اسرائيل/ فلسطين والراسمالية المصنعية؟/3

شهران ago

عبد الامير الركابي

ليست الراسمالية والانتقال الى الإنتاج الالي، واحدا، وعلى خلاف ماقد كرسته الظاهرة الاوربية الغربية الحديثة من تعميم لنموذجها المصنعي البرجوازي على المعمورة، فان ماكان ساريا على الطور الإنتاجي اليدوي ماقبل الالي الأوربي من تمايز في اشكال تجلي أنماط المواضع والكيانات، بناء على اختلافها البيئي الجغرافي، واشتراطات تبلورها المجتمعي، لم يغب، ولا اختفى بمجرد تحول اوربا الحديث، وانقلابها الشامل المعروف.
الا ان اوربا لم تكن مجرد موضع حصل فيه الانقلاب الالي المقترن بصعود البرجوازية المصنعي، عرضا، او بدون ان يكون بالاصل متميزا موقعا وتاريخا، بماجعل لمنجزه الحالي وقعا خاصا، ترافق مع اثرعالمي لم يسمح على سبيل المثال حتى بمجرد تخيل احتمالية او إمكانية حدوث ماحدث اوربيا، في افريقيا على سبيل المثال، او حتى في الهند او الصين، اوالجزيرة العربية، ليس هذا وحسب، فعلى الرغم مما يعرف في عالم الخيال العلمي الادبي والفني، لم يحصل اطلاقا ان قرأنا او شاهدنا أي شيء يمت بصله، ولو من بعيد، الى احتمالية ان يكون المنجز الأوربي، على الأقل الالي منه، قد حصل افتراضا في مكان اخر من العالم، مع مترتبات مثل هذا الحدث والاثار التي تنجم عنه، او تصيب حركة التاريخ والوجود البشري من جرائه.
فالحدث مدار البحث، يقع أصلا ضمن خانه البداهة والمطلق، والاوربي ومنجزه متوطن عقلا وشعوراعلى مثل هذا الأساس، وعلى تكريسه كمظهر أول من مظاهر قصوره وميله للغلبة والسيادة المجتمعية "الحضارية"، بغض النظر عن تحققها الموضوعي خارج إرادة اوربا نفسها، مع ماينطوي عليه ماننوه عنه من تكريس الأحادية والتضليل الناشيء عنها سواء بحكم الدوافع الطبيعية/ الغريزيه "الانسايوانيه"، او القصورالعقلي والتكويني السابق على اكتشاف احتمالية المحركات والقوانين التحولية، ومسارات التفاعلية المجتمعية الكوكبي، وبالذات في البؤرة المركزة على ضفتي المتوسط، حيث تقابل المجتمعية الأحادية الانشطارية الطبقية اعلى اشكال الأحادية المجتمعية نمطيا، واعلاها دينامية، الاوربية، والشرق متوسطية الازدواجية، مجتمعية الانشطار، حيث احتشاد الأنماط المجتمعية التقليديه: الازدواجي الرافديني، والنيلي احادي الدولة، والجزيري احادي اللادولة، مع الواجهة الشامية التي لاتتبلور وطنيا وكيانيا.
ليس هذا وحسب، فالبحث هنا لايستقيم اذا لم يؤخذ بالاعتبار قبلا واقع وتاريخ بدء المجتمعية الفعلي، مع اكتمال مقومات التحولية المجتمعية في ارض الرافدين، وسومر بداية، فالمجتمعية بالاصل لم توجد كاملة، بل نشأت ناقصة، وجودها هو مسار نحو التكامل التكويني بالاخص على مستوى الادراك العقلي لذاتها ومنطوياتها، ما يستمر بمثابة لازمة داله على مسارات العقل ومسارات تشكله ضمن المجتمعية، ومع سيرورتها وتفاعليتها، ماقد حكم على تاريخ العقل البشري بالوقوف دون كشف طبيعة الظاهرة المجتمعية، من بداياتها، الى حدود منتصف القرن التاسع عشر، يوم بدات أولى ملامح وعلامات تحسس العقل بلزوم وممكنات فك طلاسم الظاهرة التي هو متصيّر داخلها، وظهر "علم الاجتماع "، اخر العلوم، وصولا لماقد جعل للمجتمعية قوانين وحتميات صارمة، مثل ذلك الذي ذهب اليه ماركس ضمن اشتراطات وطور الراسمالية المصنعية، واحتداماتهاالطبقية خصوصا، مع رسوخ الاعتقاد باولوية الطبقة على وسيلة المنتجية، واحالة الانقلاب الالي الى البرجوازية وفعلها الأساس المستقل عن عوامل التراكم، المستقلة عن الطبقية، والمتاثرة بها، المتفاعلة معها.
وهنا أيضا لم يكن ليخطر للعقل الأوربي الحديث كون ماقد حققه او تمكن من مقاربته انما هو مجرد بداية أولية، لعبت دورا في تدعيم تكريس الأحادية والبداهية الاوربية، وظاهرتها التي اسهمت بقوة في تعزيز مساعي تعميمها على العالم بتوحيد نمطية المجتمعات وتحويل مجتمعات الأرض الى مجتمعات"صراع طبقي"، ذلك مع ان علم الاجتماع الغربي الحديث لم يقارب القضية او الخاصية الأهم والأكثر حسما في الظاهرة المجتمعية، واشتراطات تبلورها الأصل، فتوقف عند ثنائية ( التجمع/ انتاج الغذاء) بدل حالة اصطياده، او التقاطه من الطبيعه، في حين فاته ان يكتشف بان المجتمعات لم تصبح ماهي عليه، ولم تكتمل بنية متطابقة مع الغرض من وجودها، الا بعد ان احتوائها على أسباب "التحول"، الامر الذي يعقب ويتوج محاولات واشكال التمظهر المجتمعي التمهيدية الانتقالية، السابقة على تبلور مجتمعية العيش على حافة الفناء السومرية الرافدينيه، الازدواجية الإمبراطورية التحولية.
يصعب تماما لدرجة الاستحالة ـ حتى الان ـ اخذ الظاهرة الاوربية الحديثة ومنجزها على اعتباره عتبة ولحظة ضمن عملية تحول اشمل تتجاوزها، بالاخص خارجها، حيث تشيع حال التماهي معها، والميل الى استعارتها، والنزوع البدائي النقلي للتطابق معها بصفتها النموذج الأعلى المطلق، الامر الذي تعاني الولايات المتحدة الامريكيه هي أيضا من وطاته، حتى وان تكن اكثر المواضع اهليه على مستوى المعمورة للخروج عليها، وحاجة لتكريس نمطها " الراسمالي" الخاص، مابعد المصنعي الطبقي، المتلائم مع خصوصيات بنيتها اللاطبقية، المفقسه خارج التاريخ المجتمعي، حيث يصير حضور النمط او النموذج الذي انحدرت منه كمادة بشرية، ضرورة من ناحية، ودالة قصور ذاتي من ناحية أخرى، تولد عنها عجز عن التعرف على العولمه كخاصية بنيويه متداخلة ومتلازمه مع نزوع لمافوق نموذج ( الدولة / الامة)، الى استمرار ديناميات الاستيطان عالميا، بعد الاستيطانبة القارية مباشرة، مايجعل من النزوع الالهوي الابراهيمي، والرسالية الكونية، نمط "الامريكوية" المعروفة كحلم يتجسد عالميا، بإزالة المجتمعية العالمية، لصالح عالم اخر"سماوي"، أمريكا "الامة" مكلفة به، ومختارة من قبل السماء لتحقيقه على الارض.
تقول السردية الراسمالية المصنعية ان الانتقال الحديث برجوازي مصنعي حصرا، وهذا بالاحرى هو شكل من اشكال الانتقال الالي، مثلة مثل المنتجية اليدوية الزراعية، وسيلة الإنتاج التي تحكمها لا تحتم شمولية نمطها، والراسمالية الاوربية هي نتاج الالة ضمن نمط مجتمعي بعينه اساسة انشطاري طبقي، وهو ليس الشكل الأوحد، ولا الوحيد من اشكال الانتقال الالي اذ ان اوربا الشرقية وروسيا والصين عرفت نوعا من الانتقال المذكور، ليس مصنعيا برجوازيا تقليديا، قابله شكل انقلابية متعدية للمصنعية والالة، الى التكنولوجيا والعولمه المتلازمة مع كينونه استيطانيه، أي ان العالم الالي الراسمالي، تحول مع القرن العشرين الى مابعد مصنعي برجوازي طبقي، مايعني ان الطور الأوربي من الانقلاب الالي، انتهى وقتها واقعا، بغض النظرعن استمرار وطاته النموذجية والتفكرية التي هي حصيلة تراكمات تاريخية تفاعليه متبادلة بؤروية متوسطيه، بين شرق المتوسط حيت بدء اكتمال المجتمعية التحولية مع مايقابلها، البنية الانشطارية الطبقية الاوربية.
ولن يكون كافيا ماقد تقدم او ماقد اوردناه من محاولة إيضاح للفكرة المراد ايصالها بخصوص الجانب التقني الالي وعلاقته بالبنيوي، ذلك مع ماهو متراكم من أطنان ماقيل من تعميم حول ظاهرة المجتمعية بجانبها المعروف ب"الجضاري"، فالبنية المجتمعية التحولية الانشطارية المجتمعية كرست النمط اليدوي كشكل تنظيم حياتي مجتمعي هو قفزة كبرى، مقارنة بما كان ووجد قبلها من اشكال مجتمعيات، لتصبح هي بالاطار العام، النموذج، ومنطوى القواعد التنظيميه " المجتمعية" المعتمدة "حضاريا"، الا انها لم تكن لتشكل في ذات الوقت حالة اكراه تعين شكل تعامل المجتمعات مع الجانب المنتجي الزراعي اليدوي في حينه، فلم تقل ولاكان ممكنا لها ان تفعل وتفرض على المجتمعات ان تكون على شاكلتها، ازدواجية تحولية، الامر الذي اختلف اليوم ضمن اشتراطات الانتقالية الانشطاري الازدواجي الطبقي، التي اشاعت على مستوى المعمورة فكرة حتمية نقل النمطية الطبقية، كشرط لتحقق التفاعل الالي المكتشف، الامر الذي تسبب بجملة من الإشكالات الكبرى، واضفى على عصر الغرب وحداثته خاصية تعميم التوتر والتناقضات الصراعية، والاحتدام المتعاظم المستمربالهيمنة على العالم والحياة بدون حل،مادام القصور المفهومي وسيادة الاكراهية النمطية، مع غلبة اشكال مبتسرة من التعامل مع، والنظر الى اللحظة التاريخيه ومدلولاتها.
راسمالية استيطان الكوكب المعولمه الابراهيمية التكنولوجية، هي موقعا على مستوى العالم جسر انتقال نحو مابعد "الابراهيمة بصيغتها النبوية الالهامية"، الطور الأول والاطول من الابراهيمه كما قيض لها، وفرض عليها ان تصاغ وتوجد ابان زمن "اللاتحقق"، تاقلما مع اشتراطات قرون هيمنة الأحادية، واخر اشكالها واعلاها، الأحادية الطبقية الراسمالية الالية، فالراسمالية الابراهيمة الاستيطانيه المعولمه الامريكية، هي نوع من ازدواج متناقض، ينفي احد عنصريه الرئيسيين الاخر، فالتكنولوجيا هي ضرورة تحولية مفتقدة يحتاجها وينتظرها تاريخيا المجتمع التحولي، مادامت بنيته التحوليه الاصلية وجدت مفتقرة لها، كشرط مادي لايمكن التحول والانتقال لمابعد المجتمعية من دونه، لتظل تنتظر انبلاجها من قلب العملية الإنتاجية، وبالذات بعد انتقالها الى الالة، ومن ثم طورها الأعلى الأخير"التكنولوجي" الختام الذي يؤمن شروط انتهاء المنتجية والمجتمعية، الهدف النهائي المضمر في الظاهرة المجتمعية.
يقول الغرب ان العالم انشطاري "طبقي"، مستغلا، وصادرا عن حالة قصورعقلي تاريخي، ماتزال تمنع العقل من ان يصل عالم القول: بان العلم والمجتمعات محكومة بالتحول، وانها تبدا حضورها الأول في، ومن خلال المجتمعية الانشاطارية الازدواجية التحولية بنيويا الأصل، والتي تظل تنتظر تمخضات الانشطارية الطبقية، المصنعية أولا، والتكنولوجية لاحقا، حيث تنبثق وسيلة الانتقال المادي من المجتمعية الى مابعدها، الامر الذي تعود المجتمعية الانشطارية التحولية بنيويا مع ظهوره، لاستكمال المهمة المودعه فيها، والتي وجدت بالاصل لكي تدخل رحابها.
ـ يتبع ـ