأل نيكسون: "هل تريد الدولة تقديم المساعدة لتشيلي؟" ورد كيسنجر واصفاً موقف وزارة الخارجية قائلاً: "دع أليندي [كذا] يأتي ويرى ما نعمل ضده ونعمل على معارضته"، "مثل ما عملنا ضد كاسترو؟ وفي حالة الجيك".. وأجاب نيكسون قائلاً" نفس الأشخاص ونفس الشيء. وأوعز الرئيس لكيسنجر، "لا تدعهم ينجحوا في مسعاهم".

بعد ثلاثة أيام وفي 15 من أيلول 1970 ، أعطى نيكسون أمرًا صريحًا لمدير وكالة المخابرات المركزية ريتشارد هيلمز الأوامر للقيام بانقلاب عسكري في تشيلي من أجل منع تنصيب أليندي.

تذكرنا هذه الوثائق بأن انتخاب أليندي كان نقطة تحول، ليس فقط في تاريخ تشيلي وأمريكا اللاتينية ولكن في الولايات المتحدة وتاريخ العالم . وأشار بيتر كورنبلو، الذي يدير مشروع وثائق تشيلي التابع للأرشيف، "بعد نصف قرن، لا تزال ردود فعل إدارة نيكسون الإمبريالية لانتخابات أليندي الديمقراطية تلقى صدى."

ومع حلول الذكرى السنوية الخمسين للعمليات السرية الأمريكية في تشيلي، سيستمر أرشيف الأمن القومي في الأسابيع والأشهر المقبلة بنشر الوثائق التي تلقي الضوء على هذه الأحداث التاريخية.

 

----------------------------------------------------------------

*بيتر كورنبلو (مواليد 1956) هو مدير مشروع توثيق تشيلي التابع لأرشيف الأمن القومي ومشروع توثيق كوبا. لعب دورًا كبيرًا في حملة رفع السرية عن الوثائق الحكومية ، عبر قانون حرية المعلومات، المتعلقة بتاريخ دعم الحكومة الأمريكية للإنقلابات.