ما العلاقة بين دولة المؤسسات الدستورية والمرجعيات الدينية والإثنية؟

السيستاني والأحزاب الشيعية
أسبوع واحد 6 أيام ago

علاء اللامي

حين يتساءل البعض (كيف نستخدم ورقة المرجعية في الانتفاضة؟) قاصدا مرجعية معينة لطائفة أو مكون محدد، فهو - أولا - سيكون قد اختار سلفا موقعه إلى جانب المنادين بوجوب أن يكون لتلك المرجعية الدينية دور في الحدث السياسي العراقي حتى إذا كانت هي لا تريد دورا كهذا وتنأى بنفسها عنه. وهو ثانيا، واشتقاقا مما سبق، يريد أن يجعل المرجعية الدينية لمكون واحد أو لجزء من مكون طائفي واحد، جزءا من الحل وهي كانت وما تزال - عمليا وتاريخيا- جزءا وطرفا مؤسساً من مؤسسي نظام الحكم - المشكلة، وهي السند المعنوي لهذا النظام القائم، والطرف المؤيِّد لدستوره المكوناتي منذ البداية. وهو - ثالثا- يقف عمليا على طرف نقيض ضد المنادين باستقلالية الانتفاضة الشعبية عن كافة القوى والأطراف الأخرى ذات العلاقة بالنظام، ويفتح الباب واسعا أمام الزعامات السياسية للطوائف والإثنيات الأخرى لأن يتخذوا لأنفسهم مرجعياتهم الدينية والمذهبية والإثنية الخاصة بهم.

*لقد انحازت المرجعية إلى خيار "الانتخابات المبكرة بإشراف دولي"، مثلما انحازت سنة 2005 إلى خيار التصويت بـ "نعم" على الدستور المكوناتي خلال عهد الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، وتبنت وأيدت خيار الانتخابات المبكرة بقوة ونسقت جهودها مع بلاسخارت ومنظمتها الدولية لتكون المشرف واللاعب الأول فيها، فهل تتحمل المرجعية الدينية مسؤولية تبعات هذا الرهان والمآل المتوقع منه وهو إعادة انتاج نظام المحاصصة الطائفية التابع للأجنبي مجددا واستمرار الفساد والتبعية والتناحر والاستقطاب الطائفي في العراق وربما بشكل أسوأ لدرجة اندلاع الاقتتال البيني بين أحزاب ومليشيات الطائفة الأكبر؟ ثم كيف ستقوم وتترسخ دولة المؤسسات والمواطنة إذا كانت السلطات فيها تستمد إرشاداتها وتوجيهاتها من جهة دينية خارجها، حتى أصبح التلطي خلف رضاها والتقرب منها، والإعلان عن الأخذ بتوجيهاتها أشبه بالدعاء أو البيان الرسمي لرؤساء الحكومات سواء كانوا من حلفاء واشنطن أو طهران أو كلتيهما، ومعهم مختلف السلطات والمؤسسات الحكومية والتشريعية بل وكل زعماء ومليشيات وأحزاب الفساد والمسؤولين الحكوميين الفاسدين!

*ترى، ألا يعطي اتخاذ مرجع ديني لطائفة معينة في مجتمع متعدد الطوائف والمكونات الحق للطوائف والمكونات الأخرى، في أن تتخذ هي الأخرى مراجعها الدينية الطائفية أو القبلية العشائرية وتسترشد بتوجيهاتها وتعليماتها غير الدستورية؟ إنَّ رفض منح هذا الحق للطوائف والإثنيات الأخرى سيعتبر تحيزا وقمعا لها، واحتكارا لحق غير دستوري يتعلق بالشأن العام من قبل ساسة الطائفة الأكبر - يحاول بعض المتعصبين لمرجعيتهم جعله مرجعا حتى للطوائف الأخرى رغم إرادتها - أما إذا سُمِحَ لتلك الطوائف والإثنيات بأن تكون لها مرجعياتها الخاصة بها فنكون قد دخلنا مرحلة دولة المرجعيات الطائفية والاثنية المتعددة، لا دولة المواطنة والمؤسسات الدستورية، وإذا ما وصلنا إلى هذه المرحلة الممكنة جدا، فسنكون أمام السؤال الآتي حتما: ما الحاجة إذن إلى الدستور ودولة المؤسسات ومؤسسات الدولة؟ وما الفرق بين هذه الدولة التي تسير وفق مرجعيات مرحلة ما قبل الدولة وبين دول دينية أو سلطانية صريحة كدولة ولاية الفقيه أو الخلافة الراشدة أو إمارة أربيل أو المشيخة الفلانية؟

*أليس الأجدر بالحريصين على مقام المرجعية الروحي المحترم واختصاصها الديني الفقهي والصادقين في طموحهم لبناء دولة المؤسسات والقانون والدستور أن يعملوا من أجل النأي بالمرجعية النجفية وبكل مرجعية أخرى خارج نطاق الدولة والدستور النافذ عن موضوع وحيثيات الاشتباك الاجتماعي السياسي والثقافي بين الشعب والنظام الحاكم وتداعياته المعقدة والعنيفة المحتملة مستقبلا جملة وتفصيلا؟

*هذا الكلام لا علاقة له بالمقولات العلمانية القشرية المترجَمة حول فصل الدين عن الدولة أو المجتمع، فلا المرجع أياً كان هو الدين نفسه ولا الدولة وبناؤها وإدارتها شأن خاص بهم حصرا في مجتمع تعددي متنوع دينيا وطائفيا وقوميا، بل هو يقارب تحديدا موضوعة بناء دولة المؤسسات والقائمة على أساس المواطنة والمساواة والأجدر بجمهور مقلدي أي مرجع كان أن يكونوا حريصين على مرجعهم الروحي ويبعدونه عن كل ما من شأنه أن يورطه بشؤون لا علاقة لها بصفته الدينية فلا يثقلون عليه بالاستفتاءات السياسية في كل شاردة وواردة ويحترمون موقعه الروحي بالنسبة إليهم.

*وأخيرا، فإن تأجيل أو منع التطرق لموضوع علاقة المرجعيات الدينية أو الإثنية القبلية في الشأن السياسي العام للدولة، والسكوت عن حيثياته خوفا أو طمعا انتهازيا لا يعني سوى مراكمة مسببات انفجار المشكلة الحتمي مستقبلا والرضوخ لمنطق دولة المكونات الطائفية حاليا، والمسؤولية الكبرى في كل هذا ستكون على الساكتين وعلى الداعين والمروجين لها حتى لو جاؤوا من داخل الحراك الشعبي الساعي للتغيير الديموقراطي والإصلاح المزعوم سواء بسواء.

الخلاصة هي أن دولة المواطنة والمؤسسات الدستورية شيء، والمرجعيات الدينية أو الإثنية لجزء من مواطنيها، شيء آخر مختلف تماما من حيث الطبيعة والدور والسياق التاريخي، وكل من يريد أن يخلطهما ببعض يسيء إليهما وإلى مجتمعه وإلى نفسه كمواطن حر بين مواطنين مساوين له في كل شيء ومرجعيتهم المشتركة الوحيدة هي الوطن بوصفه هوية رئيسة لهم جميعا في مواجهة الهويات الفرعية الطائفية والقومية والعشائرية والجهوية.

السيستاني وبلاسخارت