ما قل ودل: الانهيار الاقتصادي و"الورقة البيضاء" التي تحرث في الماء

أسبوع واحد 3 أيام ago

صبري زاير السعدي

لعل الفائدة الوحيدة التي يقدمها صندوق النقد الدولي للرأي العام هي نشر المؤشرات الاقتصادية والمالية الرئيسية (الأحدث في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2020) والمستمدة من المؤسسات الحكومية المعنية وتقديرات خبراء الصندوق في تقييم الواقع الاقتصادي وتقدير توقعات التطور المستقبلية. تُفيدنا هذه المؤشرات في تأكيد الرأي بأن سياسات الحكومة الاقتصادية وتبديد الثروة النفطية منذ 2003، هي السبب الرئيسي في الانهيار الاقتصادي التي أدت إلى زيادة البطالة وانتشار الفقر وتفشي الفساد .. الخ، وليس ما جاء في "الورقة البيضاء" عن تزييف الحقائق في كيفية توزيع الإيرادات النفطية بين الميزانية والاستثمار وإنجازات "التجربة الاقتصادية الوطنية (1950-1979) – نتجاوز تأثيرات الحرب مع إيران (1980-1988) والحصار الاقتصادي والتجاري الدولي (1990-2003)- أو الحذلقة بتقديم نفس السياسات الاقتصادية للحكومات السابقة، ولو بطريقة فجة في التعبير، وبنقص المعرفة بإدارة الاقتصاد الوطني وكأن الدولة ليست مسؤولة عن النمو والتنمية، كما في دول العالم، المتقدمة والناهضة والنامية، وأن الحكومة العراقية شركة تجارية خاصة لترويج بيع "خصخصة" مشاريع القطاع العام والأصول الإنتاجية والموارد وتبديد الثروة الوطنية مقابل قروض خارجية ومحلية[1].

المهم هنا، مؤشرات الانهيار التالية:

  1. تقدر قيمة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بالأسعار الثابتة في عام 2019 نحو 179 مليار دولار وستنخفض إلى 158 مليار دولار في العام 2020، ثم تزداد تدريجياً بمعدل محدود لتستقر في عام 2025 بقيمة 179 مليار دولار، أي أن معدل النمو الاقتصادي السنوي خلال الفترة (2019-2025) سيكون الصفر%.

  2. تقدر قيمة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بالأسعار الجارية في عام 2019 نحو 230 مليار دولار وستنخفض إلى 178 مليار دولار في العام 2020، ثم تزداد تدريجياً بمعدل محدود لتستقر في عام 2025 بقيمة 243 مليار دولار، أي أن معدل النمو الاقتصادي السنوي خلال الفترة (2019-2025) سيكون حوالي 1.4%.

  3. تقدر معدل حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية 5884 دولار في عام 2019 ستنخفض إلى 4438 دولار في عام 2020 وستزداد قليلاً جداً لتستقر منخفضة بقيمة 5315 دولار في عام 2025.

  4. ستنخفض الإيرادات الحكومية (الموازنة العامة) من 84 مليار دولار في عام 2019 إلى 55 مليار دولار في عام 2020 ثم تزداد تدريجياً لتبلغ 78 مليار دولار في عام 2025. وبالمقابل، ستزداد نفقات الحكومية (الموازنة العامة) من 82 مليار دولار في عام 2019 إلى 86 مليار دولار في عام 2020 وتستمر بالزيادة إلى 94 مليار دولار في عام 2025. هذا يعني استمرار العجز في الموازنة العامة خلال السنوات (2020-2025) بدلاً من فائض يقدر بنحو 2 مليار دولار في عام 2019.

  5. سيزداد مجموع الدين العام، المحلي والقروض الخارجية، من 108 مليار دولار في عام 2019 إلى 122 مليار دولار في عام 2020 وسيستمر بالارتفاع الكبير إلى 220 مليار دولار في عام 2025.

  6. سينخفض رصيد الحساب الجاري (الرصيد التجاري + رصيد ميزان المدفوعات) من + 2.583 مليار دولار في عام 2019 ليتحول إلى رصيد عجز مرتفع قدره -22.523 مليار دولار في عام 2020، ثم سينخفض العجز قليلاً وتدريجياً لتبلغ قيمة العجز -18.095 مليار دولار خلال العام 2025.

أليست هذه المؤشرات كافية للدلالة على أن الانهيار الاقتصادي وانعدام التنمية مستمر وأن من المتوقع زيادة البطالة والفقر وانتشار الفساد وتوسع التباين في توزيع الدخول والثروات وسيزداد الدين العام وتتبدد "نعمة" الثروة النفطية بممارسة السياسات الاقتصادية المالية والنقدية الكلية، وسياسة الاستثمار، والتجارة الخارجية العقيمة الفاشلة منذ عام 2003. والمثير للغرابة، العودة من جديد لهذه السياسات بعنوان "الورقة البيضاء" وكأنها محاولة تحرث في الماء.

 

 

[1] عن المعالجات الآنية للأزمة بعد جائحة كوفيد-19، أنظر مقالتنا بعنوان" العراق أمام التحديات: تغيير السياسات الاقتصادية العقيمة"، كتبت في مقابل بيان رئيس الوزراء المنشور بعنوان "العراق أكبر من التحديات". وقد نشرت المقالة في مجلة الثقافة الجديدة ومواقع الأخبار والبديل العراقي الإليكترونية. وللراغب في الحلول الجذرية المستقبلية والتغيير في إدارة الاقتصاد الوطني، أنظر: صبري زاير السعدي، "قيمة الثروة النفطية والنظام الاقتصادي في العراق: ثنائية التخطيط وآلية السوق التنافسية"، العدد 493 آذار مارس 2020 مجلة "المستقبل العربي" الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان.