عراق بلا"وطنية"ولاعقل فعّال؟/1

شهران أسبوع واحد ago

عبدالاميرالركابي
عاشت ارض الرافدين / العراق، فيمايعرف بالعصر الحديث، من دون وعي بالذات، وبناء عليه بلا "وطنية"، واذ هو قد حضر فانه كان موجودا بحكم الاليات التكوينية العائدة للبنيه الأساس التاريخيه، بالضد من، وفي حالة اصطراع، مع مايعرف بالحداثة الغربية واشكال حضورها المفهومي، والمباشر الاستعماري، وسواء على صعيد شكل الكيانيه، او مايضادها من نوعها، عرف هذا الجزء من العالم فبركة كيانيه تجلت على مستوى المفهوم و"الدولة" المقامة من خارج النصاب الاجتماعي والتشكل الوطني الذاتي الحديث، هذا على المستوى الأعلى، اما على المستوى الأدنى المفترض به التعبير عن "الوطنية"، فقد واجه نوعا من الفبركة من اسفل، مؤسسة على اكراه الواقع والبنيه على الانصياع لنمط الكيانيه الغربية، بعد المصادقة على المفبرك منها، بالمقابل لم يتسن لهذه البلاد التعرف على"الوطنيه" بمعنى الحركة المعبرة عن الذات، ولا تحديدا عن الاليات التاريخيه المميزه لموضع عرف على مر التاريخ بتعذره بنية وكينونة على الإحاطة العقلية، لخروج منطوى بنيته وتركيبها، عن نطاق الإحاطة العقلية في حينه.
ومن اشكال وممارسات الاكراهية المناقضه والمضادة للوطنيه، ماظل متداولا من اطلاق صفة "الحركة الوطنيه العراقية"، على ماكانت عرفته البلاد في الثلاثينات من القرن المنصرم من تنظيمات وأحزاب ايديلوجية: ليبرالية، وماركسية، وقوميه. اعتبرت نفسها "الحركة الوطنية العراقية" اعتباطا، ومع كونها لم تؤسس على اية "رؤية" عراقيه مرتكزة للنظر في الحقيقة التاريخية والبنيويه، والاليات كما يفصح عنها التاريخ العراقي الأطول من بين تواريخ المجتمعات على مستوى المعمورة، مع ماهو متعارف عليه ومعترف به من قبل الجميع، عن كون هذا الموضع من العالم، هو مهد البشرية المجتمعية، او مايطلق عليه تعبير "الحضاره" المتداول، وبدايتها التاسيسية.
سياق مثل هذا ولد حالة تناقضية فريدة "حديثة"، جعلت هذه البلاد تعيش حاضرها المفترض انه "حديث"، باعتباره تكرارا لمعضلة تاريخيه تقليدية، لازمت هذا الموضع واشكال تعبيريتة عن ذاته على مدى دورتين تاريخيتين امبراطوريتين عظميين، وفي حين كانت "الحداثة العراقية" تتطلب بالدرجة الأولى حل المعضل التاريخي، وسد النقص التاريخي الملازم لبنيه متعذرة على الإحاطة العقلية، كشرط للالتقاء بالذات، والاحتكام العملي لخاصياتها التكوينيه، استعيض عن مثل هذا التوجه الضروري واللازم الملقى على العقل كتحد اساس، باستعارة نموذجية جاهزه وحاضرة، جرى نقلها والعمل على فرضها على الواقع، بغض النظر عما يمكن ان يكون كامنا فيه، او يمكن ان ينطوي عليه من حقائق خاصة وعامه، حرية بالاعتبار.
ومما يلفت النظر بقوة وباستغراب، كون مايعرف بالعقل النقلي العراقي "الحديث"، وباسم "نفي الخصوصيات"، قد عزف عن ملاحظة الجانب الكوني من المنجز الرافديني، الامر الذي يضاعف درجة الاستغراب من درجة تدني حضور العقل، من قبيل مثلا كون هذه البلاد قد انتجت اهم رؤية على مستوى التاريخ البشري، وفي مجال الايمانيه البشرية الباقية والمستمرة لدرجه تحولها لصفة ملازمه للكائن البشري اعتقادا، مثل "الابراهيميه"، ذلك ناهيك عن حشد المنجزات الاستهلاليه البكورية على مستوى المجتمعية عموما على مستوى الكوكب الأرضي، مثل ظاهرة الإمبراطورية التي يعود اصلها كشكل تنظيمي في التاريخ، الى هذا الموضع منذ سرجون الاكدي، ومن ثم بابل العظمى، وأخيرا بغداد، ماكان من البديهي التوقف عنده، لالحاقه بحزمة من المنجزات غير العادية، من البديهي ان تستجلب التلبث على سبيل التأكد، على الأقل، من احتمالية ان يكون موضعا كهذا منطو على شيء مما يتصل بالحقيقة الوجودية، حتى في ظل النهوض الغربي الحديث على ضخامته، ومستوى ماقد انجزه، كحصيله ونتيجه تراكمية، لا استهلاليه بكورية،مع مايعنيه ذلك من تميز، مثل تلك التي أسست لأول اشكال وممكنات اعقال العالم على سبيل التواؤم مع اشتراطاته وتحدياته.
على مستوى متصل مثلا، لم يحدث "اكاديميا" وفي مجال اعتبر نشطا في العصر الحديث عراقيا، ان ذهبت "مدرسة التاريخ العراقية" (1) للتوقف امام مظهر من نوع كون ارض الرافدين لاتتجسد كيانيا، الا "امبراطوريا"، بما يعني كونها ليست كيانيه "وطنيه" على النمط الكياني الغربي الحديث، كما فرض عليها ان تكون اليوم، ماقد ضيع وطمس امكانيه بحثية هامه، محورها الاثار او التجليات المتصلة بفرض نمطية كيانيه "وطنيه"/ حديثة غربوية، على موضع لم يعرف في التاريخ، الا التجلي الامبراطوري حصرا، عدا ذلك، وجب حتما على عقل فعال وتاريخي لو وجد، ان يلاحظ خاصية ملازمه لتاريخ هذا المكان، هي خاصية ( الدورات والانقطاعات) (2)يتشكل ابانها العراق امبراطوريا بصورة حصرية، وكقاعدة ثابته لا تتغير، تنتهي بحالة انهيار، تصل لدرجة الاختفاء من الوجود، وكاننا امام حالة موت وانبعاث، مع مايترتب على مثل هذا الإيقاع، ومايتضمنه من استخلاصات، واحتمالات تعميم نموذجي، لاشي يمنع من ان يتحول الى مقاربة لقانون ناظم لحركة التاريخ العامة البشرية على مستوى المعمورة.
والواضح ان مانلفت النظر باتجاهه، هو من قبيل الظواهر الموحية، والتي يستحيل على العقل حين يكون حيا وحاضرا، و "حديثا"، ان لايقاربها او يتخذها كمدخل يعين جانبا من الرؤية الضرورية للذات ومرتكزاتها البنيويه والتاريخيه، حتى بغض النظر عن ماهو موصول بمسالة الذاتيه والوطنيه. ولأسباب معرفية ضرورية على المستويات والصعد كافة، مايكفي للدلالة على مانحن بصدده يخصوص تدني لابل تهافت الطاقة العقلية العراقية الحديثة، والى اللحظة المعاشة اليوم، وتوقفها دون مقتضيات الوجود ضمن العالم الحالي، وبالذات، عالم الحداثة والتحديث كما هو عام وشائع، لابل متغلب وكاسح على مستوى المعمورة.
الا يجيز ماتقدم ياترى القول بان العراق بالذات، عرف وفرض عليه ان يعرف ويمر اليوم بطورين متداخلين، الأول من صتف الحداثة الشائعه على مستوى المعمورة، نقلي استعاري اكراهي قائم على اكراه الواقع على الاندراج ضمن النمطية الغربيه، وحداثة أخرى لاحقة التجسد مفهوميا "عراقية"، لم تبدا بعد، هي قيد التبلور كدالة على فشل الأولى وقصورها، استنادا لفعل البنيه والاليات المجتمعية الازدواجية العراقية، ذلك مع العلم ان الحداثتين لهما ماينتسبان له كينونة وتجسدا، فللعراق تشكله الحديث الثالث، السابق على حضور الغرب في القرن العشرين، هو التشكل الحديث الذي يبدأ مع القرن السادس عشر بظهور "اتحاد قبائل المنتفك" في ارض سومر الحديثة، وينتمي الى التاريخ والاليات التشكلية الثلاثية، الأول السومري البابلي الابراهيمي، والثاني العباسي القرمطي الانتظاري، وحداثة أخرى افتراضية اكراهية مقابله طارئة، مصادرها من خارج ارض الرافدين، منشؤها غربي اوربي ينتمي للدورة الاوربية الثانيه الحديثة.
وبالمقارتة بين المكونات والدافع والمحركات على المنقلبين، فان الحداثة العر اقية المطموسة المغيبة، تبدو الى الان منقوصة على صعيد أساسي، هو الحضور العقلي الفعال، اذ يظهر هذا العنصر بالذات غائبا على أهميته الحاسمه، قياسا الى المفترض واللازم، وبناء على ماهو معلوم وكان متعارفا عليه ابان الدورتين الكبريين، الأولى، والثانيه، مع مالذلك من مدلول حاسم على صعيد مايوافق البنيه، فاذا قيس مستوى حضور العقل العراقي الراهن، بذلك الذي عرفه ابان الدورة الأولى البدئية الافتتاحية التاسيسية على مستوى المعمورة، او الدورة الثانيه من منجز هائل، اعقب الدعوة والفتح، يوم تنامت على ارض الازدواج الامبراطوري الرافديني دورة ابراهيمه ثانيه( قرمطية، اسماعيلية، خوارجية، تشيعية انتظارية، الى اخوان الصفا والمعتزلة، والتقعيد اللغوي والشعري، والتاريخ والتصوف باعلى مراتبه، والشعر والادب والفنون والعلوم، والإسلام المذهبي ومدارسه الفقهية وقد صار هو الإسلام الممارس الخ...) بما يقسم الإسلام لاسلامين، الأول عقيدي ابراهيمي مطبق على اشتراطات الجزيرة العربية الاحترابية يتوقف منجزه عند ( العقيدة المتداخلة مع الفتح)، والثاني اسلام ابراهيميه ثانيه، هو ماقد تشكل واعيد بناءه في ارض الرافيدين، وضمن سياق عودة التشكل الامبراطوري الازدواجي المتجدد ضمن اشتراطات الدورة الثانيه التحريرية، المتعدية للذاتيه الصرفة كما كان عليه الحال ابان الدورة الأولى السومرية البابلية الابراهيميه(3).
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يلاحظ ظهور مدرسة عراقية ل "التاريخ" وجدت في العصر الحديث من ابرز رموزها عبدالعزيز الدوري وفيصل السامر وصلاح العلي واخرين امتازت بالنزوع الى الارتكاز للسببيه والملموسية، عرف عنها عبدالله العروي بالإشارة وان من دون تفصيل، سواء في كتابه "الايديلوجيا العربية المعاصرة" او "العرب والفكر التاريخي".
(2) الغريب انه لم يحدث اطلاقا ان لوحظت الظاهرة المنوه عنها، او جرى التعرض لها باي شكل كان، في حين عرفت نظريات استشراقية بدائية من نوع مااعتمدة على الوردي، نقلا عن علم الاجتماع الأمريكي تحت عنوان "تنازع البداوة والحضارة" الصبيانيه المضحكه حين تطبق على موضع من العالم هو مثال وأول اشكال الزراعية كتشكل مجتمعي.
(3) تتغير اشكال تجلي الدورات التاريخيه الرافدينيه بناء لتبدل الاشتراطات والتراكم التاريخي، ونوع المواجهة من حيث اشكال تحققها من دون تبدل الأسس والقواعد الناظمه للاليات التاريخيه.