ثلاثة أنهار وصحراء وشرفه؟/2

شهر واحد أسبوع واحد ago

عبدالاميرالركابي
تنقسم الكيانات الى نوعين بحسب ماتتوفر عليه، وماهي محكومة له من أنماط مجتمعية، وبالذات في حال "الازدواج المجتمعي" وتجلياته كدولة ثنائية : أرض/ سماوية، بما هي وحدة، شرطها التناقض والاصطراع، متشكلة من نمطين متصارعين، امبراطوري منتقص في الأعلى ، و سماوي مستبدل في الاسفل، شكل تجلي الأخير يضيق به منشأه المكاني فيمتد ضرورة خارج مجاله الجغرافي المحلي، على هيئة وعد خارج ارضه، بما يجعل حالة الازدواج متعدية بالضرورة للنطاق الجغرافي الحصري، مقارنة بنوع الكيانيه الأحادية الأدنى، المعتبرة مع ذلك نموذجيه، الامر الذي يتكرر حصوله في الدورتين التاريخيتين، الأولى والثانيه، كما تمثلتا ابتداء في المسار الابراهيمي خارج ارض الرافدين، وفي الثانيه عبر القرمطية المهاجرة الى الجزيرة واليمن والبحرين وارض الشام، والى المغرب العربي بالاسماعيلية والفاطمية، التي استقرت في مصر فاكملت تعريبها و اسلمتها، وذهبت عبرها نحو ساحل الشام تكرارا، ضمن الكيانية متعددة الأنماط(1).
هذا التشكل ليس حالة خاضعه للتوقف او للتجلي النهائي عند نطاق الدورتينـ الأولى والثانيه،من دون استكمال وتحقق لما انطوتا عليه ونمتا عنه، وكانتا ماخوذتين به، بدفع من آليات صاعدة، ذاهبة نحو "فك الازدواج"، حين تتوفر الأسباب الضرورية اللازمه ماديا للتحقق، والتي كان غيابها والحاجة لها من قبل، مانعا، ظل يحول دون انتقال مجتمع اللادولة، نحو مايوافق كينونته متعديا اشتراطات اللحظة، وما تستوجبه وتقتضيه من حضور وصراعيه دينامية لازمه، لا مجال لتجاوزاثرها، مع طول زمن غلبة العنصر الأحادي منها على المستوى الاستيعابي العقلي ضرورة، كحالة قصور وعجزاني مانع للإحاطة بالحقيقة المجتمعية ومنطواها.
هنا نصبح امام اخطر الأسئلة المتعلقة بظاهرة الاجتماع، وماهي منطوية عليه، ووجدت لاجل تحقيقه، الامر الذي جرى التعارف على نسبته مختزلا بما يسمى ب " الحضارة" باعتبارها الهدف، والمنطوى الشاغل للكائن البشري المجتمعي، وهو مايجري الاخذ به عادة من دون فحص جاد في المقطع المجتمعي واشتراطاته، أودالات وجوده ومساراته الأولى، بالاخص اذا تطلب الامر الكلية بلا تجزئة، او اختزال، يقع بمقدمها، ومن بين اخطر مكوناتها، الحاجات الجسدية والغريزيه، بلا اجمال لها مع ماعداها، ومايواكبها من اشكال تمظهر غير مدرك حيوي لايرتهن كاساس للحاجة الحيوية المباشرة والمادي منها بالذات وحسب، وكل هذا يجب ادراجه ضمن ممكنات العقل، وحدود طاقتة المتغيرة والمتطورة على الإحاطة، مايحول ابتداء دون التعرف على ظواهر اساسية رغم حضورها، من قبيل تصور امكانية وجود ظاهرة أساسية من نوع "المجتمعية اللاارضوية"، او التي لاتتجسد ارضويا، مقابل الذهاب للتركيزعلى، وتكريس ماهو ظاهر من اشكال المجتمعات، وانواع التنظيم المجتمعي على مستوى الدولة وإدارة المجتمعات.
ويظل يبرز من نواحي النقص الأساسية بلا توقف، مفعول القصور العقلي بمواجهة الظاهرة المجتمعية، تلك الخاصية الملازمه لحضور العقل وفعله ودوره، كما تشكله الضروري ضمن الظاهرة المجتمعية، باعتبارها وعاء واطار نشوئية وترق عقلي، وهو مايظل متحكما برؤية العقل للمجتمعية الى منتصف القرن التاسع عشر، حين بدات اولى علامات ومحطات التعرف على المجتمع كظاهرة، مع ان ذلك حصل ابان الصعود الغربي الحديث، ضمن نطاق الأحادية الغالبة والمستمرة غلبتها، فلم يذهب مايعرف ب "علم الاجتماع" الواجب وصمه ب "الأحادي الغربي"، الى مقاربة الأنماط المجتمعية كما هي موجودة ووجدت، ابتداء وبالذات في موضع الابتداء المجتمعي الشرق المتوسطي، فغاب اليوم تماما احتمال "النمطية الازدواجية" من النظر، ومن نطاق البحث والاخذ بالاعتبار، كما جرى النكوص دون مقاربة نمطي الأحادية: أحادية الدولة ونموذجه النيلي، واحادية اللادولة ومثاله الصحراوي، عدا الاشكال المختلطة الأخرى.
الجهل بالنمطيات المجتمعية، او استمراره الى اليوم، يمنع العقل من ان يقارب ماهو كامن ومضمر في العمليه المجتمعية من احتمالية سيروه، وقانون اخذ نحو هدف بعينه، يكون متوافقا مع أنواع النمطيات، والمترتب على وجودها من فعالية مجتمعية، من نوع ذلك الذي تدل عليه على سبيل المثال السيرة الابراهيمة، باعتبارها مظهر تحقق الممكن من الدولة او شكل المجتمعية غير القابلة للتحقق آنيا، مع مابترتب على ذلك من تضييق لمدى واحتماليات استمرارية المجتمعية، وبالذات منها وعلى راسها، احتمالية المجتمعية النافية للمجتمعية المنتهية الصلاحيه.
وجدت المجتمعات محكومة لقانون"بناء الحضارة"، اوانها "وجدت مؤقته ومحكومة بقانون نفيها ذهابا الى اللامجتمعية" هذان منظوران ومنطلقارؤية للذات والوجود، متباينان كليا، ينتمي كل منهما لعالم مختلف جوهرا، لايمت باية صلة لمايقابله ويناقضه، الأول هوعالم القصور العقلي، والنكوص بإزاء الظاهرة المجتمعية، وصولا الى المحطة التي تشير الى انقضائه، والثاني مؤسس على فرضية الانقلابيه الكبرى المنتظرة على مدى التاريخ المجتمعي، والتي هي هدف موافق للغاية التي وجدت المجتمعات كضرورة عقلية بالأساس تلبية لمسار العقل منذ انبثاقه في الجسد الحيواني، وذهابه صيرورة الى الاكتفاء بذاته، والتحرر من حامله، او الوعاء الارضوي الذي هو ملزم كينونة بالحلول فيه مؤقتا، قبل استكماله مساره الكوني.
تبديل المنطوى المجتمعي وهدف الظاهرة المجتمعية ومآلها، يترتب عليه بالطبع وحتميا تغيير موافق في نوع الاليات المطابقة، وفي مواقع ودور المجتمعات بحسب نمطيتها وبنيتها، مايخرج والحالة هذه المجتمعية الاوربية من نطاق التعبير عن "التاريخ"، فضلا عن الميل لمصادرته، والسعي لاحتلال موقع المركز فيه، هذا عدا عن كون إقرار حقيقة كهذه، يلحق هذا الجزء من المجتمعيات ضمن التفاعلية الاشمل، باعتبارها جزءا فاعلا ضروريا ضمن العملية التصيرية الكلية، يضطلع بدور مساعد أساس وضروري داخل العملية التحولية الكبرى، والتي هي من اختصاص، وكانت بالاصل مودعة نشأة ومنطلقا في ارض الرافدين، وكيانيه الأنهار الثلاثة والصحراء والشرفة البحرية.
تبدا الظاهرة المجتمعية بالاكتمال وتصيرماهي، باحتوائها على الأسباب البنيوية التحولية، واساسها الازدواج، ومجالها التكميلي الأحادي النهري الصحراوي ومايلحق به، لتعيش تاريخا من ديناميات التحقق غير الممكن، تستغرق ثلاث دورات الى ان تضطلع بدور حاسم فيه الأحادية الانشطارية الطبقية عند نهايتها، منتج الوسيلة المادية الضرورية المنتظرة، واللازمة لانتقال المجتمعية التحولية بنية، الى مجتمعية قابلة للتحول ماديا وواقعا، في حين تفقد المجتمعية الاوربية الانشطارية الطبقية أسباب وديناميات انشطاريتها التاريخية، وتغادر فعاليتها لصالح كيانيه جديدة اعلى، تفقس خارج رحم التاريخ، في قارة تكون هي الأخرى قد ظلت "مضمرة"، وخارج التداول، تكون محكومة كينونه لثنائية الابراهيمة المزيفة / الغرب الراسمالي، في حين تضطلع بالدور الرئيسي في تامين الوسيلة التحولية المادية، بينما تكون المجتمعات على مستوى المعمورة قد دخلت أصلا الاشتراطات التحولية القسرية، او تلك الدالة على انتهاء صلاحية الظاهرة المجتمعية، وقرب زوالها انتقالا الى مابعدها.
لاتحتفظ النمطية الثلاثية الشرق متوسطية باسباب ديناميتها التاريخية التي تاسست عليها، وعاشت بالتفاعل مع موجباتها، فتحول هذه عند لحظة معينه بذاتها، هي تلك التي تشيرلقرب تحقق الانقلابيه العظمى، حين تبدا وقتها كمثال الدالات على اختلال وتوقف عمل الأحادية النيلية/ بانتهاء دور النيل في تعيين شكل المجتعية أحادية الدولة، واساسها التوافقية البيئية الانتاجوية، في حين تفقد الصحراء الياتها الاحترابية، بالريع النفطي الذي يخرجها من طبيعتها الى لا افق، بينما تكون منطقة ساحل الشام، قد بدات تعيش حال الاحتقان والتفجر الكبرى المتاتيه من محاولتها تجاوز كينونتها الأصل، المنافية لاشتراطات الدولة، والتي يفرضها عليها، ويغري بها الغرب بحضورة، وهكذا تصير منطقة الشرق المتوسطي بحالة إعادة تشكل اضطرابيه، يتسبب في بلورتها حضور الغرب ومشروعه وانعكاساته المادية النموذجية والمفهومية على مدى يزيد على القرنين، ينتهي الى استنفاد الأسس البنيوية فعاليتها، في وقت تختفي معه فعالية النموذج الغربي المقحم، والذي جرت محاولات استعارته خارج مقتضيات البنى التأسيسية متعددة الأنماط الشرق متوسطية.
وقتها تكون حصة ارض الرافدين مميزه مجددا، من جهة بدور الريع النفطي وتصادماته التفاعلية مع البنية الإمبراطورية،مايمهد للحظة "فك الازدواج" المنتظرة منذ اكثر من سبعة الاف عام، وقوة الالغائية الشرقية الغربية المتجددة راهنا، والتي تعيد التذكير، مع تغير الشروط، ونوع الفعالية، بالجضور الامبراطوري الفارسي / الإيراني، الروماني المتحول الى الإمبراطورية الازدواجية المتاخرة، الراسمالية المتشبهه يالابراهيمة بطورها النبوي المنقضي، حيث اللحظة لحظة الانقلاب الأكبر الى الطور "مابعد النبوي "، أي طور التحقق الابراهيمي في ارض المنشأ، يوم تعود لتبدا دورة أخرى من التاريخ النشوئي الحي . عنوانه الرئيسي العبور من المجتمعية، الى مابعدها.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1) يجمل الإسلام اعتباطا على انه واحد، دعوة وفتحا، من دون تاريخه الامبراطوري الازدواجي الرافديني، حيث إعادة التشكيل امبراطوريا ازدواجيا وابراهيما، مايجعل هذا الحدث منقسما الى ( جزيري / وابراهيمي) والأخير به تتعين الحدود الختامية للنبوه، وينتهي الفعل النيوي الابراهيمي الى "الانتظارية" بعد ثبوت تعذر التحقق في حينه، يسبقه طور من المذاهبيه ومحاولات الصعود الى التحولية غير الممكن، والمحال الى زمن اخر، وهو ماجرت محاولة بلوغه بعد النكسه الشامية الاموية، والعودة للقبلية على حساب العقيدة.