هل اخترع العرب المسلمون الجزية وتجارة العبيد والجواري؟/ج1

لوحة سوق الرقيق لغوستاف بولنجر
أسبوعين يومين ago

علاء اللامي

هل اخترع العرب المسلمون الجزية وتجارة العبيد والجواري ليطالَبوا الاعتذار عنها،أم كانت واقعاً في سياق تاريخي عام لدى جميع الأمم؟يظهر علينا بين فترة وأخرى شخص يطالب بأن يعتذر العرب المسلمون عن الفتوحات العربية الإسلامية لبلدان المشرق والمغرب، وما حدث خلالها من أحداث، وكأنه يريد إقناعنا بأن الجزية والأسر وسبي النساء وظاهرة العبودية عموما والمجازر الدموية في الحروب هي اختراع تفرد به العرب المسلمون دون غيرهم من البشر وهذا محض هراء لا تاريخي لا يخلو من الرائحة الاستشراقية العنصرية والذهنية الأورومركزية المعادية للعرب والمسلمين وشعوب الشرق عامة، أو هو نتاج الجهل الشديد بحقائق التاريخ والجغرافيا، وعليه فإن مطالبة العرب المسلمين الحالين بالاعتذار عما ارتكبته الأجيال القديمة منهم، رغم ما في الاعتذار كفعل حضاري من معانٍ سامية، لا معنى له، لأن تلك الممارسات والارتكابات التاريخية قامت بها دول وحضارات بادت وأصبحت جزءا من رماد التاريخ، وهي لا تعني الأجيال الحالية بشيء وليست مسؤولة عنه تاريخيا وقانونيا ولو إننا وافقنا على هذا الطلب فسيكون لزاما على جميع أمم الأرض وخصوصا المغالين في الهمجية والدموية في ماضيهم كالأوروبيين أن يبادروا الى الاعتذار وهم الذين رفضوا الاعتذار عن جرائمهم الأقرب عهدا أو المستمرة كما فعل الفرنسيون برفض الطلب الجزائري عن جرائمهم خلال فترة الاستعمار والأميركيون برفضهم الاعتذار لليابانيين بعد مجزرتي هيروشيما وناكازاكي وللفيثناميين عن جرائم الأسلحة الكيمياوية "العامل البرتقالي" ضد شعبهم.. فأي الأمم والدول أولى بالاعتذار إذن؟

أما أكاديميا وعلميا، ومن حيث المبدأ العملي والبداهة العقلية، فلا يمكن لنا أن نطلق أحكام معيارية أخلاقية ضمن المثنويات المعروفة من قبيل "شيطاني وملائكي، جميل وقبيح، مشروع وغير مشروع، ونبيل وإجرامي ...إلخ" من منتجات عصرنا على ما فعله العرب المسلمون وغيرهم قبل 14 قرنا من الآن، بل نكتفي بدراستها التاريخية في سياقاتها الحقيقية لنفهم مغزاها وطبيعة الحياة التي كانت سائدة حين حدوثها، لأننا، لو نظرنا إليها بعين المعيار الأخلاقي الحضاري المعاصر وبأسقاط مصطلحاتنا ومفاهيمنا المعاصرة على الماضي البعيد سنكون كمن يتهم علي بن ابي طالب أو أبا بكر الصديق بأنهما "دكتاتوران وفاشيان" لأنهما لم ينظما انتخابات عامة ويشكلا برلمانا في عهدهما أو لم يهتما بحقوق الإنسان والحفاظ على البيئة...إلخ! وهذا محض هراء مضحك، والسبب في هذا الامتناع هو أن هذه المعايير والمفاهيم حديثة ومعاصرة ولم يكن لها وجود أو مبرر استعمالي قط في المرحلة التاريخية المعنية، بل أن بعضها حديث جدا، فالسماح للنساء في التصويت في الانتخابات مثلا لم يسمح به في بعض بلدان أوروبا الغربية إلا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

أما الأسر واستعباد البشر وسبي النساء وأسر الرجال والأطفال وبيعهم في أسواق النخاسة والمجازر الحربية وفرض الجزية في الحروب القديمة فهي ممارسات موجودة وموثقة لدى جميع الأمم. ولكن هل ينسحب هذا الكلام والتفسيرات التاريخية على الممارسات الاستعبادية الإجرامية في عصرنا والتي تتكئ على الدين والتراث القديم في العصور الغابرة، كتلك التي قامت بها الحركات التكفيرية الدينية مثل داعش وغيرها بهدف تبريرها؟ كلا قطعا، وهنا ننتقل من ميدان التأريخ وفلسفة التاريخ الى الميدان السياسي والقانوني والأخلاقي المعاصر، وعلى ذلك ينبغي إدانة هذه الممارسات بقوة ومنع حدوثها ومكافحة ومحاسبة الداعين إليها والمبررين لها حتى اجتثاثها نهائيا من حياتنا المعاصرة.

وبالنسبة لأسواق بيع الجواري والغلمان فلم يخترعها العرب المسلمون بل ساروا على نهج الأمم التي سبقتهم، وكانت الجواري والغلمان وسائر أنواع البشر المستعبدين تأتيهم من أسواق بيزنطة وبلاد الصقالبة "الروس والبلغار" والهند وبلاد فارس...إلخ. والأمم الآرية البيضاء في أوروبا و "الصفراء" في الصين كانت تبيع الأسرى وتستعبد المقاتلين المهزومين. وقد نظر بعض علماء التاريخ والفلاسفة المعاصرين إلى الأسر والاستعباد كخيار أقل سوءا وأكثر رحمة في عصره من الخيار الثاني الذي هو قتل وإبادة الأسرى لتوفير الغذاء وهو الأسلوب الذي كان سائدا، ثم أصبح جعلهم عبيدا والاستفادة من قواهم البدنية في الزراعة وتربية الحيوانات أمرا ذا أثر كبير في تطوير القوى المنتجة الزراعية. ويعرف الجميع أن الدولة الرومانية والإغريقية كانت لديها شعوب بكاملها تعتبر من العبيد والبرابرة ومعروفة ثورة العبيد ضد روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة بقيادة سبارتيكوس حوالي 111 ق.م.-71 ق.م.

في هذه المناسبة، وبهدف التوثيق، أعيد نشر بعض الفقرات من دراسة لي بجزأين حول كتاب صدر قبل بضع سنوات للباحث حسام عيتاني بعنوان " الفتوحات العربية في روايات المغلوبين" وكتابات أخرى متفرقة تطرقت فيها الى هذا الموضوع. تجدون رابطين يحيلان الى نص الدراسة بجزأيها في نهاية هذا المنشور:

1-الجزية ليست اختراعا للعرب المسلمين بل كان الفرس والرومان يفرضونها قبلهم على الأقليات لنقرأ الاتي من الكتاب (ففي هذا السياق أخذ العرب المسلمون الكثير من ممارسات الامبراطوريتين -الفارسية والبيزنطية - حيال الشعوب الخاضعة للاحتلال كالجزية التي كان البيزنطيون والفرس يفرضونها على أبناء الأقليات. فالمسيحيون واليهود والبوذيون كانوا يدفعون ضرائب مضاعفة إلى الساسانيين الزرادشتيين، في حين كان اليهود عرضة لممارسات مشابهة في المناطق البيزنطية المسيحية/ ص55).

2- فرض الدين من قبل دولة الغالبين على الشعوب والأقليات المغلوبة كان تقليدا معروفا قبل الإسلام. ولعل آخر مثال عليه هو حملة التنصير القسري لليهود في شمالي أفريقيا وفي عموم الإمبراطورية البيزنطية، بناء على أوامر الإمبراطور هيراكليوس سنة 632 م، أي قبل أربعة أعوام من معركة اليرموك وهزيمة الرومان البيزنطيين فيها أمام العرب المسلمين. لنقرأ (تعاليم "يعقوب المعمد حديثا" وهي نص سجالي دفاعي مع اليهود كتب على الأرجح في أفريقيا عام 634 م، بناء على أوامر هيراكليوس سنة 632 م وبالأخص ليهود قرطاجة وشمال أفريقيا. وجاءت التعاليم لتبين صحة تنصير اليهود الذين ما عاد من داع لتمسكهم بدينهم بعد ظهور المسيح. ص 63) ويعقوب الوارد اسمه في هذا النص هو تاجر يهودي فلسطيني سافر إلى قرطاجة/ قرب تونس العاصمة اليوم، ومرَّ بمحنة التنصير البيزنطي القسري وكان من ضحاياها. هل ثمة حاجة للتذكير بأنني هنا لا أدافع عن ممارسة فرض الدين – أي دين كان أو عقيدة كانت - بالسيف أو الابتزاز المالي بل أسجل حقيقة تاريخية يقفز عليها البعض لأهداف ذاتية ولا علمية؟ يتبع في الجزء الثاني وفيه نستعرض ظاهرة العبودية وبيع البشر في مصر الفرعونية والصين والهند وجنوب شرقي آسيا واليونان والإمبراطورية الرومانية وأوروبا الوسطى ولدى شعب الفايكنغ وفي البرتغال وإسبانيا وخلال الحروب العثمانية الأوروبية.

*الصورة للوحة بعنوان "سوق الرقيق" للفنان الفرنسي غوستاف بولنجر من القرن التاسع عشر. ويبدو من ملامح الأشخاص (النخاس والجواري والغلمان) أن الأمر يتعلق بسوق رقيق أوروبي. ولهذا الفنان لوحات أخرى حول الموضوع نفسه...

*الرابط الأول : الجزء الأول من مقالتي حول كتاب حسام عيتاني" حروب الفتح في رواية المغلوبين"

Image removed.http://www.albadeeliraq.com/index.php/ar/node/3458

الرابط الثاني: الجزء الثاني من مقالتي حول كتاب حسام عيتاني" حروب الفتح في رواية المغلوبين"

Image removed.http://www.albadeeliraq.com/index.php/ar/node/3459