نظرية القياس في تراثنا الفكري النحوي

أسبوع واحد 4 أيام ago

د. محمود محمد علي

اهتم النحاة العرب بالقياس نتيجة تصورهم لفكرة الأصل والفرع في النحو، وجعلوه منهجاً يقابل السماع، وقد فتنوا به حتي قال الكسائي:

إنما النحو قياس يتبع    وبه في أمر ينتفع .

وهو في عرف علماء النحو عبارة عن تقدير الفرع بحكم الأصل، وعرفه ابن الانباري قائلاً:" هو حمل غير المنقول علي المنقول معناه، وحمل غير المنقول علي المنقول معناه قياس الأمثلة علي القاعدة، وذلك أن المنقول المطرد يعتمد قاعدة ثم يقاس عليها غيرها . وقيل: حمل فرع علي أصل، وإجراء حكم الأصل علي الفرع، وقيل: هو إلحاق الفرع بالأصل بجامع، وقيل اعتبار الشئ بالشئ بجامع . وهذه الحدود كلها متقاربة . ولا بد لكل قياس من أربعة أركان: أصل وفرع وعلة وحكم . أو مقيس عليه ومقيس وعلة وحكم .

وهكذا انطلق جمهور النحاة مقتنعين بضرورة إجراء القياس علي الكلام العربي ومذهبهم " ما قيس علي كلام العرب فهو من كلام العرب " . وكان لابن أبي إسحاق الحضرمي (ت:117 هـ) مواقف مشهورة في تاريخ النحو العربي، اعترض فيها علي شعر بعض الذين خرجوا عن القياس، ولذلك قال عنه بعض المؤرخين بأنَّه أوَّلُ " من بعَجَ النحوِ ومدَّ القياسِ"، وهو الذي قال ليونس بن حبيب (182 هـ) " عليك ببابٍ من النحو يطَّردُ و ينقاسُ"، وقد قيل أن النحو كان قبل ابن أبي إسحاق يعتمد علي السماع في مجمل قضاياه، وكان مستغلقاً فبعجه، وفتح فيه باب القياس . وهو البحث عن اطراد الظاهرة النحوية .

ومن هذا المنطلق فتن النحاة بالقياس وتمسكوا به أشد التمسك، فيقول ابن جني:" مسألة واحدة من القياس أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس، وقال أستاذه أبو علي الفارسي:" أخطئ في خمسين مسألة في اللغة، ولا أخطئ في واحدة من القياس . وكذلك اهتم المتأخرون من النحاة والأصوليون، ورأوا أن لا نحو من دون القياس، وفي هذا الصدد يقول ابن الانباري:" اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق، لأن النحو كله قياس " .

ويبدو أن القياس النحوي يتسع لمفهومين: 1-: حمل غير المنقول علي المنقول، 2- تقدير الفرع بحكم الأصل . فالأول إجراء المستحدث مجري ما سمع من كلام العرب، فهو ضرب من التطور والتعميم، والثاني في البحث عن مجالات التعليل بين الأصول والفروع، وهما متقاربان إلي حد ما، ولكنهما يختلفان بحسب الحالات التي يستعملان فيها . ويمكن أن يبوبا كالآتي: قياس يفضي إلي التعميم، وقياس يفضي إلي التعليل، فأما قياس التعميم، فيقوم علي مبدأ المقارنة بالتبويب علي أساس الجمع بين المتشابهات . ولهذا النوع من القياس ثلاث مراحل: المقارنة والتبويب والتعميم . والتعميم أهم مرحلة من مراحله، لأنه ثمرة منهج القياس ونتيجته . وهذا الضرب من القياس ضروري لجميع الظواهر اللغوية، من أصوات وصيغ وتراكيب، ولعل أشدها ضرورة ما يتعلق بالمسائل النحوية التركيبية لأنها أكثر دقة وتشعباً .

يقوم اللغوي باستقراء النصوص المحدودة فيصنفها، ويبوبها، ويستنتج منها قوانين اللغة في الأصوات والأوزان والصيغ والتراكيب، ومظاهر التقديم والتأخير، والحذف والزيادة، وبذلك نتمكن من معرفة ما هو واجب فيها، وما هو جائز، وما هو ممتنع . فهذه هي القواعد الكلية التي تنظم الكلام، وهذا الضرب من القياس كان له شأن عظيم عند العرب، فليس هو في الحقيقة سوي مظهر منهجي يستخدم في علوم الملاحظة التي تقوم علي الاستقراء والاستنتاج، إذ لا يمكن حصر جميع المعطيات في قواعد محدودة .

إن قياس التعميم أداة وصف، وفي الوقت ذاته أداة تعميم، فهو وصف لمادة لغوية محدودة، وتعميم للمبادئ التي تقوم عليها . إنه وسيلة خلق وتوليد . ولم يحصر العرب القياس في هذا المجال اللغوي البحت، بل وسعوا نظامه وأخضعوه لشروط متعددة وصارمة جعلته يتجه اتجاهات غير لغوية، وذلك نتيجة للتأثر بالمنطق ابتداء من القرن الثالث للهجرة عندما أصبح النحو ميدان تنافس، ومجال مناظرات، ومحل مماحكات، فصارت تلك المناظرات العلمية رياضة ذهنية يتباري فيها العلماء بقوة الجدل وشدة البناء المنطقي، وليس بقوة الحجة، وشدة البناء اللغوي . ومن هنا صارت الغلبة في كثير من المواقف لغير الدليل اللغوي بل للجدل المنطقي .

أخذ النحاة من المنطق أدواته، وصار منهجهم المنطقي غاية عندهم، وكان مما ساعد علي انتشار المبادئ المنطقية بين اللغويين ذلك النـزوع العلمي الذي نشأ بين نحاة البصرة ونحاة الكوفة ؛ حيث تغلغل القياس في فكرهم، فانبري كل فريق يبحث عن الوسيلة المثلي للتغلب علي الفريق الآخر بأية حجة، ولو كانت غير لغوية، فيحاول ما استطاع البرهنة علي ضعف موقف خصومه، ويجد في البحث علي أدني دليل، ولو كان مصنوعاً، ليدحض به حجة الطرف الآخر . وفي غمرة هذه المنافسة والملاحظة يلجأ كلا الفريقين إلي استعمال النوع الأول من القياس، ويعممه علي كل النصوص، ولكنه يصبح غير كاف إذا أشتد النقاش، واحتدم الحوار، وتعارضت الأدلة فيكون من الضروري اللجوء إلي النوع الثاني، وهو قياس التعليل .

وهذا القياس الأخير يبحث عن علة الظواهر اللغوية، بخلاف الأول الذي يرمي إلي التعميم للظواهر اللغوية، وللفرق بين القياسين نسوق المثال التالي: " دخول اللام في خبر (لكن)، فقد ذهب الكوفيون إلي أنه يجوز دخول اللام في خبر (لكن)، كما جاز في خبر (إن) نحو ما قام زيد لكن عمراً لقائم . وذهب البصريون إلي أنه لا يجوز دخول اللام في خبر (لكن) . واحتج الكوفيون لمذهبهم بالنقل والقياس . أما النقل فقد جاء عن العرب إدخال اللام علي خبرها في قول الشاعر (مجهول):

يلُومُوني في حُب ليلي عواذلي                ولكنني من حُبها لعميد

وأما القياس فلأن الأصل في (لكن): لا+كـ+ إن فصارت جميعها حرفاً واحداً . ورد البيت للجهل بقائله ولشذوذه فلا يؤخذ بمثله . إن هذا البيت لا يكاد يعرف له نظير في كلام العرب، ولو كان قياساً مطرداً لكان ينبغي أن يكثر في كلامهم وأشعارهم كما جاء في خبر (إن) . ولكن للاستدراك، واللام للتوكيد – والتوكيد في البيت غير مراد، والأصل ألا يزاد شئ إلا لمعني .

وهذا القياس الذي قام به الكوفيون، وأجروه بين (لكن وإن) هو افتراض وليس فيه استعمال، وإنما هو صورة ذهنية ترضي المنطق، ولا ترضي اللغة، وهذا من قياس التعليل .وهذا الضرب من القياس شابه شئ من استعمال المنطق، ومن أمثلته في النحو (لا) النافية للجنس:

-المقدمة الكبري: كل اسم مركب تركيب مزج يبني علي فتح جزئية.

- المقدمة الصغري: لا واسمها مركبان تركيب مزج .

- النتيجة: لا واسمها مبنيان علي فتح الجزئين.

ولقد استمرت مسيرة القياس المنطقي في الدرس النحوي تتصاعد وتتفاعل وتنمو وتشتد حتي امتلأت كتب النحو بألوان الأقيسة وأنواعها، وكان لكل نحوي منها نصيب، وأجري كثيرون من النحاة أقيستهم الخاصة بهم التي خالفوا بها أقيسة الآخرين، وفيما يلي نماذج لبعض أقيسة النحويين المتأخرين التي جرت بها أقلامهم وحوتها كتبهم وتصانيفهم ليصار من خلالها إلي تصور ما كانت عليه أوائل الأقيسة، ثم معرفة المدي الذي وصلت إليه هذه الأقيسة فيما بعد من التأثر بالمنطق ومصطلحاته وبالفلسفة ومناهجها:

1- قرر النحاة أن وزن فعل يكون قياس مصدر الفعل الثلاثي المتعدي كرد رداً، وذهب سيبويه والأخفش إلي أن المراد بالقياس هنا أنه إذا ورد شئ من هذه الأفعال الثلاثية المتعدية ولم يعلم كيف تكلم العرب بمصدره، فإنك تقيسه علي هذا، لا أنك تقيس مع وجود السماع، أما الفراء، فقد ذهب إلي أنه يجوز القياس عليه وإن سمع غيره، وحكي السيوطي في الهمع عن بعضهم أنه قال: لا تدرك مصادر الأفعال الثلاثية إلا بالسماع فلا يقاس علي فعل ولو عدم السماع .

2- ذهب ابن مالك إلي أن ارتفاع الظاهر بأفعل التفضيل لم يسمع من العرب إلا بعد نفي، وأنه لا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معني النفي، كقولك: لا يكن غيرك أحب إليه الخير منه إليك، وهل في الناس رجل أحق به الحمد منه بمحسن لا يمن .

3- أجاز ابن مالك تأكيد الضمير المنفصل مطلقاً مرفوعاً كان أو منصوباً أو مجروراً بضمير الرفع المنفصل نحو: قمت أنا، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت، وزيد جاء هو، ورأيتني أنا، أما إذا اتبع المتصل المنصوب بمنفصل منصوب نحو رأيتك إياك، فمذهب البصريين أنه بدل، ومذهب الكوفيين أنه توكيد، وقد رجح ابن مالك رأي الكوفيين، بناء علي أن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل، كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل في نحو: فعلت أنت، والمرفوع تأكيد بإجماع  . ومن الواضح أن ابن مالك بني الحكم علي القياس وحده دون سماع.

4- ومما بني فيه الحكم علي القياس وحده ترخيم المركب المزجي، فالمنقول أن العرب لم ترخمه، وإنما أجاز ذلك النحويون قياساً علي ما فيه تاء التأنيث الذي سمع عن العرب ترخيمه، والعلة في القياس أن الجزء الثاني يشبه تاء التأنيث من وجوه: فتح ما قبله غالباً، واحترز بغالباً عن نحو معد يكرب، وحذفه في النسب، وتصغير صدره، كما أن تاء التأنيث كذلك .

5- مما حاد عن القياس في باب التصغير لمخالفته السماع قولهم في المغرب مغيربان، وفي العشاء عشيان، وفي عشية عشيشية، وفي إنسان أنيسيان، وقي بنون أبينون، وفي ليلة لييليه، وفي رجل رويجل، وفي صبية بكسر الصاد وسكون الموحدة جمع صبي أصيبية، وفي غلمه بكسر الغين المعجمة وسكون اللام جمع غلام أغيلمه، فهذه الألفاظ مما استغني فيها بتصغير مهمل عن تصغير مستعمل، أي فمغيربان وما بعده كأنه تصغير مغربان، وعشان، وعشاه بتشديد الشين، وأنسيان، وليلاة، وراجل، وأصبية، وأغلمة، وأبنون، ومما حاد عن القياس في باب التكسير لمخالفته السماع فجاء علي غير لفظ واحدة قولهم رهط وأراهط، وباطيل وأباطيل، وقطيع وأقاطيع، فهذه جموع لواحد مهمل استغني به عن جمع المستعمل، وهكذا اعتبر النحاة ما خالف المسموع في بابي التصغير والتكسير حائداً عن القياس خارجاً عن سنته، أي شاذاً يحفظ ولا يقاس عليه، والقياس في تصغير المغرب مغيرب، وفي العشاء عشية، وفي عشية عشيه يحذف إحدي الياءين من عشيه لتوالي الأمثال، وإدعام ياء التصغير في الأخري والأصل عشيية بثلاث ياءات، وفي إنسان أنيسين إن اعتبر جمعه علي أناسين وأنيسان إن لم يعتبر، وفي بنون بنيون، وفي ليلة لييلة، وفي رجل رجيل، وفي صبية صبية، وفي غلمة غليمة، والقياس في تكسير رهط رهوط، وفي باطل بواطل، وفي حديث أحدثه وحدث، وكذا كراع بضم الكاف وهو مستدق الساق، وقطيع بفتح القاف، وفي عروض بفتح العين عرائض .

من كل ما سبق يتضح لنا كيف آل القياس النحوي عل أيدي متأخري النحاة في عصور المماليك وخلال العصور العثمانية إلي الجمود، واكتفوا بتداول ما ورثوه فيه عن السابقين، وتوفقوا عن الاجتهاد فيه والإضافة إليه لما كان عليه حال جمهورهم من ضعف الاجتهاد وكثرة التقليد ولا نعدام السليقة اللغوية عند أكثرهم، وفقدان الروح الفطرية في جل مؤلفاتهم، وما كان مبتكراً من أقيستهم وهو قليل كانت مقاييسه قائمة علي المنطق اليوناني الصوري ومناهجه متأثرة بالمنهج الأرسطي .

وقد تسلم النحاة المعاصرون هذا الإرث علي هذا الشكل، فبدأوا يعالجون قضايا النحو المنطقي، وفي مقدمتها قضية القياس في النحو معالجات تفاوتت في القوة والضعف، وفي الكمال والنقص، وفي التأثير وعدمه، واندرجت هذه المعالجات تحت ما سمي بدعوات تجديد النحو أو تيسيره .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط