اسرائيل/ فلسطين والرأسمالية الابراهيميه الامريكيه؟/2

3 أشهر 3 أسابيع ago

عبدالاميرالركابي
وجدت الولايات المتحدة الامريكية كظاهرة مجتمعية خارج التعريف، تستعير تعريفها لنفسها من خارجها ومن ادماجها بماسبقها، ومنذ القرن التاسع عشر مع توكفيل الفرنسي (1) الى جيرار شاليان، و ايمانويل تود، حتى بوغنون، ظل الجانب الأساس الجوهري في العتبة الامريكيه مابعد الراسمالية الغربية، خارج البحث، متعذرا ودالا على قصور العقل الغربي الأوربي، وعلى قوة رغيته في اسباغ نموذجه على غيره، بالذات على ظاهرة ضخمة وصاعدة مثل الأرض الجديدة، ما لايسهم في تكريس القصور الذاتي الامريكي ويمنع او يؤخرالتقاء هذا مع ذاته. واخطر، لابل اكثر ماكان يقع في باب الاستحالة القطعية، ان يتصور الغربيون بان طورهم الراسمالي "الطبقي" تكوينا مجتمعيا، يمكن ان يكون قد جري تجاوزه لصالح مايعتقدون هم بانهم قد انهوا حضوره، واحلوا محله منظورهم ورؤيتهم للحياة والتاريخ باسم العلموية والعقلانيه الفلسفية، والدولة المدنيه، حيث لامكان لما يطلق عليه عالم "الدين"، او دولته السماوية كما امكن،او تيسر لها ان تتجسد ارضويا.
ابعد من ذلك، كان من قبيل الخوارق تصورعودة الراسمالية بمناسبة الظاهرة الامريكية، مفعمه ب"الشرقية الابراهيمه"، خاضعه لاليات مابعد أحادية، ولاوطبقية، مختلفة عن تلك التي حكمت النموذج او النمط الراسمالي التاسيسي، وشكل تجسده في ( الدولة / الامه) التي تصوغ الاخرين على شاكلتها بعد ان تخضعهم، معتمدة مبدأ "صناعة الأمم" التابعة، او من ثم "المتحررة"وفق نموذجها، في وقت قامت الولايات المتحدة تاسيسا واصلا على مبدأ وقاعدة فرض نموذجها المخالف للاوربي على العالم، "ولكي نفهم جيدا سلوك الولايات المتحده حتى أيامنا من هذه الناحية، لابد من اختراق تصورها للأرض والحدود، انه ليس تصور القانون الدولي. ففي رايها، ليس القومية سوى حدود غامضة، متحركة، قابلة للتوسع باستمرار، والكرة الأرضية المقسمه الى دوائر مركزية، بدءا من الأرض الامريكيه حصرا، والمتوسعه باتجاه الخارج، هي رهان على لعبة شطرنجات عملاقة، اما طريقة سير هذا التوسع، غير العسكري حصرا، فهي مرتبطة بثنائية الايديلوجيا: انموذجية شبه صوفيه غازية من جهه، ومن الجهه الثانيه، محو البنى السياسية والاجتماعية والثقافية لكل كيان غير امريكي، وذلك بتحرير السبل التجارية"(2) هذا يعني ان أمريكا قامت أصلا وبخلاف المتداول عما يعرف بظاهرة العولمه، كراسمالية "عولمه" بالكينونه والطبيعية، لاحقة، ومابعد راسمالية مصنعية استعمارية كولونياليه، وان "الاستيطان" بطوره الأول "أمريكيا"،هو لازمه وضرورة لاتتوقف باستيطان أمريكا كلها ومحو شعبها، بما هو مرحلة أولى، لايمكن الحياة والاستمرارمن دون استكمال الطور الثاني منها المتلازم معه، من الاستيطان الشامل للكرة الأرضية.
يقول الرئيس الأمريكي جون ادمز "امبركا هي هذا المكان المحفوظ، هذه الارض المحمية التي تنزاح نحوها الحضارة، وهي مرحلة انتقالية نحوالعالمية، نحو تحرير الأرض بكاملها"(3) ويقول بنجامين فرانكلين من جهته "ان الولايات المتحدة ستكون مولدة لمجتمع عالمي" (4)وليس مانحاول تبيانه بالامر المخطط، او المقصود اراديا، بل هو بنيوي ومتعلق بمسارات الوجود المجتمعي البشري ابان طور "التفارق الرباعي" (5) حيث يصير تعيين نمط ونوع الكيانيه الامريكيه مهمة عقلية استثنائية مؤجلة، لايمكن تبين مسارات الصيرورة البشرية الراهنه من دون تجاوز مايعيق تبلورها، ذلك مع ان فكرة او محاولة بناء الامريكويه ماتزال تعاني من تناقضات فادحة وتضاربات، ومحاولات جمع متناقضات، سببه العجز عن الوصول الى ماهي منتمية له فعلا، وبقوة ونوع حضور قوانين تتعدى ممكنات وعيها الآني لذاتها.
ويجري عمدا غمط الأسس والاصول التي تشابه اللحظة التاسيسية الابراهيمه راهنا مع مسار"الوعد خارج ارضه" التاريخي، وبالذات تلك التي تفصل أمريكا عن بريطانيا اليوم:" بعدما تباعد الامريكيون عن وطنهم الام القديم، إنكلترا، سرعان ما ظهرت الفكرة التي اتخذوها أساسا بديلا مما كانت تمثل لهم إنكلترا. المسافة السياسية بينهما صارت ثقافية ايضا. فمنذ 1770، وقعت القطيعة بين العقول. اذ بدا واضحا للجميع ان الهجرة للقارة الامريكيه الشمالية، مثلما كان بالأمس حال الانكلوسكسون الذين غادروا ضفاف البلطيق ورسوا عند السواحل الانكليزيه، او حال العبرانيين الوافدين الى"الأرض المقدسة"، ستقود الى قطع نهائي.
وسرعان مابان للعيان تفاصل الزمان والمكان. فالاطلسي المكان الواسع المجهول، شكل حاجزا طبيعيا ونفسيا بين اوربا وامريكا، وشجع العزلة المادية. واما على صعيد الزمان، فان هجرة رواد اوربا تندرج في منطق تاريخي رباني، منطق ولادة امة جعلها الله امته حتى تكون أداة مشيئته" (6) مع هذا لن تذهب أمريكا لدرجة الانتساب الى الابراهيمه صراحة، وهي كانت بالأحرى بحاجة ماسة الى الغرب وراسماليته، وصولا لحد التماهي معها حين يتعلق الامر بوسائل وطرق ممارسة الاستيطان الثاني، او الطور الاستيطاني الذي تستمر الولايات المتحدة بممارسته كمجازفة كبرى اجبارية وجودية منذ خروجها الأول باتجاه أمريكا اللاتينيه، حتى حضورها الشامل ابان الحرب العالمية الثانيه، استجابة الى المحرك الأساس الضامن للحمتها الداخلية، وشرط استمرارها الكياني الموحد، بما يجعل مبدا "الاستيطان" واستمراره محورا بحد ذاته، عنصرا أساس ومستجدا، اليه تعود مكرسات وموجبات استمرارالكيانيه.
وفي هذا الباب بالذات لاتنتمي الولايات المتحدة باي شكل كان للنمط او النموذج الأوربي " القومي/ الوطني" والياته ومحركاته الانشطارية الطبقية، مشكلة نموذجا بذاته، استيطاني هجروي، ممزوج بالراسمالية كقوة مستعملة لغير ذاتها الأصل، وقد حورت لخدمة نمط اخر مستقل، الديمقراطية والدولة المدنيه فيه ليست هي نفسها، بقدر ماهي نوع امتزاج، بين ممارسات "لادولة" وجدت وهي "مفقسه خارج رحم التاريخ"، وقواعد وانماط نظم شائعه منتهية الصلاحية، مع انها ماتزال مهيمنه على مستوى المعمورة كمثال.
هكذا تكون الولايات المتحدة "الامبريالية" بحسب تعابير الماركسيين ولنين بالذات في المقدمه، بالأحرى نمط راسمالية مافوق استعمارية، محركها استيطاني عضوي، ناف لغيره ولما هو سائد في العالم، بما في ذلك الذي ولدت هي من "رحمه"، أي اوربا نفسها التي تتعدى الولايات المتحدة نموذجها ونمطها، وتنطوي على أسباب الغائها هي أيضا مع غيرها من بقاع الكوكب، الامر المتضمن في "العولمة" بما هي ليست مجرد تطور راسمالي، بل مرحلة من تجلي الراسمالية، مرتبطة بظهور الكيانية الامريكيه أصلا، ظلت تواكب نشاتها، الى ان امكن لها ان تتجسد لتسيطر في نهاية المطاف عالميا، بصفتها مايمكن ان نطلق عليه "الراسمالية الاستيطانيه"، بغض النظر عن الفارق بين النزوع الضمني، والادعاء الظاهري.
وجدت المجتمعيه البشرية في المبتدا الأصل في ارض الرافدين، "ازدواجية"، ارضوية، و لا ارضوية، متعذر تجسدها الارضوي، تذهب للتجسد سماويا ضمن اشتراطات غلبه الارضوية ودولتها، وانتهت اليوم بصيغة "ازدواج" ابراهيمي راسمالي متداخل، بمحرك استيطاني بمرحلتين، امريكي قاري تأسيسا، ثم كوكبي. وكما تبلورت الابراهيمه في حماة الصراعية مع الاكدية والبابلية الشرائعية الحامورابية، قبل ان تقرراستراتيجيا التخلص من وطاة المنفى الداخلي الاشوري بشعار "الوعد خارج ارضه"، هاجر البيورتانيون من بابل / إنكلترا، الى "ارض الميعاد"، ليفنوا اهل الأرض التي وطاتها اقدامهم، وهم يحملون مطحنة الراسمالية المدمجه بشعار الامه المكلفة بتغيير الأمم/ بمحوها، واحلال "إرادة اللهّ!!!" ومشيئته على الأرض.
على الصعيد البنيوي لاتنتمي أمريكا لنمط "الراسمالية المصنعية"، وهي تكاد تكون موجودة بصيغتها التي وجدت عليها أصلا لكي تعبر بالراسمالية الى الفصل "التكنولوجي"، المتلائم مع بنيتها وشكل فعاليتها، وادائها لما هي متصورة إياه كدور مكتوب عليها الاضطلاع به، وهذا الجانب على وجه التحديد، ليس من قبيل الانتقالات التي يمكن ادراجها ضمن مسارات المجتمعية، وفترات ومراحل تطورها وسيرورتها، ذاك لانه بالأحرى، وسيلة الإنتاج التي تنهي شكل المنتجية المجتمعية التي عرفتها الظاهرة المجتمعية ابتداء، يوم صار انتاج الغذاء بدل اصطياده او التقاطه ممكنا، وتحول الى قاعدة.
يتلاقى المنجز المنوه عنه، مع غرضية وحاجة أساسية غير مماط اللثام عنها، تحكم مسار ومالات الظاهرة المجتمعية بماهي ظاهرة ايله الى مابعدها، والى حيث "اللامجتمعية"، حين تصير اللاتاريخيه، و"الكيانيه المفقسه خارج الرحم التاريخي"، ضرورة بذاتها كمنتج مولد، لما ظل ينقص العملية التاريخيه كضرورة حاسمه، ويحول دون تحققها في ارضها، أي تحقق اللاارضوية، فيدفعا انتظاريا للتجسد بالصيغة النبوية السماوية المؤقته/ ابراهيما مع قراءاتها الكبرى الثلاث، تلائم شروط وضرورات اختراق الزمن الاجباري المؤقت الذي تهيمن ابانه الارضوية الأحادية موضوعيا، ونموذجها، ابتداء من بابل واشور، الى مابعد الغرب الصناعي، حين يصير العالم والمجتمعات امام وعلى مقربة من زمن التحقق، وتغدوالسماوية المتعذره مهيأة للتجسد بصيغة لامجتمعية، ظلت منذ وجدت، مضمرة ومودعة في التحولية البنيويه السومرية الرافدينيه، الممنوعه من التحول لافتقارها لاسباب الانتقالية المادية، بانتظار الانبثاق الأخير الحاصل اليوم مع افراز الراسمالية المصنعية للوسيلة التحولية المادية "التكنولوجية"، مع مايوافق طبيعتها من مجتمعية جديدة ولدت خارج رحم التاريخ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توكفيل الفرنسي هو اول من كتب عن أمريكا ملاحظا جوانب من خصوصيات نظامها، بالاخص الديمقراطي وممارستها التطبيقية لها، انما من منطلق وموقع يرتكز الى نموذج أساس معتمد ومسبق، هو الديمقراطية الاوربية التي تدرج بداهة، النموذج الجديد الأمريكي ضمنها من دون اهمال بعض اختلافاتها، من قبيل ترابط الحرية الشخصية مع نزعة المساواتية، حدث ذلك في القرن التاسع عشر، في كتاب وضعه بعد رحله الى الأرض الجديده باسم "الديمقراطية الامريكيه".
21) اميريكا التوتاليتارية: الولايات المتحدة والعالم الى اين / ميشال بوغنون ـ موردان/ دار الساقي ـ بيروت/ تعريب خليل احمد خليل ـ ص42
32) نفس المصدر ص 40
(4) نفسه ص 41
(5) "التفارقية الرباعية" مفهوم تحولي تاريخي، سبق وتطرقتا له عدة مرات في مقالات سابقة، وهو يقول بدخول العالم منذ منتصف الالفية الثانيه، عصر وحدة تفاعل تبدا بالنهوض الغربي الحديث، وغياب اخر متبقيات الدورة الشرقية الثانيه ممثلا بالسلطنه العثمانية، واكتشاف القارة الامريكيه، وبدء الدورة الثالثة الرافدينيه الراهنه ابتداء المستمرة من القرن السادس عشر، انطلاقا من سومر الجديده، والاهم، كشف النقاب عن السر المودع في المجتمعية الازدواجية الرافدينيه بصفتها بؤرة التحول المجتمعي على مستوى المعمورة.
(6) المصدر المذكور أعلاه ص 32.