ملاحظات حول الورقة البيضاء

شهر واحد أسبوعين ago

مصباح كمال

قرأت قبل أيام مقالين نقديين حول الورقة البيضاء لخلية الطوارئ للإصلاح المالي (تشرين الأول 2020):

د. صبري زاير السعدي "ما قل ودل: الانهيار الاقتصادي و"الورقة البيضاء" التي تحرث في الماء" http://www.albadeeliraq.com/ar/node/3514

د. نبيل المرسومي "تسريب تفاصيل من “الورقة البيضاء”: اجراءات “تقشفية” ضخمة قد تقلب الوضع المالي للبلاد والمواطن والسلع"

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/3474

لقد قدم الكاتبان إضاءات نقدية على محتوى هذه الورقة التي تجتر أفكارًا سبق وأن تم عرض البعض منها في برامج الحكومات السابقة.  واكتفي لذلك بتقديم بعض الملاحظات السريعة.

هناك من سيرحب بهذه الورقة وسيطبّل لها آخرون.  وهناك من سيتعامل معها من خلال إثارة الأسئلة وليس تقديم البديل ففي خبر نشر في طريق الشعب بتاريخ 16 تشرين الأول 2020 نقرأ ما يفيد "اعتبار الورقة مسودة قابلة لنقاش واسع غير محصور في غرف القرار، وأن الورقة تطرح معالجات تحتاج الى 3–5 سنوات. فكيف ستنفذ الحكومة التي حددت عمرها بعام واحد أو أكثر قليلاً، أجندات هذه الورقة؟، وهل ان المؤسسة الرسمية العراقية تمتلك ثقافة العمل المتتابع؟"

إن الورقة لا تأتي على ذكر تخطيط الاقتصاد الوطني، وتقصر دور الدولة على تنظيم regulation النشاط الاقتصادي، إذ تؤكد على المرتكزات التالية: تقليص القطاع العام، وإبعاد دور الدولة المباشر وغير المباشر في الاقتصاد الوطني، وكذلك ما تسميه الورقة الدور الريعي للدولة في تقديم الخدمات العامة للمجتمع.  هذه المرتكزات مقتبسة من المشروع النيوليبرالي الذي دشنته حكومة مارغريت ثاتشر في بريطانيا وصار القالب المعتمد في العديد من دول الجنوب. منذ 2003 تحاول الحكومات العراقية التي جاءت بدعم من الدبابات الأمريكية إلى بناء نظام اقتصادي رأسمالي في العراق لكنها لم تنجح نتيجة لجهلها ولاعتبارها للحكم والإيراد النفطي مصدرًا للغنيمة وليس مصدرًا لتعزيز الاستقلال الذاتي للدولة وتمويل التنمية.  إن أصحاب أطروحة تقليص وتحجيم دور الدولة في الاقتصاد يتناسون أن الدولة، حتى في الغرب، ما يزال أكبر مستخدم للعمالة وممول للبحوث الأساسية في مجالات العلوم والتكنولوجيا.  كما أن الدولة تظل الملجأ الأخير للأفراد والشركات في التعامل مع الكوارث والأوبئة.

تتحدث الورقة عن الزيادة المفرطة في عدد الموظفين لكنها تقول القليل عن سبب هذه الزيادة (اعتبار الوظيفة العامة مصدرًا للغنيمة الطائفية والإثنية).  وأنا أقرأ الورقة بسرعة كنت أحس بأن كتابها يضمرون حقدًا على شاغلي الوظائف العامة وكأن هؤلاء هم الذين خلقوا أزمة الاقتصاد وليس السياسات التي يعتمدها الإسلام السياسي الحاكم بالتوافق مع النزعة القومانية للعائلتين الحاكمتين في إقليم كوردستان، والفساد الإداري المتمثل بالتوظيفات الطائفية.  ويتناسى كاتبوا الورقة الأعداد الكبيرة للفضائيين في أجهزة الدولة، وأولئك الذين يستلمون أكثر من راتب، ونفقات الرئاسات الثلاث التي تتجاوز تخصيصات بعض الوزارات.  وكذلك تعدد أجهزة العنف: الجيش، البيشمركة، الشرطة، الحشد الشعبي والمليشيات التابعة، إضافة إلى أجهزة الأمن والاستخبارات.

وتتحدث الورقة عن الزيادة الكبيرة في عدد السكان لكنها لا تقدم أطروحة حول إدارة السياسة السكانية.

وتضم الورقة سياسات مضمرة تتماشى مع إيديولوجية الليبرالية الجديدة في بعض المجالات كصندوق التقاعد الذي صار مؤهلًا للعجز حسب تقديرات الورقة، وهي بذلك تمهد السبيل لتحويل تمويل التقاعد من خلال آلية التأمين التجاري ربما على نمط تحديد الاشتراك وترك نسبة التقاعد لتتقرر في سوق تأمين المعاشات، وكذا الأمر بالنسبة للصحة إذ تصبح سلعة قابلة للشراء من شركات التأمين.

هذه الورقة وملاحقها الفنية ليست موجهة للمواطنين وإنما للنخب السياسية وللباحثين "الذين يرغبون في الحصول على مزيد من التفاصيل" حول الأسباب الكامنة وراء توصيات واستنتاجات الورقة.