ثلاثة أنهار وصحراء وشرفة؟/1

شهر واحد أسبوعين ago

عبد الامير الركابي:الكيانيه الشرق متوسطية: ثلاثة انهار ،هي دجلة والفرات والنيل، وصحراء هي الجزيرة العربية، وشرفة بحرية هي ساحل الشام، هنا في هذه البقعه تشكلت البدايات المجتمعية واكتملت تحوليّا، فاصبحت المجتمعات"مجتمعات"، بالذات واولا في القسم الرافديني حيث الثنائية النهرية والمجتمعية الازدواجية، وهنا وجدت الأنماط المجتمعية الثلاثة: المزدوج الرافديني، واحادي الدولة في النهرية المفردة النيلية، واللادولة الأحادية الصحراوية الجزيرية، مع مجال الواجهة، حيث لاتبلور وطنيا، على مستوى الدولة. لم تعن الكيانيه مدار البحث بايضاح نوعها، او نمطيتها الكيانية للتعذر، ولان نوعها كان ومازال الى اليوم ممالايمكن افتكاره، الامر الذي ستبادرفب محاولة للاضطلاع به لاحقا، وفي اوقات متقدمه، نوع كيانبة أخرى،مقابلتها على الضفة الاخرى من المتوسط، الاوربية، لتمنح الكيانيه المحدودة بحدود جغرافية، وتطور متماثل داخلها، صفة التعبير الكياني النموذجي "الوطني/ القومي" وهو ماجرت بلورته نموذجا ومفهوما مع نهوض اوربا في العصر الحديث.
تتوفر الكيانيه الشرق متوسطية على مبتنيات أساس، هي من ضمن كينونتها وآليات تشكلها، ونوع مجتمعيتها،وموقعها التفاعلي على مستوى المعمورة: من قبيل كونهاموضع الدولة الأعلى اللاارضوية والتي هي دالة التحولية المجتمعية الرئيسية، والتي يتعذر تحققها في مكان نشأتها ابان وحين تبلورها الأول، بمقابل نوع الدولة الأدنى الارضوي، الذي يكون غالبا ويظل كذلك على مستوى المعمورة، مايكتب على الدولة المعبرة عن مجتمعية اللادولة، الطرد من ارضها، والتشكل في المنفى خارجها، في المدى المكمل للجزء الازدواجي الرافديني، حيث ارض النيل والشام، ومن ثم وأخيرا وختاما قبل التحقق، في الصحراء، عند ارض الجزيرة.
تقول ارض الأنماط الثلاثة، ان ليس كل ما لا يمكن تحققه في حينه، لا يكون ولايوجد، وتلك من اهم خاصياتها حيث التشكل السما/ ارضي للكيانيه التي لاتتحقق الا"مملكة الهية" ومظهر تفكر استثنائي، لايشبهه مظهر اخر، تمثله "النبوه"، وكل المبنى اللاارضوي الذي يولد كيانيه مفارقة ومقابله، ليست اقل حضورا من الارضوية، وتلك اهم دالات المضمر المكنون في الظاهرة المجتمعية، هذه التي وجدت بالاصل باعتبارها المحطة الأخيرة من تبلورات العقل منذ ظهوره وانبثاقه في الجسد الحيواني ،حين انتهاء امد النشوئية الحيوانيه الأولى، وحلول نشوئية الازدواج ( عقل/ جسد)، العقل فيها هو القصد والغاية، بعد ان يكون الجسد الحيواني قد بلغ منتهى غايته، ودخل مرحله اكتماله العضوي، وماعاد خاضعا لعملية التصيّر والارتقاء.
لاتكون المجتمعية مجتمعية مكتملة القوام والعناصر، الا حين تغدو "تحوليّة"، منطوية على الاليات الأعلى الانتقالية من المجتمعية الى مابعد مجتمعية، الامر الذي توفره حالة ارض الأنماط الثلاثة، انطلاقا من ارض الرافدين، وجنوبها حيث دلتا النهرين، وخاصيات الحياة على حافة الفناء وسط بيئة مجافية من كل وجوهها، وبالاساس تدميرية نهريها القصوى، عدا عن حدودها المهددة بسيول الأمم والسلالات النازله من الشمال والشرق والغرب نحو بقعة الخصب الاستثنائي من الجبال الجرداء، والصحارى القاحلة،ومايثيره كل ذلك ويولده من قلق استثنائي، وجنون يقظة مقابل غدر النهرين، وخطر مايتدفق بشريا من الجهات الثلاثة، عدا مايفرضانه من رخاوة وهشاشة البناء، مع استثنائية تعقيده وحساسيته ورفعته البنائية، وشدة دينامياته، فتعرضه للانهيار تحت وطاة ضغوط الداخل والخارج، بعد القمة التي هي لزوم حتمية البناء ضمن شروط المجافاة القصوى، ماقد وصم هذا الجزء من العالم ابتداء، بالخضوع لقانون الدورات والانقطاعات، فجعل منها خاصية معممه كحصيلة شامله للكيانيه الشرق متوسطية كلها.
مع الاشتراطات المجافية اللاارضوية، ينشأ شرط ونوع الكيانيه السماوية غير القابلة للتجسد ارضويا، بانطوائها بنية على النزوع مافوق الأرضي، الذاهب الى ماوراء مجتمعية، وبالذات وراء نوع الارضوية الأحادية الأدنى، التي تكون عند الابتداء، وتظل لمدى طويل، هي الغالبة، واقعا ومفاهيم، وتصورات، تنتظر اكتمال تشكل العقل ضمن الياتها وتفاعلها عبرالدورات، الى ان تتسنى له ممكنات تجاوز قصوره الأصل بإزاء الظاهرة المجتمعية وطبيعتها ومنطوى غايتها، واضطراره للمرور أولا بطور الرضوخ لوطاة الأحادية والبداهة، وهو طور ليس بالقصير، قبل ان يرقى العقل لمستوى وعي المودع في الظاهرة المجتمعية من خاصيات نافية لها، ومتجاوزة لما تتبدى عليه منذ النشاة.
كل مسارات المجتمعية ماقبل التحولية، وقبل اكتمال أسبابها البنيويه رافدينيا في ارض سومر، وكل مايرافق مظاهرها وتقلباتها المعروفة، مابين طوراللقاط والصيد، حتى اكتمال عناصر وأسباب التحولية رافدينا، وكيانيا ثلاثي الأنماط.هي ماقبل مجتمعية مكتملة، تنتمي لمرحلة التمهيدات الانتقالية، بما يعني ان المجتمعات تكتمل بنية ليس ب "التجمع وإنتاج الغذاء" كما هو شائع احاديا، بل بهما أولا، او محايثة، وبخضوع الظاهرة المستجدة لاشتراطات التحول البنيوي غير القابل للتحقق، بمعنى ان المجتمعات وجدت ويسرت بنيويا وتفاعلا، لكي تؤدي مهمة أساس، هي "التحو!ل" الذي يظل ناظما لوجودها، ومميزا لتاريخها ومحركاتها، ومتجها بها واخذا إياها نحوه كتحقق.
يعم بناء عليه وينتشر ماهو موافق للحقيقة، وماتنطوي عليه المجتمعات من غير الظاهر الممكن ادراكه ابتداء، والابراهيميه النبوية، اذ هي تسعى للتبلور مطرودة خارج منشاها، فانها تكون في الوقت ذاته دالة على التفاعلية التحولية، تخترق بنى الشرق والغرب خارج الشرق متوسطية، وصولا الى الهند والصين لجهة الشرق، والى اوربا ومابعدها غربا، يحالفها في مهمتها تلك قانون التفاعليه، المودع في الخارطة المجتمعية على مستوى المعمورة، مع توزعاتها النمطية، وتدرجات اقترابها او ابتعادها عن نمطيتها، ومابين احاديات الغرب والشرق وصلادتها البنيوية، مقابل هشاشة وارتقاق بنية الكيانيه متعددة الأنماط، تقع هذه الأخيرة تحت طائلة الاحتلال والغزو التفاعلي، لينشأ حال التحاق بدرجات، بالبنيه التحولية، مظهره الأهم حالة الاختراق الذي تحققه الدولة اللاارضوية، ممثلة بالابراهيمه كرد على عبور الامبراطوريات الشرقية والغربية، وتلاقيها الاجباري فوق الأرض، او الكيانيه المتعددة الأنماط، ارض التحولية وموئلها.
تاتي امبراطوريات الشرق والغرب محمولة بدفع قانون احتياج وضروره دون وعي منها، لاجل تخفيف وطاة بناها الأحادية، والانخراط بنسب في التحولية، يشجعها على ماتقدم عليه لااسبقيتها، بل على العكس رهافة ولاصلادة مبتنى الكيانيه متعددة الأنماط، مابين بنية ازدواج مجتمعي، ورهافة بنيويه اصطراعية داخليه تنتقص المبنى الامبراطوري الرافديني، وتسبغ عليه هشاشة معززة بنيويا داخليا، ومبتنى احادي واحدي النهرية، رقبته في الاعلى بيد دولته، اذا ازيلت وحلت مكانها أخرى غازية، خضع لها وتاقلم مع اشتراطاتها وسعى لاستيعابها بمامتاح له بحسب بنيته، والامر ينسحب اكثرلهذه الجهه، على النافذه البحرية الشامية، القابلة للاخضاع، وممر الامبراطوريات كيانيا ضمن الشرق متوسطية، وتلك الاتيه من خارج المنطقة. كل هذا من شانه تمييز والتفريق بين كيانيات الأحادية المتشكلة داخل حدود وتماثل في النمو المجتمعي الاوربية، وبين كيانيه تحقق كيانيه دولة مفارقة، لاارضوية، بجانب ارضوية غير صافية، متاثرة بمفعول مايضادها ازدواجا.
بالمقابل تحتفظ الكيانيه متعددة الأنماط بالجزء الصحراوي الاحترابي الاستثنائي حيث المجتمعية الأحادية اللادولوية، والخضوع لقانون واقتصاد الغزو، بمعنى الحرب بدل العمل في الأرض وسيلة ومصدرا للعيش والبقاء، والوحدة المجتمعية القبلية، والمتنفس التجاري الذي يخترق الجزء الصحراوي من الجنوب حيث البحر، الى الشمال باتجاه الهلال الخصيب والبحرالمتوسطي، وفي مكان من هذا القبيل، ليس هنالك مقابل يقارن بقدراته الاحترابية على مستوى المعمورة على الاطلاق، مايعود ليؤكد بهذه المناسبه، ويكرس قانون التفاعليه ونوعه ووجهته، بالاخص في حال خنق هذا الجزء من قبل الاحتلال الفارسي كما حدث بالفعل بعد سقوط بابل، وتمدد فارس الى الخليج واليمن، واغلاقها المسرب والرئة التجارية، مع التهديد بالاختراق العسكري لولا صعوبته الاستثنائية، ماقد فاقم من ازمة المجتمع القبيلي، واوصله تأزما الى الذروة، ليجعل من مهمة توحيده عقيديا بالابراهيمه التي قطعت اشواطا متقدمه في استكمال صيغتها المفهومية الكيانية اللاارضوية ابان مرحلتها المصرية الساحلية الشامية، وصولا للقراءة المسيحية الثانيه، وصارت بالإضافة للبنية الجزيرية لمجتمع اللادولة الأحادي الاحترابي، وسيلة تتعدى الدعوة البحتة، الى التطبيق، وتذهب خطوة هامه، من "الدين" السماوي، البحت الى "الدين/ الدولة" ارتكازا الى نوع البنية الموضعية ونوعها. ومنذ تحول المجتمع الجزيري ب"القرآن" الى مجتمع عقيدي احترابي غير قابل للصد، خرج من ارضه بمائة وعشرين الف مقاتل من الحفاة، ليسقط امبراطوريتين عظميين، ويزيلهما من على وجه الأرض، ويفتح خلال امد قياسي، العالم من الهند والصين الى اوربا.
رخاوة وهشاشة، في قلبها طاقة احتراب عظمى استثنائية، هكذا يعمل قانون التحولية التصيّري التاريخي، اجتذاب للامبراطوريات شرقا وغربا، مع رضوخ وانمحاء ظاهر، ينتج عنه صد واختراق مقابل على الجهتين، حصيلته ودلالته ومقياس الرفعه فيه، مدى الاقتراب والابتعاد عن مقتضيات التحول المجتمعي مع توفر أسبابه، مايجعل من التاريخ المجتمعي تاريخ التحولية والتفاعليه الكوكبية، عبر وحول المتوسط، وإذ يجري كل ذلك، فانه يجري تحت طائلة التوهم، وغلبة الاعتقادات الأحادية والملموساتيه العلموية، دلالة على المظهر الأبرز الملازم لعلاقة العقل بالظاهرة المجتمعية، ونكوصه عنها، وقصور احاطته بمضمرها، والمودع فيها، بما يجعل من هذا التحدي بالذات، نقطة الفصل في الصيرورة العقلية ووجهتها، ومآلاتها المقررة لها، والموكولة للظاهرة المجتمعية وتحوليتها، بما هي مسار وعامل أساس في تحولية العقل، والانتقال مابين استمرار الخضوع للجسدية، أي لبقايا الطور الحيواني السابق على انبثاق العقل، وصولا لتحرره واستقلاله، أي تخلصه من وطاة وحضور الحيوانيه الباقية عالقة به.
ـ يتبع ـ