الوطنية المتعذره وتتفيه العراق؟(1/2)

أسبوعين 5 أيام ago

عبدالاميرالركابي:تعذر على العراق في العصر المعروف بالحديث ان يشهد انبثاق "وطنية عراقية"، ومن ثم حركة مطابقة لها ولاشتراطاتها، وماهو موكول لالياتها، يعود السبب في ذلك لطبيعته التكوينيه وبنيته، كما لنمط الاليات الناظمة لتاريخه، بحكم كونه تاريخا خاضعا لقانون الدورات والانقطاعات، الامر الذي كان قد فرض نوعا من التردي الانقطاعي على هذا الجزء الحيوي الفعال من العالم، بالاخص ابان الفترة اللاحقة على 1258 ،يوم انتهت الدورة الإمبراطورية الازدواجية الرافدينيه الثانيه، والتي استمرت مفاعيلها بنيويا الى القرن السادس عشر، لتشهد البلاد وقتها، ومن حينه، بدايات عودة تشكل تاريخي ثالث، ضمن اشتراطات استثنائية غير معروفة، ولا شهد العراق مايشابهها خلال الدورتينالسالفتين، الأولى السومرية البابلية الابراهيميه، والثانية العباسية القرمطية الانتظارية.
فالعراق لم يسبق له ان عرف ابان الدورتين المنصرمتين، حالة من التشكل ضمن اشتراطات إعاقة برانيه مضادة، ذلك لان تشكله الأول الامبراطوري الاكدي البابلي/ ووجهه الاخر، الابراهيمي، تحقق ضمن اشتراطات اسبقية التبلور"الحضاري" الزمنيه، مقارنه بالمحيط وبقية التكوينات والدوائر الحضارية المجاورة، في حين وقع الصعود الثاني ضمن عملية تمهيد شامل بالأخص الى الشرق، تكفل بها الفتح الجزيري، في حين بدات التبلورات الأولى من تشكل العراق الحديث تحت وطاة الحضور العثماني، بعد سلسله من االسلالات الحاكمه لبغداد كموقع منهار متبق من الدورة الإمبراطورية الثانيه، وفي حين عرف التشكل الوطني حقبتين، قبليه، وانتظارية دينيه، تناوبتا على العراق الأسفل، موضع الفعاليه الأعلى والاكثر ديناميه بحكم تركز الاليات المجتمعية التصيريه، فقد اتبعت تناوبات الإعاقة للتشكل الامبراطوري التقليدي البنيوي، بالحضور الأوربي الغربي الحداثي الانقلابي، الطاغي نموذجا وتفكرا على مستوى المعمورة.
وقتها ومع اتجاه الغرب الاستعماري لتكريس"الكيانيه/ الوطنيه" بحسب النموذج الغربي المكرس عالميا، ظهرت مجاميع من الأشخاص متناغمه مع إيقاع الظروف المستجده، تتبنى "الحداثة" بغض النظر عن الانتماء، او الذهاب الى ماهو من قبيل الاستحالة: كأن تجعل همها الأول تحديث ذاتها الوطنية، بالانكباب على تكوينها وبنية المكان الذي تنتمي اليه، ناهيك عن الانتماء أصلا تفكرا ووجودا للعراق الحديث، كما هو قائم فعلا وواقعا بحسب الحال الحاصل منذ القرن السادس عشر انطلاقا من سومر الحديثة، "المنتفك"، ومن ثم مدينة دولة اللادولة "النجفية"، والاهم من ذلك وفوقه، محاكاة الضرورة الكبرى التاريخيه، ممثلة في اكتشاف المضمر التكويني الذي مرت دورتان تاريخيتان، تعذر خلالهما كشف النقاب عنه، وبقي مهمه معلقة تنتظر الانبلاج على يد أبناء مابين النهرين، الامر المتوقع تحققة في الدورة الراهنه الثالثة من تاريخ بلاد الازدواج الامبراطوري التاريخي.
كتب احد اهم منظري الاستعمار الإنكليزي، واحد كوادر حملة الإمبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس عن العراق يقول : "فقد جظيت المدونات القديمه عن العراق، ومدونات القرون الوسطى عنه، منذ القدم، وماتزال تحظى بعناية الاثاريين والمؤرخين التي تليق بمهد حضارة الانسان، وبمركز يعد من اهم مراكز الامبراطوريات القديمه، وباصقاع مر بها كبار القاده من الاغريق والرومان، وبمشهد مجد الإسلام ومفاخره في زمن العباسيين. لكن هذه الشهره العريقة في القدم قد خابت خيبة لامثيل لها في ان تستجلب نظرة من العطف الغريب النادر على التقلبات التي تلت تلك العهود والاهوال التي كابدتها البلاد. فقد نفر عصر الفقر، والفوضوية والإهمال الطويل، الذي اعقب غزو المغول للبلاد، مؤرخي حمورابي وكويرش ومؤرخي سلوقس وخسرو وهارون على حد سواء، فغمرت تاريخ العراق ظلمات مختلفة الدياجير منذ الساعة التي انطفا فيها نور الخلافة الوهاج حتى القرن الحاضر" (1) ولن نجد أي نص كتبه عراقي من الصنف الذي ينسب نفسه للحداثة على الاطلاق، يمكن ان يقارب وان من بعيد، مثل هذه اللوحة الحرية بالتوقف، وباعمال العقل بناء على منهجيات الحداثة نفسها بالدرجة الاولى، استنادا لماانتجته من علوم ونظريات، بحثا عما قد مر من بين تضاعيف هذا التاريخ اللافت الاستثنائي بكل المقاييس، ولم يرفع عنه النقاب، وكان وراء هذا النوع من الحضور والفعالية التاريخية.
هنا كانت الوطنيه تتمثل كتحد تاريخي، ابان لحظة اضافت لاسباب الإعاقة الخارجية الراهنه، عنصرا اخر "داخلي"، تمثل في "الوطنية الايديلوجية، المؤسسة على فبركة عراق ملوي عنقه، مع اجباره على الرضوخ لنموذج الغرب وبنيته، بالتلفيق، وبتزوير الوقائع والواقع، وترويج شعارات ومفاهيم لااساس لها، ولاوجود لما يدعمها بنيويا وتاريخيا من نوع " الاشتراكية" و "الديمقراطية"، و "والقومية" الرائجه في الغرب، ومنطبقة على نموذجه الراهن، بعد الثورة البرجوازية الاليه المصنعية. على هذا الأساس يصير العراق "طبقيا"، وفيه طبقات وجدت مع المشاريع التي احتاجها الاحتلال لاغراضه اللوجستيه والاقتصادية، وهو بلد بكيان شرعي، او ان القائم فيه تعبير عن حقيقة تاريخية وواقعية، كما يصرالاحتلال على القول، تكريسا لحالة ركبت من خارج النصاب الاجتماعي، وخارج مجرى عملية "التشكل الوطني" عام 1921 ، الغرض منها تامين استمرار النفوذ البريطاني في العراق بظل احتمالية تعذر، اظهرتها تجربة الثورة التحولية العراقية الأولى الحديثة في 31 حزيران 1920.
تشترط وطنيه الفبركة، تتفيه العراق والحط من حقيقته التاريخيه كشرط لادخاله حظيرة السائد الغربي، ولاجل اخضاعه له ولنمطه الغالب، ماقد أحال مسالة "الوطنيه العراقية" الى مابعد طور الفبركة الحزبية الايديلوجية الاسقاطية، وادمج هذه بمجمل العدة الغربية المعيقة، بغض النظر عن الخطاب الذي ترتكز اليه كقوى مضادة للحظور الاستعماري ( هي أصلا وتصنيفا قوى الوطنيه المضادة للاستعمار والتي ترتكز في وجودها لهذا الجانب لا الى مقتضيات ودفع الاليات الوطنيه كما سبق الذكر في مقالات سابقة)، الامر الذي كان قد كرسته عالميا، حالة الازدواج القطبي الغربي الحديث منذ ثورة أكتوبر الروسية، بما طبع تاريخ العراق بطابع الكيانيه الإمبراطورية المعاقه من الخارج، ومنح دورتهاالحالية اشتراطات جديده استثنائية، قياسا للدورتين الأولى والثانيه.
في العصر الحديث الأوربي، مع الدورة، او المرحلة "البرجوازية" الالية، قارب العقل الغربي تجاوز القصور العقلي بإزاء الظاهرة المجتمعية ومضمرها، وهو القصور الذي ظل حاضرا طيلة تاريخ المجتمعية الاوربية الانشطارية الطبقية، والظاهرة المجتمعية بالاجمال، مع القرن التاسع عشر، وعند منتصفه، بظهور "علم الاجتماع" الذي تصير المجتمعية معه الى موضوع قابل للفحص، في حين بدا وكان نظرية كاشفة عن سر وقوانين التاريخ الطبقي، قد وجدت وقتها مع ماركس و" ماديته التاريخيه"، وحتميته، الموكولة ل "الصراع الطبقي" والحضور الارادي البشري البروليتاري، ونظرية الثورة، وكما هو حال وموقع الغرب الحديث فقد قامت النظرية آنفه الذكر على تعميم الظاهرة الغربية على المعمورة، جاعلة العالم كله محكوما للمراحليه التاريخيه وصراع الطبقات، الامر الذي كان متوقعا أولا لناحية جدة واولية حالة تخلص العقل من وطاة القصور التاريخي إزاء الظاهرة المجتمعية، بالإضافة لاحكام والشروط المتاحة للممكنات العقلية الماركسه والاوربية المتاتيه من بنيتها الأحادية، المحدودة، بغض النظر عن عمل العبقرية داخلها وضمن النطاق الأحادي.
الازدواج او الانشطار المجتمعي المقابل، والاسبق مقارنه بالاوربي، كتب له ان يوجد اليوم امام مهمة من ذات الصنف، وان كانت مختلفة دلالة و ابعد نتائج على المستوى الكوكبي، الامر الذي ارتبط بالاليات وبتتابعات "التفارقية الرباعيه"، وبعد اجتياز ثلاثة فصول اشتمل عليها التشكل الوطني العراقي الحديث: قبلية، وانتظارية، وايديلوجة حزبية، مع كل مايلازمها ويواكب حضورها، وحضور القوى المحفزه والمؤثرة فيها انعكاسا، وصولا الى الازمه الكبرى الشاملة، ودخول عالم وزمن "فك الازدواج" عراقيا، مع انتفاء أسباب ومحركات المجتمعية الأحادية العليا، البابلية العباسية القديمه، والمفبركة "الحديثة"، وتباطؤ فعل الاطار الأسفل، اطار اللادولة التاريخي غير القابل للتجسد ارضويا، بمقابل حلول زمن ثان من "العيش على حافة الفناء" الشامل لارض الرافدين برمتها راهنا، بعد ان كان مقتصرا تاريخيا على ارض السواد حصرا، بانتظار"نظريته" الممثلة في "التحولية" وكشف النقاب عن الازدواج المجتمعي والياته والغرض النهائي منه، وعن تعددية الأنماط المجتمعية المستمرة غائبة الى الان، خارج الإحاطة العقلية.(2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ستيفن همسلي لونكريك/ أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث/ نقله للعربيه جعفر الخياط/ الطبعة الخامسه/ دار الكتاب/ ص 9.
(2) يتوقف علم الاجتماع الغربي الحديث دون التوصل الى حقيقة ونوع الأنماط
المجتمعية التي تعرفها الظاهرة المجتمعية، معتمدة الاعتقاء باحادية تلك الأنماط
التي هي : نمط ازدواج مجتمعي رافدين فريد في نوعه. ونمط احادي دوله اعرق اشكاله النيلي المصري، واعلاها ديناميه وتركيبا، الأوربي الانشطاري الأوربي، واحادية لادولة معروفه في أمريكا قبل الاستيطان الغربي، وأستراليا والانكا والمايا والازتك الامريكيه اللاتينيه، اعلاها ديناميه وفعاليه نمط الجزيرة العربية الاحترابي الاستثنائي الخاضع لاقتصاد الغزو، والقتال وسيلة للعيش بديلا عن العمل، مع نافذه وسطى لحفظ التوازن، تجارية قاريه.