الوطنية المتعذرة وإلغاء العراق؟/ملحق2

شهر واحد أسبوعين ago

عبدالاميرالركابي
اخطر ماعرفه وواجهه العراق في دورته الحالية الثالثة، توفر اشتراطات الغائه عبر الغاء حضوره المستجد، وليست هذه الناحية غير مسبوقه في تاريخ ارض مابين النهرين، فالمراكز الحاكمه والامبراطورية العراقية خلال الدورات، كانت ميالة بداهة الى تكريس مفهوم الأحادية وكونها الممثل الوحيد للكيانيه، وكانت على الرغم من مخالفة ادعاءاتها تلك للواقع، وعجزها عن بسط سلطتها على عموم العراق، وبالذات على المجال الأسفل ومجتمعيته، ومع المجهودات والإجراءات التي تضطر لاتباعها سدا للنقص او الانتقاص الموضوعي لسلطتها بحكم الازدواج البنيوي، فانها كانت تجد مايعزز موقفها الناجم عن غياب التعبير الأسفل، واستمرارخروج نمط الكيانيه والمجتمعية الازدواجية من دائرة الادراك العقلي، مع غزارة تاريخ الادب الأحادي السلطوي المركز على ذم "اهل العراق"والذي هو بالأحرى "ادب نفي مجتمع اللادولة الأسفل"، ومايعرف بنزوع العراقيين الدائم للتمرد، والخروج على الحكام قد مثل خاصية لازمت وميزت حالة العراق وأهله، دلاله ظاهرية على ماهو ابعد واعمق(1).
ولم يكن هنالك في الماضي وابان الدورتين الأولى والثانيه من سبيل لحل معضله لايمكن تجاوزها الا بالتوافق مع اشتراطاتها، والتاقلم معها، الامر الذي كان من شانه فرض "قانون الانتقاص" من اعلى، وحوله لخاصية ميزت الدول الامبرطورية بنيه وتكوينا واليات.خصوصا مع تساوي الادوات المادية المتاحة على مستوى وسائل الحسم الحربي، ونوع السلاح المستخدم من الطرفين، مع امساك المجتمع الأسفل بسلاح إضافي حاسم، كونه موضع الإنتاجية ومصدر الريع الزراعي، الذي هو محور العلاقة الأساسي بين الطرفين القابل للحجب وسط اشتراطات إنتاجية بيئية قاهرة، وسائرة على حافة الاستحالة أصلا، مايجعل للمنتجين المشاعيين هنا نفس قدرة البروليتاريا الاوربية كما صورها ماركس، واكثر،حين قال بانها قادرة على ان تزيح كتفها من تحت هيكل الإنتاج فتتسبب في تدميره.
كل هذاكان قد لازم دورتين ازدواجيتين رافدينيتين، مع انهما نشأتا وتشكلتا ضمن اشتراطات مؤاتيه على صعيد الأفق الامبراطوري المتاح والمفتوح، للاسبقية التاريخيه في الدورة الأولى والفتح الجزيري التمهيدي في الثانيه، الامر الذي وجدت الدورة الثالثة الحالية ضمن اشتراطات مخالفة له كليا من ناحيتين، الأولى وتمثلت ابتداء باستمراروقوع ارض الرافدين تحت وطاة السلالات والامبراطوريات المتعاقبة منذ عام 1258 يوم سقوط عاصمة الإمبراطورية العباسية القرمطية الانتظارية، من ناحية، وهو ماكان قد تجسد في تحول بغداد الى مركز توضع للحكومات البرانية، بما يمنحها من الناحية الرمزية، تصورا كاذبا عن حكم العراق باجمعه، بتجاهل كونها حاكمه لماتبقى من عاصمة الإمبراطورية المنهارة، اضافه لمتغير أساسي وهام للغاية، طرا على التوازنات، بالاخص مع القرنين الأخيرين مع التغير الحاسم الذي وقع مع حدث الثورة الصناعية الالية الغربية، ودخول السلاح الحديث وبداياته على خط المجابهة المستمرة، وهو ماقد تجلى بأكثر اشكاله كحضور مبكر، أيام داود باشا الوالي الجبار، واخر وختام سلسلة الولاة المماليك 1817/1831 الذي يشبّه احاديا ومن دون مبرر واقعي بمحمد على في مصر، لانه قد يذكر به شكلا، وقد اقام جيشا من مائة الف، واسس للصناعات الحربية والمدفعية، وحاول الابحاء باتفاق حكمه مع إيقاع مايسمى ب "عصر النهضة" وبدايات التصادم مع طلائع النفوذ الغربي بوجهه التجاري الإنكليزي (1).
ويجري هنا كما عند محاولة النظر لتاريخ العراق الحديث، اغفال تام للمحركات والأسباب الفعليه والاليات، بحيث يصل الامر درجة مريعه من مخالفة ابسط الحقائق، مع الميل العمد، وكانما المقصود لمحو أي اثر للعراق الحقيقي، وفي حين ينظر لتاريخ المنطقة المعروفة بالعربية وماجاورها شرقا،في القرون الثلاثة السابقة على القرن العشرين، وماقبل بقليل، بالإشارة الى الصفوية، والعثمانية ابتداء، والوهابية، ومحمد علي شرق متوسطيا، يهمل كليا أي حضور للعراق وبدء تشكله الحديث كما تمثل بالمنتفك واتحادها القبلي، الأهم واقعا وعمليا وحضورا وانتسابا الى الحاضر بما لايقاس من الحركة الوهابية، ومن الدلالة التي يتضمنها، قياسا بظاهرة وتجربة محمد علي المنقولة الفوقانية، المنتمية للطور او الدورة التاريخيه الثانية ومتبقاياتها، والأخطر من ذلك الإصرار على اعتبار بغداد هي العراق، وان كانت في حالة دلالة رمزية صارخة على الانهيار، وانتهاء دورة تاريخيه ومتوالية احتلال، ذلك في حين اختصر العراق الحديث وصعوده التشكلي الراهن بالمعزوفة التي تنسب العراق الناهض، الى البداوة( 2) ولتمرد القبائل وفوضاها المعاكسه للنظام، ولا توطنها، تكرارا لنغمة وشكل الغاء معروف وعريق، لازم خطاب الأحادية المضادةعلى مرالتاريخ، غير ان الافظع في هذا، ان يحول " الدكتور" علي الوردي تخاريف العثمانيين ومن سبقهم ضد العراقيين المشاعيين، ابان زمن الانقطاع التاريخي، الى "نظرية حديثة" في علم الاجتماع.
هذا وبالمقارنة فان الحركة الوهابية السلفية، هي بالأحرى حركة قبلية مخالفة ومعاكسه كينونه وبنية للاصل الذي تدعي بعثة، أي للثورة المحمدية العقيديه، التي اخضعت القبيله للمرة الأولى في تاريخ الجزيرة للعقيدة، لتخلق مجتمعا عقيديا، القبيلة ضمنه تابعا، فهل يمكن مثلا تخيل اطلاق مقولة من نوع "بدات طلائع عودة مايعرف بالعالم العربي للتاريخ في دورة ثالثة كبرى جديدة راهنة مع القرن السادس عشر، من ارض سومر الحديثة، مع قيام اتحاد قبائل المنتفك"؟ وهو مايمكن، لابل من البديهي بحسب العقل الأحادي، احالته الى الجنون، على الاقل خوفا من انكشاف مستوى الخراقة والوهمية، والايغال في العيش خارج الحقيقة التاريخية المسماة زيفا ب "النهضة العربية"، وكل سرديتها الخرافية المتداولة الى اليوم، مع ان الدلائل المعاشة صارت دالة بوضوح، وعلى مدى المنطقة والعراق، على انكشاف حقيقتها، ونوع خراقاتها التي استمرت تحت رعاية الغرب كزمن وهمي لامثيل لمايشبهه تهافتا في التاريخ.
عام 1831 اضطر الاتراك مجبرين الى إزالة معتمدهم المماليكي، مع إعادة احتلال العراق، وكانوا هم قد وجدوا في المماليك قوة وكالة عنهم، تتدبر هي مباشرة امر العراق الصعب وغير القابل للاخضاع، الى ان وجدوها مع "داود باشا" خطرة وتنطوي على احتمالات غير محسوبة، من ناحية اضطرار داود باشا وتحت ضغط المنتفك، لاعتماد أساليب ووسائل قد تدفع للاستقلال، ومن ناحية أخرى ماكانوا قد لمسوه من تعاظم شان المنتفك وبلوغها بغداد، وتنصيبها بقوة حرابها، سعيدا ابن سليمان باشا الكبير، واليا على بغداد، مادفع بدواود باشا وقتها للهرب والالتجاء للشمال عند ال بابان، ليوجه من هنالك رسالته للباب العالي التي يقول فيها نصا : "ان سعيدا قد حكّم العرب اهل الغشامه والجهل"، قبل ان تتسنى له فرصة العودة الى بغداد، وذبح قريبه في حضن امه، واعتلاء سدة الولاية.
ومن يومها دخل فعليا عنصر جديد على التوازنات الازدواجية، تعدى الوسائل المادية والحربيه منها على وجه الخصوص، وصار النموذج الحديث، وأساليب الحكم والإدارة المستحدثة المنقوله عن النموذج الغربي، مع جملة المنجزات الحديثة المماسة للحياة مثل البريد والبرق، ووسائل المواصلات، الترامواي، واشكال الانارة الجديده، وصولا لبناء المدن(3) عنوانا لما يعرف ب "الإصلاح"، و "التقدم"، وبالاجمال، الحداثة واللحاق بالعصر.
ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التقى كل من طه حسين ومحمد حسين الشبيبي في مؤتمر للمجمع العلمي العربي فجه طه حسين إلى الشِّبيبي سوالا يقول : "لماذا كان العراقيون دائماً ثائرين لا يستقرون على حال، ولا يرتضون حاكماً، فقد قرأت تاريخ العراق منذ الفتح الإسلامي حتى الآن، وقلما وجدت حقبة خالية من الفتن والقلاقل"؟! رد الشِّبيبي على مفكر مصر بما يغضب: "أتسمح لي أن أسألك أنا أيضاً؟ لماذا كان المصريون دائماً خانعين خاضعين؟ لقد قرأت تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي وقبله أيضاً، فوجدت المصريين دائماً يسترضون حكامهم مهما جاروا، وطعنوا" فغضب طه حسين مما استدعى تدخل الحضور من المؤتمرين الذين اعتبروا الجواب من جنس السؤال، وهذا مثال على ما هو لازمه صاحبت وتصاحب تاريخ العراق وفصوله يوم لم تكن أسبابها البنيوية التكوينيه قابله للاستيعاء.
(2) راجع/ داود باشا والي بغداد/ دكتورعبدالعزيز سليمان نوار/ المكتبه العربيةـ دار الكتاب العربي للطباعة والنشر/ وزارة الثقافة/ المؤسسة المصرية العامة للتاليف والنشر.
(3) تتجلى الموضوعة المذكورة في "نظرية" على الوردي في "تنازع البداوة والحضارة" الباعثة على التندر، باعتبارها مثالا كاريكاتيريا لمايمكن ان ينتهي اليه الاستشراق والعبودية المفهومية والنموذجية للغرب، في موضع ازدواجي مثل العراق ليس مايعرف ب "علم الاجتماع" الغربي بازائه، سوى مجرد حالة تلمس ابتدائي، يريد الوردي بجهالة مطبقة بكينونته وذاتيته البنيوية التاريخيه، وخضوعه للاحادية المجانبة لظواهر البنيه المجتمعية العراقية، ان يكرهها من موقعه "الاكاديمي" لمقتضيات مايضادها، فينتج حالة من التهافت المريع، والبدائية الفجه كما تتجلى في بعض تعليقاته "التمدنيه" على حدث الثورة الثلاثية 1787كمثال معيب على كل الصعد واولها مايطلق عليه من قبل امثاله ب" العلم" .
ولسنا نعرف كيف يمكن لبلد هو الاعرق تاريخا وحضارة زراعية وبكورة في هذا الميدان ان يكون موضعا بدويا، في حين لم يعثر من بين ملايين اللقى التي اماطت الاحافير عنها تراب القرون، حتى على مجرد لقية لصورة جمل الى جانب الثور المجنح والأسد، وخارطة الكواكب المحيطة بالشمس، أي المجموعه الشمسية بكواكبها، وتعدادها الأكثر دقة من بين كل ماظل العصر الحديث يبحث عنه فلكيا ولم يتثبت منه الا في وقت متاخر.
(4) من اهم منجزات مدحت باشا، بناء مدينه الناصرية 1870، على اسم ناصر السعدون، وادخاله سلك الدولة كأول متصرف للمنتفك، وأول متصرف "عراقي"، مامن شانه توجيه النظر الى الأهمية الاستثنائية التي كان الاتراك يولونها للعراق الأسفل، بالانتقال الى محاولة الحاقة بالمركز البغدادي، الامر الذي يتوافق ويتوازى مع منهجية تغيير شكل ملكية الأرض كسياسة ثابته مطردة.