إسرائيل/ فلسطين.. وحدود الغرب؟/5

أسبوعين 4 أيام ago

عبدالاميرالركابي
تبدو حدود ونهايات الغرب بارزه بوضوح عند نقطتين: الأولى منهما تكريسه لفكرة كونه منتهى العقل والعلم ونهاية المعرفة، والثانية تتاتى من تسويغه باسم التقدم لما يخالف مقتضى العدل والمساواة. وفي هذين المنحيين وعبرهما تتحول الظاهرة الغربية الحديثة الى خرافة، والى همجية لاتختلف في العمق عن أي مظهر من مظاهر الاجحاف، والميل النازع للغلبة في التاريخ الانسايواني، ولايعني ذلك ان الغرب الحديث لم يكن بالفعل محطة ولحظة من لحظات التاريخ المتقدمه، والفاصلة نوعيا، او ان ماقد انجز في العصور الحديثة لم يكن هائلا، او انقلابيا على الصعد الحياتية كافة، غير ان ذلك شيء، ومانتحدث عنه شيء اخر مختلف.
وبمحاولة تعداد مناحي قصور الظاهرة الغربية الحديثةـ نجد ان هذه قد عجزت عن ان تتميز عما قبلها عند ناحية أساس من نواحي حضورها الحاسم على مستوى الكوكب، او مااعتبر بداهة من قبيل الالية الطبيعية المؤدية الى نقل المنجز الجديد، و "الحضارة" بنموذجها الغربي الى المعمورة، او مايسميه ماركس "مدفعية السلعة" التي تجبر اكثر الشعوب بدائية على الخروج من عالمها المظلم، من دون ان يذكر تلازم المدفعيتين، وبالمقابلة بين "الديمقراطية" الغربية و"حكم الشعب" والمساواة في الحقوق المدنية، بدا هذا الصنف من الممارسة الاكراهية بمثابة شرط لازم، انطلاقا منه واستنادا له، تمارس اشنع اشكال السيطرة على الشعوب الأخرى، وسلبها ارادتها وحريتها بالقوة والاكراه، في حين لم يسبق ان أبدت "الديمقراطيات الغربية" ككتل ومواضع وشعوب متقدمه، رفضا او اعتراضا بائنا ومستمديما يلحظ ويكون مؤثرا، ليساوي بين حقيقة الديمقراطية والمدنيه وطبيعتها المفترضة، وشكل واليات تطبيقها المعمم على الكوكب.
هذا ناهيك عن استمرار عامل الغرض والمصلحة الذاتيه، والغلبة كقوة أساس، حاسمه في العلاقات بين "الأمم" على مستوى المعمورة، مع تفاقمها غير العادي بظل تطور وسائل الحرب، وماقد نجم عنه من اغراق العالم في الحروب المدمرة الكبرى والصغرى، ذلك ولم يتوانى الغرب الحديث، بغض النظر عن كل مايتصل بمفاهيمه المعممة نظريا، من ان يغطي مموها جريمه كبرى لاسابق لها في التاريخ البشري، تمثلت في إبادة شعب وجضارة، تبلغ السبعين مليونا، اضيف لها مايقارب من سبعين مليون اخرين، راحوا ضحية حروب اوربا العظمى، هذا وغيره يحيلنا الى نقطة أساسية، هي علاقة التقدم المادي، بالانساني، وتفارقهما الرهيب بحالة الصعود الأوربي الحديث لصالح الانسايوانيه.
الأهم من ذلك والافظع بما لايقاس، هو حال القبول لدرجة التبني المواكبه للظاهرة الغربية على مستوى المعمورة، باسم العلم والتقدم التقني والمادي، عدا عن التقدم الحاصل في المجالات المختلفة، لابل واستمرا ر اقتناع الغالبية من البشر بوضع الحال الغربي، بموضع الحلم والهدف، وبالذات النموذج "المدني / الديمقراطي" في الدولة وشكل تنظيمها، والمتزايد الانتشار مؤخرا، بعد لمحة من الاعتراض وطلب اشكال اخرى من تنظيم الحياة باسم "الاشتراكية" المؤسسة على التناقضية الغربية الذاتيه، وشكل دولتها الممثل في ( الدولة/ الامة). مايجعل المعمورة محكومة لعالم بلا افق، مطلبه وحلمه هو مولد افظع اشكال اللامساواة والهيمنة والاكراه والافقار والتنافس المحموم وتدميرالارض.
كل هذا من شانه اخراج المطلوب والمامول ان وجد هنا، من نطاق ودائرة مايعرف ب " البديل" ضمن عالم الغرب وقواعد ماقد ارساه من نظام على مستوى المعمورة، ذهابا الى " مابعد"، ذلك بعد الحسم بما يخص كون الغرب هو لحظة نهوض كبرى على مستوى التاريخ، بعد اللحظة التأسيسية الشرق متوسطية، تقدمت معها العلوم والمعارف والتقنيات، كما تقدمت أسباب الاجحاف واللاعدالة والقهر، وتهديد البيئة، وأسباب الحياة البشرية، فلم تفلح في تجاوزها او الانتقاص من وطاتها قياسا بالتاريخ السابق عليها، الامر الذي يضع هذه اللحظة ضمن دائرة المتجاوز، وفي عداد مايواجه الكائن البشري من التحديات الكبرى، لابل الاكبرالمتصلة بوجوده واستمراره.
ولا شك ان الغرب ومنجزه ينطوي على مقومات وأسباب تنفي ممكنات تجاوزه، وان المؤقت، وهو مايتولد عن أسباب موضوعية تاريخيه تخص سيرورة الكائن البشري، وعلاقة العقل بالمجتمعية وتصيّرة المطرد داخلها، وقصوره الموضوعي بازائها، وبين وطاة المنجز الغربي المتاتية من ضخامته ونوعه، بمقابل ماينطوي عليه كبنية شاملة من حدود، ومن ممكنات نظر دالة من جهه على موقعه الأدنى كنمط، برغم علوه الاستثنائي داخل نوعه المجتمعي، ومن محركات كينونة انسايوانية قاصرة، ومحكومه لدوافع ماقبل الإنسانية الباقية بلا تجل ضمن المنجز الجديد الأخير، مامن شانه إيقاف الجموح العقلي، وحصرة ضمن دائرة وهيمنه الجسدية وتجلياتها، كما تتمثل في الأحادية المجتمعية، حتى في حالة اوربا وانشطارها الطبقي، وعلو مرتبتها ضمن نمطها تركيبا بنيويا وديناميات.
الأحادية النمطية تمنع الغرب ومنعته من ان يبلغ ماوراء، او مالايكتمل قوام منجزاته الرئيسية من دونه في مجالات:
1 ـ الذهاب الى ابعد من مجرد النشوئية الحيوانيه، بحسب مااستطاع "دارون" وعبقريته الأحادية ان يكتشف، ليتوقف قائلا بان العضو البشري بلغ نهاية تطوره وتوقف، فعجز عن ان يرى طبيعة الطور الثاني من "النشوئية العقلية"، التي تبدا مباشرة بعد انبثاق عنصر العقل في الجسد الحيواني، ليصير هذا الأخير من يومها خاضعا لاعتبارات ومقتضيات النشوئية مابعد الجسدية.
2 ـ عجزه هو نفسه عن تبين الثنائية او "الازدواج" المتولد عن انبثاق العقل في الجسد الحيواني(عقل/جسد) كعنصرين متفارقين وموجدين ضمن كيانيه وحامل جسدي، فظل هو ومن جاء بعده يحكمون على "الانسايوان" كوحده أحادية، ومظهر اكتمال اطلقوا عليه اعتباطا اسم "الانسان"، في حين ان ماقد ظهر وقتها مع العقل وانبثاقه، هو طور انتقالي من الحيوان الى "الانسان"، الكائن الذي وجد ابانه ليس بانسان، كما انه لم يعد حيوانا، وهو محكوم بالذهاب الى زوال ماتبقى عالقا به من بقايا الحيوانيه المتخلفة من الطور الأحادي الحيواني، السابق على الحيوان المنتصب.
3 ـ عجز العقل الغربي برغم مقاربته حدود كشف النقاب عن الظاهرة المجتمعية ومنطوياتها مع ظهور علم الاجتماع كبداية أولية في هذا المضمار، عن اكتشاف النمطية المجتمعية الثلاثية: مجتمعية الازدواج التحولي الامبراطوري الرافدينية، ومجتمعية أحادية الدولة النيلية كنموذج ابتداء، وانشطارية طبقية كاعلى شكل من اشكالها كما حال اوربا، واحادية لادولة شائعه في أمريكا قبل الغزو واستراليا وامريكا اللاتينيه، وبعض افريقا واسيا والجزيرة العربية، مع أنماط مختلطة، وصولا الى الازدواج الأخير المؤقت، الطبقي المجتمعي الأمريكي.
4 ـ عجزه الكلي بناء عليه عن مقاربة والكشف عن المضمر الأهم والرئيسي في العملية المجتمعية، وفي ظاهرة المجتمعات، باعتبارها ظاهرة متحولة، وسائرة الى انتهاء الصلاحية، والى بلوغ العقل نهايات عمليته النشوئية المبتدئة مع انبثاقه في الجسد الحيواني، حين توقفت يومها واكتملت عملية التحول الحيواني، مرورا بالعضايا واللبونات، كمثال، وماقبلها، وصولا الى "الانسايوان"، لتبدا من يومها "التحولية المجتمعية العقلية"، وصولا لتحرر العقل من وطاة الجسدية، وبدء انتقاله كما مقرر له أصلا، الى الاكوان العليا.
5 ـ وقد يكون الأهم من بين مايقف العقل الغربي بسبب احاديته دونه، هو عجزه عن وعي مااستجد من اسباب وعوامل نفي ذاتيته او خاصيته الأساس، كما ممثلة في "الانشطارية الطبقية" مايؤدي الى التحاقه، او اندغامه في العملية التحولية الكوكبيه، بعد توقف الياته، فماركس الذي كرس الصراعية الطبقية، وعممها نظريا لم يكن له، كما حال "دارون" ان يكتشف بان الالة التي انتقل لها الغرب، ستكون سببا في انتهاء فعل الطبقية الاوربية والياتها التاريخية، وإيقاف عملها الذي كانت تؤدية في المراحل المنقضية، العبودية والاقطاعية، وبالامكان تصور ماركس وقتها ماخوذا بوطاة احتدامات الراسمالية المصنعيىة، ومارافقها وتولد عنها من تاجج وذرة صراعية طبقية، لم تكن بالأحرى سوى مقدمة تنتهي بانتهائها مفاعيل الطبقية وصراعها، لتحل مكانها اليات التحولية المجتمعية. فالالة ومن ثم التكنولوجيا الطور الراسمالي الثاني، توجد قوة تدخليه مافوق طبقية، خارجة عن فعل الطبقات ووجودهاالموضوعي، تدخل على البنية الطبقية، وتاخذ بها لايقاف مفعول الصراعية ومالاتها التقليدية الاوربية كما كانت، بالاخص بعد انتقال محور وثقل حضور الظاهرة الغربية الى القارة الجديده الامريكية، ونوع ازدواجها المختلف.
ولا داعي لان نعدد كل مناحي القصور الأحادي المنبثة بين تضاعيف المنجز الغربي، بالاخص داخل اركانه ومرتكزاته الأساسية، بما فيها علم النفس الفرويدي الأحادي، المنحاز بداهة للجسدية، بدون تبين الفعل العقلي المفارق، وآليات تصيره، الامر الذي يبرر القول بلزوم وحتمية الغرب الحديث، وظاهرته الكبرى كعتبة تاريخية تحولية، من المستحيل انتقال الكائن البشري والمجتمعات الى مابعدها، والى بدء عملية ولحظة مابعد المجتمعية، وتحرر العقل، وظهور ملامح "الانسان"، الغائب الذي مازال ينتظرالانبثاق من تحت جلد "الانسايوان".
ـ يتبع ـ

وسوم