إسرائيل/ فلسطين و"قران العراق" ب؟/6

أسبوعين يومين ago

عبد الامير الركابي
تمر الظاهرة المجتمعية منذ ان توجد بعد ان تكتمل بنية، بمرحلتين: الأولى هي ماقبل اماطة اللثام عن مكنونها الازدواجي التحولي وماقبل تحقق التحول، والثانية النهائية يتحقق عندها العقل من ادراك كنه الاشتراطات والسيرورة التي يوجد هو مع الظاهرة المجتمعية وفي كنفها ليتصيّر ضمنها صعودا، وهو مايصير ممكنا مع نضج الأسباب الموضوعية للتحول. ومابين اللحظتين تسود وتغلب على الوعي بداهة الأحادية المجتمعية، بينما يكون العقل قاصر،اغير قادر على الإحاطة بما قد صارهو موجودا ضمنه، وفي كنفه، ومحكوما بموجبه لتفاعليه تاريخيه، هي تفاعليه السد المطرد للنقص وللخروج من القصور العقلي الذي يظل ملازما له من الحقب والازمان السابقه على المجتمعية التحولية، بما يعني اضطلاع المجتمعية بمهمة توفير أسباب واشتراطات النشوئية العقلية والمادية الضرورية عند اخرمراحلها الفاصلة، ضمن التاريخ الممتد منذ انبثاق العقل في الجسد الحيواني.
يعني ذلك ان المجتمعية هي ظاهرة "تحوليّة" أصلا، مثلما هي الظاهرة الحية ابتداء ونهاية، وكما كانت ابان الطور الحيواني، ومن ثم العقلي الراهن، وانها وجدت مصممة لكي تتفق مع اشتراطات التحول وأهدافه، فكانت الازدواجية، والثنائية المجتمعية هي الشكل الاكمل الدال على، والمنطوي بحسب تدرجات داخل الخارطة المجتمعية، على الاليات التحولية الأعلى المدعمة بازدواجية الكائن البشري عموما، ( عقل /جسد) والمتحققه منذ ظهور العقل قبل ظهور المجتمعات، مامن شانه رسم صورة للظاهرة المعنية، تبدا بالتحولية البنيوية كما حصل ابتداء في ارض الرافدين، المتعذر تحققها التحولي ابتداء، بانتظار توفر الوسيلة المادية للتحول، بمعنى ان المجتمعات تبدا ازدواجية تحولية بنيويا، متعذر تحولها، وتعيش تاريخها تحت طائلة القصور العقلين والنقص المادي، قبل ان تنتهي بانبثاق الوسيلة التحولية المادية، بالتضافر مع بلوغ العقل لحظة الخروج من وطاة الأحادية، وبدء الانتقال لادراك حقيقة وكنه ماهو متصيّر فيه، وضمنه، وفي غمرته.
ذلك تحديدا هو "قرآن العراق" المتعذر، والمفتقد الدال على نقص العقل، وماقبل اكتمال أسباب احاطته بذاته، وتلك هي "صحف إبراهيم" التي رفعت في حينه، دلالة على البكورة وعدم توفر الأسباب الضرورية، ليحل بدلها استراتيج "الوعد خارج ارضه"، كدالة حضورالتحولية في غير أوان تحققها، وضمن، وبالرغم من ألاوان الفاصل بينها وبين ماينبغي "انتظاره" وطلب تحققه عند "آخرالزمان الأحادي"، الذي يظل غالبا ومهيمنا على مدى دورتين تاريخيتين، تمر بهما ارض مابين النهرين: أولى سومرية بابلية امبراطورية شرائعية ابراهيميه، وثانية عباسية امبراطورية قرمطية "انتظارية"، وصولا الى الثالثة التحققية المستمرة منذ القرن السادس عشر، دورة وحدة التفاعلية المجتمعية، و "التفارقية الرباعية"على مستوى المعمورة، عند بلوغ الازدواجية الطبقية الاوربية ـ اعلى وارفع اشكال الأحادية دينامية ـ قمة تجليها، ونهايته المفضية "ماديا/ تكنولوجيا"، وعلى مستوى الممكنات التصورية والنموذجية، الى تحفيزتبلور المنظور والرؤية التحولية ، والتي تظل متعذرة حتى حينه.
فما هو وماذا يكون "قرآن العراق" او "قرآن مابين النهرين"؟ اول مايتبادر للذهن الأحادي الانسايواني، ان الحديث جار عن "كتاب" اسمه "قران العراق"، سيصدر عن دار من دور النشر، ليحسم الامر وينهي الجدال حول الأحادية والازدواج المجتمعي، وحول التحولية المجتمعية، او الثباتيه التابيديه الاحادية، ومثل هذا النوع من التصور بحد ذاته دال، بما ان العقل لايفتكر الا ماهو واقع ضمنه ومحكوم لاشتراطاته، بحيث لايرد بهذه الحالة التفريق بين الانقلاب بمعنى إعادة الخلق، ومعالجات المع والضد ضمن الاشتراطات السائدة والمقرة، والخاضعه للاسس عينها، ولنات على ماننوه له بمثال، ونعود الى إبراهيم، بما هو وبصفته ممثل العالم الاخر المطموس، غير القابل للاظهار او الاستيعاء في زمنه، ثم لنقرأ مساره وسلسلته النبوية الناتجه عن تاسيساته، مع ملاحظة أساس، هي ان النبي إبراهيم لم بصدر كتابا، ولا وضع انجيلا، او توراة، ولاقرآن، الامر الذي ماكان ليحقق ماهو بصدده اذا كان كما هو فعلا صانع عالم مواز، آخر، مفارق، لاارضوي، وغير قابل للتحقق، مع كل مايمكن ان يحول بين منظور ينتمي لمثل هذا العالم، وبين التحقق الذي هو بالأحرى ولابد ان يكون بحسب طبيعته وزمن نسيجه، لاارضوي / يتوسل حضورا ارضويا أي مايعود ل "مملكة الله على الأرض" المرتكزه الى خلفية وقاعدة مجتمعية من نوعها، لاارضوية، غير قابلة للتجسد، والى الازدواج المعمم بمختلف مستوياته وتدرجاته على مستوى المعمورة، مجتمعيا، وعلى مستوى بنية الكائن البشري، بما يجعل من الظاهرة المجتمعية بعمومها، لاارضوية، بغض النظر عن خضوعها الراهن للمنظور والمفاهيم والمعا يشات الارضوية المؤقتة.
لاتبنى ولم تبن المجتمعات انماطها، سواء الأحادية الارضوية، او السماوية، بين ليلة وضحاها، والاحادية نفسها سواء في ارض الرافدين، او على مستوى المعمورة، خضعت لتاريخ من التشكل الطويل مايزال مستمرا، وكل من المستويين تفاعلت فيه الوقائع الحياتيه والأفكار، في حين اتسم التعبير اللااارضوي بانه فكرة بلا ارض، ولاتحقق عياني، ماكان قد اوجب لبناء عالمه، خضوعه لعملية صياغة طويلة الأمد، ومحطات ولحظات تراكم، قبل ان يتسنى لها في النهاية تجسيد مالايتجسد، الذي هو "عالمها" الاخر المفارق ارضويا، بالالهام، والمرجعية والمصدر اللاارضوي، والمعجزة، والاختبار، والكتب الضرورية في ساعتها، بحسب اللحظة واللزوم التكاملي، وصولا للختام المحمدي الجزيري.
ان قرآن الإسلام الأخير ليس تحققا بذاته وان اتسم ب "التمكين" والتحقق العملي كما حالة اللينينيه وثورة أكتوبر 1917، بل بتاريخ سابق صار مكتملا وراسخا، انبثق داخل حاضنه من مجتمع لادولة احادي احترابي، خاضع لاقتصاد الغزو والحرب، قبلي متازم مخنوق بفعل حصار طويل، وقطع للشريان الحيوي التجاري الصاعد من البحر جنوبا الى الهلال الخصيب شمالا، ماقد منح العقيدة قوة اختراق الخلية المجتمعية "القبلية" المازومة لصالح الاولى، وهيأ لأول واخر مرة في التاريخ الجزيري، أسباب ظهور المجتمع العقيدي المحارب المنطوي على اعلى ممكنات الاحتراب الممكنة في زمنه على الاطلاق، ماكان وفر اسباب تحرير المنطقة من الامبراطوريات ووطأتها، فاطلق الاليات الإمبراطورية النائمه الرافدينيه، والياتها الإمبراطورية لتعم على المدى الممتد من الهند والصين الى اوربا، مجال "الفتح" الجزيري الممهد والضروري اللازم حكما لصعود الإمبراطورية الرافدينيه في دورتها الثانية، اتفاقا مع ينبتها وتكوينها الازدواجي الخاص.
لن ينتقل العالم والعقل اليوم، وهو يغادرزمنا من التحولية تشارف على اخرها، ب "كتاب" صادر عن احدى دور النشر في بيروت او القاهرة او بغداد، اذ لابد ابتداء وأولا من مواكبة وترسم اليات نضج اشتراطات الانقلاب الأعظم النهائي، وذلك ماينبغي ان يكون قد حل على المعمورة، وبالذات في الموضع الأكثر حضورا من بين اجزائها، حيث الانشطار الازدواجي الطبقي، ومابعده، لناحيتي الانتقال من "المصنعية" الى "التكنولوجية" على مستوى وسيلة الإنتاج، بجانب التازم الأقصى الناتج عن التفارقية ونقص التلاؤم بين البنية الانشطارية الطبقية، ووسيلة الإنتاج الأعلى المنبثقه من رحمها من ناحية، وغلبة حضور الكيانية القارية الجديدة الازدواجية الأخيرة، الابراهيمية الراسمالية، الجامعه للازدواجين: المجتمعي الأول الرافديني، والطبقي الأوربي، اعلى اشكال وبنى الأحادية وارفعها حضورا ودينامية.
والاهم من كل ماتقدم هو بلوغ العملية الانتاجوية المجتمعية نهايتها، ودخولها حالة تازم مبعثها انقضاء أسباب وممكنات استمرارها بالصيغة التي كانت قائمه عليها منذ بدء الظاهرة المجتمعية، والتي توفرابانها شكل من التوازن البيئي الإنتاجي، بدأ بالاختلال مع الاله ومنذ دخولها عالم الإنتاجية، ماوضع البشرية امام ضرورة وحتمية الانتقال الى مابعد المنتجية المجتمعية، والى التعويل على والالتجاء الاجباري للوسيلة الجديدة الإنتاجية غير المجتمعية، الامر الذي سيفرضه واقعا وبالقوة والاكراه حلول زمن من الكوارثية، يطغى على الحياة على مستوى المعمورة، لايعود ثمة امل او مخرج منه، الا بمغادره ماتبقى من الأحادية ومفاهيمها وهيمنتها على العقل البشري، بالانتقال الى التحولية مفهوما وعيشا، والى قرآنها المؤجل المتعذر والباقي مطويا وممتنعا على العقل منذ بدايات المجتمعية في سومر، الى اليوم.
يختم "قرآن العراق" تماما، ويخرج من الاستعمال عالم "الوعد خارج ارضه"، بينما يكون الوعد قد صار وشيك التحقق، بقوة الضرورة واكراهها الكوارثي، وازمتها الكوكبيه الكبرى، وبتوفر مستلزماتها المادية، مايعني انقضاء أسباب الازدواج الأمريكي الراهن، ونهاية الكيانيه الإسرائيلية، بعد ان ظلت قائمه تحت طائلة" الصناعة الزائفة للوعد خارج ارضه"بجعل مالايتحقق كينونة واصلا، متحققا زورا ابان زمن "صناعة الأمم" المصنعية الاستعمارية، او بصفتها كيانيه مطابقة للعنصر الازدواجي الأهم في البنية الامريكية الابراهيمه/ الراسمالية، وكل كايشار لخ من المتغيرات الانقلابية الدهرية، التي يمكن ان تشبه بالانتقال بين الاطوارالكبرى، كمثل التحول من طور اللقاط والصيد، الى طور انتاج الغذاء والتجمع ابتداء، ومن ثم تحوليا ازدواجيا، ليس من الوارد، ولا من المنطقي تصور اندراجها تحت ذات الأمثلة ونماذج التغييرية التفكرية والعملية ضمن الطور ذاته، بما في ذلك أصلا مفهوم "الكتاب" المتعارف عليه، ومنه الكتب السماوية المولودة داخل عالم الوعد المتعذر على التحقق: توراة كانت، او انجيل، او قرآن.
هل من صيغة اخرى من صيغ التبليغ والايضاح بالإمكان تخيلها بناء على إمكانات تخيل عالمها وماهي منسوبة له ودالة عليه، اليوم لاطريق اخر تواصلي ممكن التصور، او التخيل، وكل مايمكن اقتراحه حالة ابتداء، ليست هي نفسها الانتهاء، أي ان البدء بالمقال او الكتاب، أوالكتب، ستكون كما هو بائن ومتاح، لازمة تمهيدا واستهلالا، قبل ان تنبثق صيغة النطق التحولي، وشكل وأدوات التوصيلية المطابقة للعالم مابعد المجتمعي، وقت ان ينتقل البشر من "النطق اللساني"الأول الموافق لقدرات "الانسايوان" ومكنات اللحظة التي يمر بها، الى "النطق العقلي" دالة حلول زمن "الانسان".
ـ يتبع ـ قسم أخير
إسرائيل /فلسطين و"قران العراق" ج؟ / 7

وسوم