النبوة وفهاهة المتنطعين؟/ 3

3 أشهر 3 أسابيع ago

عبدالاميرالركابي
مع القرن الثالث عشر دخلت منطقة الابراهيمة الشرق متوسطية طور الانقطاع الثاني، المفضي للدورة الثالثة التحققية مابعد النبوية، بدات أولى تبلورات الدورة الأخيرة في القرن السادس عشر من ارض سومر، ارض الدورة الأولى، والامبراطورية الازدواجية، فاتسم التشكل الحالي بقوة وطاة الاستبدال التاريخي الملازم لتجليات المجتمعية غير القابلة للتجسد الارضوي، والمحكومة لقانون "العيش على حافة الفناء" بيئيا، ومايفضي له من التجسد المفارق للارضوية، وبينما كانت الدورات التاريخية تتحقق في الماضي لمرتين ضمن اشتراطات تخلو من العائق،من المجتمعات المجاورة الفعالة امبراطوريا احاديا في الدورة الأولى السومرية البابلية الابراهيمه بفعل الاسبقيه وبكورة الحضور، وفي الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، بسبب الفتح الجزيري وامتداداته الى الشرق، وجدت الدورة الحالية على العكس محكومة بالصعود ضمن اشتراطات وخلفات مع مستجدات معاكسه من الشرق والغرب.
هذا مع انتفاء الممكن التحريري الجزيري الذي رافق وكان وراء الدورة الثانيه، فالحضور الجزيري ماعاد اليوم ممكنا، والسيناريو الذي تخيله محمد بن عبدالوهاب كمثال، كانت أسباب تحققه في اللحظة الراهنة، غائبة والامتياز الاحترابي الجزيري لمجتمع اللادولة المحارب كينونة، فقد اليوم تميزه الاحترابي الاستثنائي بظل التطور الحاصل على العسكرية والاحتراب العسكري الاحترافي، ماجعل بالامكان لمحمد علي الالباني على سبيل المثال، ان يهزم الحركة الوهابية في عقر دارها،مقارنه بالطاقة الهائلة التي انطلقت من الجزيرة واسقطت الامبراطوريتين الفارسية والرومانيه في القرن السابع، بينما كان اختراق الصحراء الجزيرية واخضاعها المباشر، متعذرا على الامبراطوريتين الكبريين على مدى قرون من المحاولات باءت وقتها بالفشل، لتنتج في نهاية المطاف حركة معاكسة، حررت المنطقة، وفتحت الباب امام عودة آلياتها المعطلة للعمل من جديد، بالاخص وتحديدا في البؤرة الازدواجية الإمبراطورية الرافدينيه.
هذا الوضع كان من شانه ان القى بتميزات راهنيته ونوع أولوياته ومنطوياته كلحظة تاريخيه مختلفة اعلى، من اول ملامحها، ايكال المهمة التصيّرية الراهنه على عاتق ارض الازدواج الرافدينيه منفردة من ناحية، مع كل مقتضيات معالجتها لاشتراطات التحقق التي كانت وظلت متعذرة ابان الدورتين الأولى والثانيه، وافضت وقتها كاجراء مؤقت اضطراري الى "النبوة" في الدورة الأولى و الى "الانتظارية" في الثانيه، في حين غدت الأسباب التحولية، والاشتراطات المادية الضرورية لتحققها حاصلة وقريبه، ذلك مع العلم ان ارض الرافيدين اليوم سيكون مكتوبا لها ان تعرف احتلالا شرقيا، هو من متبقيات الدورة الثانيه، وتجسداتها بعد انتهائها شرق متوسطيا، لدى الأمم والشعوب الشرقية التركية والفارسية، ولاحتلال ثان اوربي، طاغ على المستوى النموذجي والمفهومي، يضطرها لان تمر بثلاث حقب وفترات: الأولى "قبلية"، و الثانية " انتظارية"، والثالثة "ايديلوجية حزبيه" متشبهة ومفبركه على نسق الوطنية بحسب النموذج الغربي.
وقتها تكون منطقة الأنماط المتعددة الشرق متوسطية مشمولة هي الأخرى بذات الاشتراطات، مع فارق بقاء الموضع الرافديني بحالة اقصاء وغياب عن الواجهه، في حين تتصدر الجزيرة العربية، وبالأخص مصر وساحل الشام، واجهة الفعل ومحوريته، فتنشأ هناك حالة من "النهضة الزائفة" المتشبهة بالغرب، والموحية بإمكانية توطين نهضته خلافا لعمل الاليات الذاتيه التي تكون وقتها غائبة تحت وطاة طور الانقطاع الثاني، المستمر تاريخا منذ سقوط بغداد عام 1258، هذا في حين تقصى حالة التشكل النهوضي المتصلة بالحاضر، وبالمقارنه بين عودة التشكل الرافديني منذ القرن السادس عشر، وحضور الالباني محمد علي الى مصر في القرن التاسع عشر، او محاولة محمد بن عبدالوهاب احياء مالايمكن احياءه، لايعتبر العراق موجودا. مع ان ظاهرة "اتحاد قبائل المنتفك" و"دولته/ اللادولة" التي استمرت قائمة على مدى اكثر من ثلاثة قرون في حالة صراع مع العثمانيين، بنيويا بالدرجة الأولى، تتفوق من كافه الوجوه حضورا وفعلا ودلالة تاريخية، على ماقد عرفته المنطقة خلال القرنين الأخيرين من ظواهر واحداث لاتمت بصلة الى الفعالية الذاتيه التاريخيه بصفتها راهنا، بقد ر ماهي موصولة بالماضي المنقضي وببقايا الدورة الثانية ابان زمن الانقطاع، او محاولة استعارة نموذج الغرب وحداثته.
ماسلف ينطوي على دلالتين رئيسيتين، الأولى ان الاليات الذاتيه المتصلة بالبنية والكينونة المجتمعية لمنطقة الأنماط المتعددةالشرق متوسطية، لم تكن غائبة، وانها كانت على العكس حاضرة واخذه بالفعل والتشكل في الموضع البؤرة والرئيسي الازدواجي التحولي الاصل، والثانيه تمثلها حالة استمرار قصور العقل والرؤية الرافدينيه الشرق متوسطية عن الارتفاع لمستوى منطويات الدورة الناشئة، بظل هيمنة وسطوة الاحتلالات، والنهوض الغربي الحداثي الطاغي، وقبلا تمكن الأسباب الانقطاعية التاريخيه المستمرة بعد انتهاء الدورة الثانيه، بانتظار اكتمال التجربة الراهنه بخاصياتها النوعية مستجداتها الختامية، قبل اختمارها.
وفي كل هذا واهم مايميزه، استمرار تعذر وعي الذاتيه التاريخي مهيمنا باعتباره النقص الأكبر، متولدا عن أسباب بنيوية تاريخيه نشوئية اصلية ظلت تحول دون مقاربة العقل لمنطويات الظاهرة المجتمعية أصلا واساسا، بالإضافة الى تحكم الفترة الانقطاعية ومايرافقها وينتج بظلها من تباطؤ في عمل الاليات التاريخيه ومعها العقلية، ماكان من شانه تشجيع نزعة تقبل البديل الجاهز المنقول، سدا للفراغ، ذهابا لالصاقه بالواقع الشرق متوسطي خلافا لكينونته وطبيعته البنيويه والكيانية غير المكتشفة أصلا، ماقد أعاد للتكرار نفس الحال التقليدي المتمثل بطمس ابعاد ومكنونات الظاهرة الازدواجية الرافدينيه، ومنجزها الأصل، وماسبق ان ظهر فيها من أساس تعبيرية أولى ابتداية عن الخاصيات البنيوية الكيانيه الشرق متوسطية، منذ تبلور النبوة التعبير "الوطني" الممكن والمتاح ضمن الاشتراطات الأحادية، وابان غلبه الارضوية والاحادية المجتمعية، في حين تصدرت المشهد حالات هي بالاحرى الأضعف دينامية، كان اختصاصها ضمن البنية الكيانيه، غير تاسيسي ولا إبداعي شمولي، بسبب احاديتها البنيوية، أولا تبلورها الكياني الموضوعي، مثل حالتي وادي النيل، وساحل الشام، الذين اختصا للأسباب البنيوية القصورية المنوه عنها،كل من جهته، بمهمة الاستعارة والتماهي مع الغرب ونموذجه مع اشاعة وهم ماعرف ويعرف الى اليوم ب: "عصر النهضة" الزائفة، وماشاع من موضوعاتها المستحيله، لتعارضها البنيوي الكلي مع الكيانيه المنقولة لها اعتباطا تحت وطاة الغلبة الانيه الغربية ومواطن القصور الذاتي.
ووقتها وللاسباب المتداخلة المنوه عنها أعلاه، لم تحضر النبوة باعتبارها ملمحا أساسيا تكوينيا وتعبيريا دلا على الازدواج ومحايثا له، كماعلى النمطية المجتمعية اللاارضوية، واستبعدت باعتبارهامكونا دالا على لا أحادية ولا ارضوية المجتمعية التي انجبتها، ومع استمرار طغيان الأحادية، فلقد استمر التعريف الايماني اللامجتمعي للنبوة والتعبير الابراهيمي، كوسيلة اقصاءمن الحياة والواقع، ولم يكن بناء عليه ليخطر على البال احتمال، ان لم يكن حتميه تطور شكل التعبيرية اللاارضوية مع تغير الاشتراطات التاريخيه، كما كان بناء عليه من المستحيل تخيل نوع تجسد للمجال الذي صدرت عنه النبوة ضمن الزمن الذي جعلها ضرورية وممكنه، جديد، يكون متعد للنيوه، بصيغتهاالتي وجدت عليها ابتداء، ويمثل في الوقت ذاته طورها الأعلى، اللاحق على نوع التعبيرية الابراهمي الحدسي الضروري الاول.
كل ذلك كان من شانه ان يضع المنطقة الشرق متوسطيه ضمن اشتراطات مانعه لوعي الذات، ومعها بالطبع وعي عناصرها الكيانيه، ناهيك عما يدل على نضجها وحضورها الحيوي الراهن، ليكرس بفعل العجز التصوري، والغلبة الغربية الحداثية، حالة وطورا من الالتجاء للجاهز المنقول عن الاخر،تعويضا عن ضروري وذاتي متعذر، استمر لمايزيد على القرنين بينما توابعه ومخلفاته ماتزال حاضره وفاعله الى اللحظة الراهنه. وحتى بعد ان أصيبت البنى المجتمعية الاساسيه بالاختلال، وبعد ان اخذت محاولة التشبه بالغرب تفقد ابسط مبرراتها، لتحل لحظة من الاختلال المضاعف المركب، تواكبها على الصعيد الكوكبي حالة انتقال الى مابعد حداثة غربية، والى بدايات تأزم شامل على مستوى المعمورة، هو نذير انتقال تصيري تاريخي اكتملت عناصره، وصار مطروحا على جدول الحياة البشرية كواقع لامهرب من مواجهته.
يعيش الكائن الحي البشري منذ تبلور الظاهرة المجتمعية، طورين من حياته: الأولى تتميز بجهله شروط وجوده ومنطوياتها المجتمعية ومآلاتها، بينما يستمرالعقل في حال قصور ياخذه لاعتماد منظور احادي، غير متطابق مع الحقيقة الوجودية المجتمعية ومغيب لها ولخاصياتها الرئيسية "التحولية"، وصولا الى الطور النهائي المجتمعي عند انتهاء دور وصلاحية الظاهرة المجتمعية، حين يصبح الوعي بها وبمنطوباتها لزوما اكراهيا، وسط موجبات مصيرية تفرض على العقل وتجبره ضمن اشتراطات خبرته التي تحصل عليها من مساره التاريخي، وماقد تهيأ ماديا من أسباب الانتقال العقلي، لان يغادر مضطرا وتحت طائلة تهديد الفناء، قصورة وعجزه البنيوي، لينتقل مكتسبا صفات التحولية المطابقة لاشتراطات وجوده، والأسباب الكامنه وراء كينونته الأصل بالاتفاق مع "الغائية الكونيه العليا" الشاملة للاكوان.
الانتقال الأعظم المنوه عنه، له بؤرة ابتداء وحضور مغمط ومطرود، يظل خارج الاعتبار الفعلي مادام العقل خاضعا لاسباب قصوره، لحين تبلور الأسباب الانتقالية التحولية، وانبثاق الطور الثاني من العتييرية المصاغة كابتداء حدسيا"نبويا" أي ارضيا / لاارضويا، يوم تنبثق " الابراهيمه العليّة"، الطور الأخير والتحولي الانتقالي من الرؤية الأرض/ سماوية، مع تبدل شكل صياغتها الأول المحكوم لاضطرارات اللحظة التي وجد ضمنها، واستجابة لاضطراراتها، بما في ذلك نوع الربوبية ومفهوم"الغائية الكونية العليا" .

وسوم