فلسطين والعراق ازدواجا: ملحق ب/9

أسبوع واحد 4 أيام ago

عبدالاميرالركابي:لابدابتداء وشرطا، من إعادة تأسيس الرؤية المجتمعية الكيانية خارج التوصيفات الأحادية والاوربية الغالبه منها على وجه الخصوص، وذلك من زاويتين اساسيتن: الأولى تتعلق بالانماط المجتمعية البشرية المنتشرة كوكبيا، الامر الذي يتوقف دونه مايعرف ب "علم الاجتماع" الأوربي الحديث قاصرا حيث الأحادية النمطية والوحيدة هي المعتمدة، هذا في حين ان المجتمعات وجدت وتوجد بالاحرى ثلاثية، اول أنواعها: الازدواجي، ومثاله المفرد الوحيد الرافديني، واحادي الدولة، ومثاله الاعرق النيلي المصري، واحادي اللادولة كما يعرف في ارض الصحراء الجزيرية، هذا من ناحية، واولا، ومن الناحية الأخرى، فان مايتصل بالاحادية وطريقة نظرها لما يعرف ب "الأوطان" والكيانات، باعتبارها مساحات متماثلة محصورة ضمن حدود تتشكل داخلها تاريخيا منتجه شعبا بخاصيات متماثلة، هو الاخر شكل من النظر لهذه الناحية قاصر واحادي بالمقارنة بما هو قائم بالفعل وابتداء في منطقة الشرق المتوسطي، الكيانية الازدواجية متعددة الأنماط، تفاعلها التاريخي وتشكلها،مرهون باجتيازها عدة دورات تاريخيه، أسبابها ومبرراتها كامنه في بنيتها.
تبدا الدورة الأولى الشرق متوسطية، بالازدواج والطرد، ليغدو الاصطراع بين طرفي الازدواج شاملا القسم المقابل للبؤرة الرافدينيه، وفيما بينها، وصولا الى الأرض الموعودة التي تتركز في فلسطين، والتي لاتسلم من مطارة الإمبراطورية الأحادية الرافدينيه البابلية بالاخص تدميرا وسبيا، الى ان تنتهي الدورة التاريخيه الأولى بحضور الامبراطوريتين الشرقية الفارسية،والغربية الرومانية، فتختفي الإمبراطورية الازدواجيه البابلية، ليصبح التعبير، او الدولة المطروده من وقته هي قوة التعبير الوحيدة أي /وطنية/المنطقة بمواجهة وبالتضاد مع الاحتلالين، في وقت تكون هي قد حققت خطوة غير عادية في طريق اكتمال مقوماتها الأساسية " التوراتية"، ابتداء من الاحتلال الفارسي لبابل، مايفتح من وقتها/ وبفعل اضطرارات الاحتلال، الباب امام تفاعليه أخرى يختلط فيها الوعد خارج ارضه، بعنصر محرك مستجد مصدره اتحسسات المتولدة عن وطاة الاحتلال، ليطلق ابتداء القراءة الثانيه الكبرى المسيحية التي ستخترق الإمبراطورية الرومانيه في عقر دارها،ولتظهر من حينه، الدائرة الابراهيمة الثالثة نوعا، والثانيه زمنيا بعد الأولى الشرق متوسطية(1)قبل ان تاتي القراءة الخاتمه المحمدية الجزيرية، التي تحقق انتصار الدولة/ اللادولة، المطرودة، بجانب تحرير المنطقة من الاحتلالات، فاتحة الباب لتكريس الأفق، او الدائرة الابراهيمة الثانية الشرقية، الممتدة الى الهند والصين، والى الغرب الشرق المتوسطي وصولا لاوربا .
على هذه الشاكلة تتصيّر الكيانيه الشرق متوسطية على مستوى الكوكب، عبر الدورات والتفاعلية الكوكبيه الشرق/ غربيه، محتلة موقع المصدر واساس الدينامية الازدواجية، وقاعدة وقوة نشرها بحكم كونها خاصية المجتمعية الأساس على مستوى المعمورة، المرهونه لقانون تحقق تحولي، من باهم مظاهرها، المحفزات المتولدة عن حضور الامبراطوريات والكيانيات الشرقية والغربية، من مثيل مانجم عن الحضور الفارسي وماواكبه من سحق بابل والاليات الاصل الازدواجية/ البؤرة، وما تبعه من عملية خنق للجزء الجديد من الكيانيه متعددة الأنماط، والمقصود به جزء اللادولة الأحادية الصحراوي الخاضع لاحكام اقتصاد الغزو القبلي، المتوقف توازنه بالدرجة الأولى على سلامه الشريان التجاري القاري، المتنفس الذي يخترقة من البحار جنوبا، الى الهلال الخصيب شمالا، ماكان من شانه، ومع بلوغ احتمالية الاختراق العسكري (لولا صعوبته الطبيعية، ونوع الاحترابيه المدافعة عنه)، ادخال الوحدة المجتمعية القبلية حال من التازم والاختلال الأقصى، فتح الباب لمبتنى الدولة / اللادولة لان يتجسد، ناقلا المجتمع الجزيري من القبلية المحاربة الى العقيدية المحاربة، مع الاخذ بالاعتبار كون المكان او الجزء المنوه عنه، هو أصلا وذاتيا كينونة لادولة أحادية.
هكذا يكون الطرف المجتمعي المطرود قد انتصر أخيرا، وماكانت بابل قد حققته من غلبة أحادية شرائعيه ضمن نطاقها، انتهى الى غلبة التوحيدية الابراهيمه والدولة/ اللادولة كما تمثلت وقتها وأخيرا في دولة النبي والخلفاء الراشدين (2) ليدخل الازدواج طورا جديدا مختلفا من الصراعية والتفاعليه الكوكبية مع تجدد الصراع الازدواجي وتجدده، وتوقف غلبة العقيدة على القبلية ( 3) لصالح الأخيرة، وعودة الاليات الإمبراطورية الازدواجية للعمل بعد تحررها من وطاة الاحتلال الفارسي، وحضور المادة البشرية المقاربة تكوينا، باعتبار الجزيرة وأهلها أبناء بلاد " طلع لاتحكم ولاتحكم" بحسب راي أهلها، كشكل تعبير مقارب في وقته لنمط "اللادولة"، حيث وقعت حالة تسارع في الاندغام ضمن اليات البنيه الازدواجية ( لم تحدث حالة اندغام مشابه مع البيئة الشاميه لضعف الاليات المجتمعية هنالك بحكم البنيه) ، بالاخص عندما لم يكن الاطار الأعلى قد تبلور وقتها، وكانت الصراعية ماتزال مركزة في حينه واولا، بين الشام الأحادية الجديدة، والكوفة ممثلة الاطار الأسفل الناشيء المتبلورحديثا مع بدء الدورة الثانيه.
ان مايسمى "تاريخ الإسلام" ومساراته وفصوله كما راه المؤرخون المسلمون والاستشراق معا، هو تاريخ محكوم لرؤية وسيرورة يغلب عليها المنظور الأحادي في النظر لماقبل ومابعد، أي للاسلام وموقعه في التشكل الازدواجي، ومراحله ومحركاته، وبالذات جانب الازدواج الأساس فيه، والذي يعجز عن رؤية الإسلام كاسلامين، اسلام دولة / لادولة، وإسلام أحادية قبلية منبعثة، بداية امويا في موضع اللاتبلور الوطني، والمتشكل بحكم كون الشام ارض مواجهة مع الروم، ومااستدعاه ذلك من ضخامة عدد المقاتلين العرب هناك، وتشكيلهم كتلة فوق المجتمع، متحررة من فعل بنيته، انتهزت الفرصة بقوة دافع العصبيه والغلبة القبلية، لقلب المستجد العقيدي، وإعادة فعل القبلية كقوة متقدمه، ماقد استثار طورا اول من الاصطراع الشامي الكوفي، انتهى بانتصار الكوفه، وصعود مشروع من نفس طبيعة وطينه الامويين، وجد أولا متفقا مع قانون "الاستبدال" الملازم والمميز لسلوك حيز الدولة التي لاتتجسد ارضويا، ابان زمن اللاتحقق، قبل ان يقرر العباسيون مضطرين للهرب من الكوفة الى الانبار أولا، ثم الهاشمية، قبل ان يستقروا على بغداد مستقرا لهم ك "دولة مدينه امبراطورية" (4)مستقلة عن الاطار الأسفل كما هو القانون الغالب على الازدواجيه المجتمعية الرافدينيه.
يمثل الإسلام الجزيري، طورا من سيرورة حالة الازدواج في الدورة الثانيه من تاريخ اللاتحقق، مع الانتصار المؤقت للدولة المطروده من ارضها، وانقضاء الدورة الأولى، بانهيار الدولة الأحادية الإمبراطورية الازدواجيه البابلية، وخضوع المنطقة للاحتلال المزدوج الأوربي الروماني، والشرقي الفارسي، وغلبة حالة الانقطاع والغياب، وهو تاريخ بطوربن: الأول القصير هو طور العقيدة، والثاني المؤرخ له مع الدولة الاموية الشامية، طورعودة الازدواج وصراعيته، بداية مع التجلي الناشي خارج ارض الازدواج، والثاني داخلها، حين يتكرس مجددا انتصار الأحادية الإمبراطورية العباسية (5) ويتبين ان التحقق مايزال هدفا محالا من جديد، و "منتظرا" لحين اتبلاج دورة قادمه ثالثه.
ـ يتبع ـ
فلسطين والعراق ازدواجا: ملحق ج/ 10
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من حيث درجه ومستوى الاختراقية الابراهيميه لاوربا برغم انتشار المسيحية/ الابراهيميه هناك، فقد ظلت هذه محكومة لغلبة الخاصيات الأحادية الاوربية، ولاستمرار فعلها كعنصر رئيسي، انتهى أخيرا الى الغلبة شبه الكلية مع الحداثية الاوربية. الامر الذي يتحول في الشرق ماوراء العراق، الى تبني الشعوب هناك للتوحيدية محل موروثاتها القومية والوطنية، وصولا لتعبيرها عن نفسها بالإسلام منذ اعتناقه، حتى وان حدث ذلك بناء لخصوصيات وتاقلمات ثانوية بحسب المناطق المختلفة هناك.
(2) يطلق عبدالله العروي فكرة غريبه بهذا الخصوص مفادها "اخذ الكافة على مقتضى الشرع" كوصف للفترة الراشدية والنبوية، من دون ان يعين لماذا وماالاساس البنيوي الاجتماعي الذي يمكن ان يبرر او يدفع لسلوك من هذا النوع، يراجع بهذا الخصوص كتابه "مفهوم الدولة"/ المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء / المغرب.
(3) يخطيء "ابن خلدون" برغم اكتشافه الهام، عند متابعتة متغيرات الصراعية العصبوية والتغلبيه اللاحقه على ظهور الإسلام، فيقف دون تبين دور الفكرة/ العقيده، والبنية اللادولوية الأحادية الجزيرية، ويفوته والحالة هذه اهم واخطر تطور طرا على الإسلام، الدولة/ اللادولة، مع الدولة الأحادية الاموية، ومعاوية بن ابي سفيان، يوم عادت القبلية لتتقدم على العقيدة، فتحولها الى "ايديلوجيا" بخدمتها، ووسيلة تامين لسلطتها "الوراثية"، التي معها تنتهي الدولة / اللادولة المحمدية الراشدية، لبيدا سياق اخر من صراعية الازدواجيه انطلاقا من ارضها البؤرة.
(4) يراجع في الدوافع التي حدت بالعباسيين لبناء بغداد هربا من انتفاضات الكوفة ومجافاتها / بغداد/ كتاب دائرة المعارف الإسلامية بقلم الثلاثي/ اشترك، عبد الرزاق الحسني، وعبدالعزيز الدوري/ دار الكتاب اللبناني ـ مكتبة المدرسه/
(5) تجدر هنا ملاحظة ظاهرة هامه تتعلق بظهور شكل جديد من اشكال تبلور الصراعية، مختلف عن ذلك الذي عرفته ارض الرافدين في الدورة الأولى، حين كانت الدولة العليا او الإمبراطورية الازدواجية، ابتداء من الاكدية، تنزل من الاعلى لتجد نفسها في صراع مع مجتمعية الأسفل غير القابلة للاخضاع، فتضطر للتاقلم مع تلك الاشتراطات، والى البحث عن مصادر للريع المتعذر استحلابه داخليا من خارج المكان، فتنكفيء الى حيث أتت شالا وغربا لتكتسب بناء عليه ومن يومه صفتها "الامبراطورية"، في حين انبثق العباسيون من قلب المجتمع الأسفل المتشكل في حينه، ليذهبوا هاربين شمالا.

وسوم