مبدأ استقلالية البنك المركزي "المقدسة" في صلب السياسات الرأسمالية "الليبرالية الجديدة"!

أسبوع واحد يومين ago

صبري زاير السعدي

مبدأ استقلالية البنك المركزي "المقدسة" يقع في صلب السياسات الرأسمالية "الليبرالية الجديدة" التي بدأت مع مطلع السبعينيات والتي تحدد مهام البنوك المركزية بتنظيم السيولة النقدية للتحكم في التضخم وميزان المدفوعات في إطار التحرير الكامل للسوق، ولأسعار الصرف للعملة الوطنية، ولنشاط الشركات الخاصة مع الرفض التام لتدخل الحكومة في الشؤون الاقتصادية واقتصاره على المتطلبات الحيوية في تسيير إدارة الدولة. ومع أزمات "الليبرالية الجديدة" التي بدأت ظاهرة في أواخر التسعينيات، لاسيما أزمة اقتصادات دول جنوب شرق آسيا، بدأت استقلالية البنوك المركزية تهتز، كما في الأزمة الماليزية التي رفضت شروط صندوق النقد الدولي بعدم تدخل الدولة في تنظيم أسواق الأسهم والسيطرة على تبادل أسعار صرف العملة الوطنية. ولعل التطور الهام في تهديم هذه "القدسية"، تأثيرات جائحة كوفيد-19 الاقتصادية والصحية التي فرضت تدخل الدولة الواسع في تمويل عجز الموازنات المالية للدول – ازداد العجز في جميع بلدان العالم وخاصة المتقدمة والناهضة بسبب زيادة الإنفاق الحكومي – بزيادة الدين العام المحلي من خلال البنك المركزي والاقتراض الخارجي. والخلاصة، أن استقلالية البنك المركزي لم تعد مقبولة ليس فقط لرفض سيئات الليبرالية الجديدة، بل لأنها لا تتسق مع متطلبات دور الدولة الاقتصادي في التخطيط للتنمية.

وفي حالة العراق، فإن هذه "القدسية" مفتعلة لسبب بسيط هو أن السياسة المالية للحكومة (الإنفاق العام) التي تعتمد على إيرادات الريع النفطية تعمل بمثابة المحرك الرئيسي للنمو وللتنمية، وأن دور البنك المركزي تابع لها. غير أن الطامة الكبرى في سياسة البنك المركزي التي تؤمن استقرار أسعار صرف الدينار مقابل الدولار بإطار التحرير المطلق لحرية التحويلات الخارجية من الدولار الذي يأتي من صادرات النفط الخام – مزاد العملة- أنها تستزف موارد العراق الوحيدة (إيرادات الريع النفطية) التي تزيل القيد الرئيسي على الاستثمار لزيادة النمو والتسريع بالتنمية الاجتماعية والبيئية.

وعن حالة الاقتصاد الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي هنالك تفسير آخر في أسباب انهيار الاقتصاد نتيجة تدهور الكفاءة الاقتصادية في استغلال الموارد في العملية الإنتاجية. وهذا موضوع آخر.