انكشاف مرعب

أسبوعين 3 أيام ago

نهلة الشهال*

هل يمكن تلمّس مخارج للانحطاط الذي يغرق فيه لبنان؟ وبأي شروط؟ لا بدّ، مهما كان ذلك صعباً. ولعل تعيين مختلف جوانب المشكل، بما فيه المسؤولية التي تقع على عاتق قوى التغيير، يكون هو أحد مداخل ذلك الطريق.

من أين نبدأ؟ في المصائب والشدائد يلتفت المرء إلى نفسه، إلى أضيق إطار حوله، ويعجز عن الاهتمام بسوى ذلك. لبنان إذاً، وهو في دائرة خطر غير مسبوق. مرّ البلد بمحن كثيرة في تاريخه الحديث، أو منذ نشأته ككيان، ولكن هذا الذي يجري اليوم – وهو ليس ابن ساعته – يفوقها جميعاً. يفوق "الميني" حرب الأهلية التي انفجرت في 1958، لأنه كان هناك حينها من يمكنه أن يرتّب المخارج منها: جمال عبد الناصر كزعيم نافذ من جهة، وطبقة من السياسيين والاقتصاديين اللبنانيين لديهم تعريف (برجوازي خدماتي الخ... لدورهم ودور البلد، لكنه موجود وكانوا يؤمنون به)، أمكنهم التوافق على تنصيب قائد الجيش وقتها، الجنرال فؤاد شهاب، على رأس الدولة من جهة أخرى. وهو، لست سنوات، أرسى ما توفر للبنان من مؤسسات دولة. ويُلحظ اليوم، وسط المعمعة التي ندور فيها، كم تُستعاد ذكرى هذا الرئيس، لجهة نظافة كفه إلى حد العيش بالكفاف – وهي حقيقة – أكثر بكثير مما يُلتفت إلى منجزاته ومفهومه للدولة، مع أن تلك السنوات الست قد كانت استثنائية لهذه الجهة.

لكن التركيز اليوم على الاستقامة وتوالي رواية القصص و"الوقائع" عن فقر الرئيس شهاب وزوجته من بعده، يدل على مقدار الشعور العام بالغرق وسط فساد لا يعرف حدوداً، بينما المفتقَد في لبنان ليس نظافة الكف فحسب، بل أيضاً الكفاءة أولاً، والالتزام بمفهوم المصلحة العامة ثانياً.. أيّاً كان هذا المفهوم! إذ يمكن النقاش في تعريفه، وهناك ولا بد اختلافات شديدة حوله، ولكن فليوجد المعيار بداية، ثم نتصارع حوله!

حتى الحرب الأهلية المديدة 1975-1990 فقد كان لها "قوام"! داخل البلد وفي محيطه وفي العالم. أما حالة التفكك والانحطاط الحالية فلا يشابهها شيء. وهي للأمانة بدأت مع نهاية تلك الحرب الأهلية، وتأسست على الخفة المريعة لمشروع حمله رفيق الحريري في حينه - أو هو صُنع من أجل حمله - يَفترض أن هناك سلاماً شاملاً ووشيكاً مع إسرائيل. ليس السلام وحده ما لم يأتِ، بل تغيّر العالم: انهار المعسكر الاشتراكي ومعه الاتحاد السوفييتي، وحدثت حروب طاحنة في المنطقة تلتها احتلالات ثم فوضى عارمة، واغتيل في الأثناء رفيق الحريري، وانسحبت القوات السورية بعد 30 عاماً من استباحة البلد. وأفلت قارب لبنان من كل بوصلة، وسط عدم اكتراث عام، لولا بعض بقايا اهتمام فرنسي بالبلد الصغير، الذي فقد كل مزاياه وافتقد لأيّة أهمية، ربما سوى احتضانه لكتلة مسيحية ما زالت قائمة فيه، وتشكل استثناءً بالمقارنة مع الكارثة التي لحقت بالمسيحيين في المنطقة (هم صاروا 2 في المئة في فلسطين، وهبطت نسبهم بشكل دراماتيكي في سوريا والعراق..)، ووجود حزب الله كمليشيا مسلحة بشكل ثقيل، ومتنفذة، يمكن أن تُمثّل تهديداً مزعجاً لإسرائيل ويمكن أن تلعب، بالوكالة وحسب الظروف، أدواراً ضاغطة..

وهكذا صارت "اللعبة" المضجرة والعقيمة تدور حول الاستقطاب الشيعي – السني، ترافقه ملحقات مسيحية للقطبين. وهي مستمرة لهواة النوع حتى اليوم، بينما صار توظيفها بائخاً وبدائياً. وفي الأثناء تَدجّن حزب الله نفسه، وحجّمته (بمعنى السمعة عموماً والهالة حتى في بيئته، وليس القوة المادية) انتفاضة تشرين الأول 2019 التي استمرت حتى اجتياح وباء كورونا للعالم.

انتفاضة تشرين تلك، كانت عنواناً للغضب العارم والمشروع تماماً حيال انكشاف السرقة المديدة التي قامت بها السلطة والمصرف المركزي والبنوك. سرقة الليرة اللبنانية وودائع المواطنين، وترك مؤسسات البلد تنهار وتذهب إلى الجحيم: الصحة والتعليم والكهرباء والطرقات والسكن والأجور.. كل شيء.

هناك مليونٌ ونيف من المودِعين – أكثر من نصف الحسابات المسجلة - لا تتجاوز ودائع وادخارات كل منهم بضع آلاف قليلة من الدولارات المحبوسة عنهم في البنوك، أو هي بالليرة اللبنانية التي انهارت قيمتها الشرائية. وهي ليست سرقة بالمعنى البسيط المباشر فحسب، بل هندسات – كما صارت تسمى – جعلت الدين العام يرتفع إلى حد العجز العام، في وقت لم يُنجز - على الإطلاق - أي مشروع إصلاحي يبرر المساعدات التي قُدمت للبنان أو القروض أو الهبات..

يقول حاكم المصرف المركزي في آخر مداخلاته الغامضة، أن المصرف أعطى الدولة أموالاً مغطاة كلها بالقوانين المعمول بها، وبالأصول المتبعة، وإلا فبقرارات سلطوية قام بتنفيذها (ما يوحي بأنه فعل مجبراً). أعطاها المال وليس هو من صرفه! ما معنى ذلك؟ كيف وماذا يفهم اللبنانيون الذين يجدون أنفسهم، وقد صارت ليرتهم لا تساوي شيئاً، فيما المنظومة المصرفية معطلة، أو تعمل وفق معادلة غامضة هي الأخرى.

ويتصارع من يسمّون أنفسهم أو يسميهم الناس ب"السياسيين" فيما بينهم. بلا حياء، مع أنهم جميعاً، عدا الفساد المريع الذي يُتهَمون به علناً (ولا يخجلون منه، ولا يشعرون بالإهانة)، أبرزوا قدراً من التفاهة وانعدام الخيال السياسي لا تعادله سوى صغائرهم التي لا يبدو أنهم يدركون بشاعتها. "كلن يعني كلن" . ما معنى لقاء رؤساء الوزراء السابقين (لمن ليس لبنانياً ولا يعرف "الطبخة"، فهؤلاء "زعماء السنة")، وبينهم ما صنع الحدّاد، ولكنهم يتكتلون بوجه شخصية طارئة هي رئيس الوزراء الحالي، ويحاولون تحميله وزر وضع تراكم على أياديهم.. ما لا يعني أن الأخير من طينة مختلفة. وبكل الأحوال فالمسألة أبعد من الأشخاص وخصائصهم، ومن الأفراد بالطبع، ولو أن لتلك الخصائص قيمتها في ظل الانحطاط العام القائم. "يحاسبون" الرجل على ما يدّعون أنه فشله، وقد يكون من بينهم من يمكنه العبث ولو قليلاً بمشاعر الناس الغاضبة من بؤسها، وإنْ كان هؤلاء يرددون لأنفسهم "كلن يعني كلن" حتى لا ينسون، أو يستسهلون تحديد عناصر المشكل الذي يواجهونه.

ومثلهم هو حال الطرف المقابل، المسيحي. وأما الطرف الشيعي فقد تمكن تحالف حزب الله وحركة أمل من تحقيق هيمنة على تمثيله الرسمي، إلى حد بعيد، إذ قام بإلغاء التمثيل المتوارَث للإقطاع السياسي التقليدي، وهو ضبط بقدرٍ عال طموحات ونتوءات تظهر من هنا وهناك. ولعل ذلك هو السبب الذي يجعل المعارضين لهذه الزعامة ذات الخصائص المختلفة عن الكتلتين الأُول، يجعلهم ينتمون بكثرة وقوة إلى الموقف اليساري الراديكالي..

إلا أن كل تلك المناورات زوبعة في فنجان. لا تقدم ولا تؤخر في أوضاع البلاد الكارثية، وفي معيش الناس الذين وصلوا إلى حد تفضيل الموت بكورونا على الموت من الجوع.. هذا الجوع الذي يتهددهم بالمعنى الحرفي، وقد خرجت إلى العلن أحشاء بلد كان يقدّم واجهة براقة وخادعة. ولأن اللبنانيين محدودو العدد، ولأن ضعفيهم كان يعمل في الخارج - وبالأخص في دول الخليج، التي انتقلت هي الأخرى إلى معاناة شديدة – أو في أصقاع الأرض الأربعة، فقد تمكنوا من ستر أحوال عائلاتهم بفضل تحويلاتهم. ولكنهم هم أنفسهم صاروا في وضع حرج في كل مكان لأن العالم يضيق. فمن يستر؟

وأما التسول الذي اعتاده المسؤولون اللبنانيون فظهرت حدوده هو الآخر. مصادر المنح ضعفت كثيراً من جهة، ولم يعد لديها مبرر لمد يد العون من جهة أخرى.

وأما الاعتراضات العامة، الواسعة السلمية وتلك الغاضبة والعنيفة، فهي بالطبع مفهومة ومشروعة، بل لكان الموقف سيزداد بشاعة وسوءاً لولا وجودها. لكان مواتاً تاماً قبل الفناء. ولكن القوى السياسية والفكرية التي تواكب الشأن العام وتهتم به، أبانت هي الأخرى عن قصور مذهل في تشخيص ما يجري – ولا يكفي هنا الحديث عن السرّاق يا رفاق، ولا يكفي الغضب كتلخيص للفعل الثوري – وفي ابتداع مقترحات يمكن أن يتكتل الناس خلفها ويتنظمون: بقيت عمومية، والأهم خصوصاً أنها عجزت عن خوض نقاش مثمر بين أطرافها يمكنه أن يبلور توافقات تلاقي رضا الناس وتقنعهم بالحل المقترح.

تصف هذه الكلمات المأزق، تقول أن "النخبة" ليست أبداً بمستوى المصيبة القائمة. سواء كانت النخبة المنتمية إلى الدولة، وإلى النظام القائم، وقد كان هناك على الدوام مخلصون أو وطنيون حتى لو اختلف واحدنا معهم، ولكنهم كانوا يملكون رؤيا ويسعون إليها. أو تلك التي تطمح إلى الحلول محلها.

ولقياس مقدار المهزلة، نستعيد هنا تلك التغريدة التعسة المصحوبة بفيديو، التي طرحها الجيش اللبناني، وتداولتها وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، ثم سُحبت بعدما رآها كل الناس واستهولوا مضمونها: جنود شبان مهندَمون يحملون علباً كرتونية توزعها شاحنة، ويدورون فيها على بيوت الناس في الأحياء الفقيرة في طرابلس – المدينة الثانية في البلاد والتي يعاني 58 المئة من سكانها من وقوفهم عند أو تحت خط الفقر. ثم جندي أصاب رأسه حجر فأدماه. ثم سؤال عاتب: "هل هكذا يكون رد الجميل؟".

الجميل؟؟ من أي قاموس خرج هذا التعبير؟ ولكن والأهم، أي جميل؟ هل مساعدات السلطة للناس الذين أفقرتهم سياساتها منّة، أم هو أقل واجباتها بل ومبرر وجودها أصلاً. يكشف التعبير عن مفهوم لمكانة السلطة ودورها يطابق تماماً رؤيتها لنفسها كإقطاع سياسي، مستقل عن الناس - المواطنين - وله عليهم حق الحياة والموت. وقد شاء سوء حظ الجيش أن تلك التغريدة ظهرت يوم مقتل أحد الشبان المتظاهرين برصاصة حية أصابته خلال قمع الجيش للاحتجاجات في طرابلس.

فمن ورّط الجيش بتلك التغريدة البائسة؟ أي متخلّف صنعها، وكيف لم يعترض سبيلها أحد. والأهم، من ورّط الجيش بالوجود في الحواري والشوارع،يقمع ويهاجم أبناء بلده كما لو كانوا اعداء او كان هو جيش احتلال. يقال أنه لا مؤسسة أخرى قادرة على لعب هذا الدور: لا شرطة ولا درك ولا أمن. يا سلام! هذه مصيبة أكبر. وهي تجسيد بليغ لوضع مؤسسات هذا البلد المنكوب.

هل يمكن تلمّس مخارج؟ وبأي شروط؟ لا بدّ، مهما كان ذلك صعباً. وهي ليست مهمة فردية. ولكن لعل تعيين مختلف جوانب المشكل، بما فيه المسؤولية التي تقع على عاتق قوى التغيير، يكون هو أحد مداخل ذلك الطريق...

يمكن لمشهد انحطاط أوضاع لبنان أن يكون كاشفاً لسواه. فهل العراق مثلاً في حال أفضل، على الرغم من اختلاف المعطيات والاحجام؟ كما يبدو أنه من الممكن قراءة أوضاع بلدان ومجتمعات اخرى من المنطقة على ضوء هذه الملاحظات...

*رئيسة تحرير السفير العربي

وسوم