من الشيرازي إلى السيستاني: الأمريكيون و"داعش" وحقبة التشييع الثانية

لايتفق الرأي الوارد هنا مع الترسيمات المعتمدة أو الشائعة بخصوص التاريخ الحديث العراقي، وفي المنطقة العربية، بالأخص منذ أن تغلبت الاستعارة المنهجية والمفهومية الغربية في العصر الحديث الأوربي وتبريره السلطوي النقلي المسمى "عصر النهضة العربية"، هذا عدا التمايزات الجزئية بين المواضع، واختصاص العراق والرؤى المؤسسة للوطنية العراقية الحديثة بالغلبة الايديلوجية المطلقة، وهو ما حدث بعد الثلاثينات، مع بدء هيمنة الوطنية الحزبية عقب انتكاسة وفشل محاولة ايجاد رؤية "وطنية" عصرية، حاول إرساءها "جعفر أبو التمن" وحزبه "الحزب الوطني العراقي" 1922 اضطر بعدها أبو التمن هو نفسه للانحياز نحو "الليبرالية الشعبوية" المؤسسة منذ 1932 ليدخل بذاته نطاق الوطنية الايديلوجية.
هذا النمط من الوطنية التي استمرت سائدة على مدى ثلاثة أرباع القرن، كانت قد أرسيت بالأصل على رؤى تأسيسية "استعمارية"، اضطلع بها ضباط كانوا ملحقين بالحملة البريطانية، أبرزهم اثنان هما فليب ويرلند، وهمفسلي لونغريك. والاول هو من أرسى سردية العراق المتشكل حديثا ضمن سياق الاندراج في السوق الرأسمالية العالمية، وما ترتب على ذلك من تحولات بنيوية مفترضة، بالانتقال من الإنتاج "للكفاف"، إلى الإنتاج للسوق، وظهور السلعة والسوق الوطنية الواحدة، ما ترجمته سياسيا، توحد الولايات العراقية / العثمانية الثلاث: بغداد والموصل والبصرة "وطنيا"، وهو المخطط الذي يعتمده كافة الحداثيين السياسيين يسارا ويمينا، كقاعدة ثابتة لوصف التشكل العراقي الحديث، بما فيهم وأبرزهم الاقتصادي اليساري الكبير "محمد سلمان الحسن"، بالأخص في كتاته الهام " التطور الاقتصادي في العراق: التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي1864/1958 ".
والسردية الاستعمارية المعتمدة كقاعدة للرؤية الايديلوجية، قامت على إلغاء لا بل محو طورين من تاريخ تشكل العراق الحديث، استغرقا قرابة قرنين ونصف القرن، قبل مجيء الاحتلال الانكليزي 1914/1917واقامة "السلطة الحديثة المركزية" التي تجمع الولايات العثمانية الثلاث عام 1921)استعملت في مقارباتي السابقة تعبير "الدولة الحديثة" وهو ما كررته طويلا، لكنني توصلت مؤخرا إلى أن تعبير "الدولة" لا ينطبق على شكل ومضمون الهياكل الحاكمة التي أقيمت منذ العشرينات في العراق تحديدا، ولربما في غيره من البلدان العربية، وان مصطلح "سلطة" قرب دلالة وتعريفا، بحكم انها لا تمثل النصاب الاجتماعي الذي مايزال قيد التشكل إلى الوقت الراهن( فالعراق الحالي بدأت علائم تشكله من جديد، بعد انهيار بناه الحضارية الإمبراطورية العباسية الطويل، ابتداء من دخول هلاكو بغداد عام 1258 حتى القرن السابع عشر، عندما بدأت بالظهور أولى "الاتحادات القبلية" في جنوب العراق، واسبقها وأهمها "اتحاد قبائل "المنتفك"/ المتفق/ ووقتها اتخذ المنتفق موقع المركز القيادي العراقي العربي بمقابل المماليك والعثمانيين، خاض بوجههم العشرات من الانتفاضات المسلحة، وعبر في وقت مبكر عن نزعات عربية لحكم العراق، بينما ظهرت تباعا اتحادات قبلية أخرى، أهمها "اتحاد" الخرعل في الفرات الأوسط.
هده الفترة من قيادة الزعماء القبليين والقبائل، توجت بأكبر استعراض ثوري لها عام 1787 بما أطلق عليه " الثورة الثلاثية" التي قادها ثلاثة من أهم الزعماء القبليين، من بغداد/ سليمان الشاوي / احد أمراء قبيلة العبيد/ ومن الفرات الأوسط " حمد ال حمود" شيخ مشايخ الخزاعل، ومن الجنوب " ثويني العبدللة" شيخ مشايخ المنتفك، والثورة بدأت بلجوء الشاوي الى المنتفك هاربا من الوالي العثماني، ما أدى لتوسع العصيان بوجه سليمان باشا الكبير، وقد كاتب ثويني العبدالله "حمد ال حمود"، فاستجاب له وانخرط في العصيان، ليتمكن الثلاثة بقوة قبائلهم من تحرير العراق من بغداد إلى الفاو، ويقوموا باحتلال البصرة، وطرد متسلمها، وترشيح قائدها " ثويني العبدالله" لولاية العراق، حسب ما نصت المضبطة التي وقعها شيوخ القبائل ووجهاء البصرة، ورفعوها للباب العالي في حينه.
فشلت الثورة المذكورة بانتهاء اكبر معاركها التي أوشك أن ينتصر فيها الثوار، بانتصار جيش الوالي المملوك سليمان الكبير)1780/1802(، والثورة المذكورة مطموسة وغائبة عن التداول التاريخي العراقي الحديث، مع أنها البروفه السابقة على ثورة العشرين الوطنية الكبرى، وتلقي أضواء هامة على خلفياتها و طبيعتها عدا آلياتها، كما توجه النظر لمسارات التشكل الوطني، وتتابعات حقبه وقواه السابقة على الاحتلال الانكليزي، عندما بدأ بالتراجع بسرعة فائقة موقع الزعامة الدينية، التي قادت فعليا الثورة الوطنية عام 1920.
والقيادة الثانية او التجديدية الدينية، بدأت نشاطها الدعوي الكبير بين القبائل منذ القرن الثامن عشر، وكان لشعور أبناء القبائل والمشايخ الأحرار، بالحاجة لقيادة اكثر فعالية وثباتا، اثر كبير في استقبالهم للدعاة "الموامنة"، الذين راحوا ينطلقون من النجف والحلة باتجاههم، ويعيشون وسطهم، بينما أسهم اندحار الثورة الثلاثية في تعزيز تلك الحاجة، ولم تكن القبائل العراقية في الجنوب والفرات الأوسط، كما يعتقد عموما "شيعية المذهب"، فالتشيع الحالي في جنوب العراق، حديث، أما التشيع الأقدم العباسي، فكان قد اندثر تقريبا في تلك المنطقة من العراق، بينما قامت النجف في سياق حركة التجديد الحديثة، بالتوغل داخل البحر العشائري المسلح، محولة إياه إلى جيش متناغم معها ومستجيب لقيادتها) من أهم من تناول هذه الظاهرة المستحثة عدا "ابن سند" مورخ الوالي داودباشا 1817/1831 الباحث الكويتي "فهد عبدالله النفيسي" في كتابه الذي هو أطروحته للدكتوراه "دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث (رسالة دكتوراه - جامعة كامبردج 1972 - ذات السلاسل - الكويت).
حركة التشييع تلك ترافقت مع تحولات داخل النجف "المدينة الدولة المقدسة الحديثة"، بما يتلائم مع بنية العشيرة العراقية الجنوبية، وسماتها القريبة من الشيوع والديمقراطية الفطرية، ومن هنا انبثقت آليات ممارسة"نظام الاجتهاد" و" التقليد" و " الحوزة" التي هي مبتدعات " دولة مدينه"، بمقاييس وديناميات لا تنتمي للكراهية السلطوية، ولا لاحتكار العنف والسلاح، فالتقليد هو وسيلة ربط القبيلة بالمراجع عقيديا، والاجتهاد نظام اقرب لممارسات النظام الداخلي العشيري و لإشكال تداول المشيحة والنفوذ فيها. والمعلوم أن ركائز هذا النظام هي التي شاعت وسادت في العصور الحديثة كثوابت للتشيع، وليس ما يقال بدون بينة ولا تدقيق، عن الغلبة "الصفوية"، فإيران من "قم" إلى "مشهد" عدا عن البحرين، أخذت بنظام الاجتهاد الشيعي العراقي، لا نظام السلطوية الصفوي، الذي زال ولم تعد له قواعد تمارس، والأدلة والشواهد في هذا المجال كثيرة ليس هنا مجال بسطها.
تلك العملية التجديدية العراقية الكبرى، تداخلت مع صعود حركة التشكل الوطني العراقي الحديث، واحتلت مكان مرحلته الثانية قبل الفترة الايديلوجية الأخيرة، التي استمرت من الثلاثينات حتى بداية القرن الحالي.

×××××××××××××

توقفت عملية التشييع العراقية الحديثة عند بغداد التي هي ذات غالبية شيعية بالأصل كما كان عليه الحال أيام العباسيين، في حين ظلت القبائل التي تقطن المناطق الغربية، وصولا إلى ما فوق الموصل على حالتها البدوية، وهي أصلا قبائل قريبة العهد بالعراق، دخلته على اثر الهياج القبلي الأخير مابين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، مع الفيوض الآتية من جزيرة العرب في حينه، وامتداداتها في صحراء الأردن والجزيرة، وصولا لأعالي سوريا، وقد دخل منها العراق بأثر الإزاحات والاقتتال الطويل، قبائل عنزه وشمر والضفير، بالتتابع، فأزاحت بعضها بعضا إلى الأعلى، لتبقى مستقلة بذاتها، وغير معنية بالتعرق فعليا إلا بعد قيام "السلطة المركزية"، فوجدت فيها مصدرا للمنعة ناهيك عن حكم الضرورة بعد قيام الكيانات وانغلاق الحدود، الأمر الذي يعكس خاصية الدوائر التضاريسية الاجتماعية العراقية التاريخية الثلاث، ويوجه النظر للتباينات الناجمة عنها.
لم يمنع وضع الاستحالة او الصعوبة القصوى المرجعية النجفية من الطموح لمد مذهبها إلى الشمال، وقد عرف من المراجع الكبار من مال لمثل هذه المحاولة، فالمرجع الأكبر صاحب فتوى تحريم التنباك التي تسببت بمقتل ناصر شاه في إيران على يد خادمه، نقل مقر المرجعية من النجف إلى سامراء، محاذيا بحر القبائل السنية المنتشرة هناك والى الغرب، والشيرازي ربما كان اهم مرجع شيعي في العصر الحديث، منذ أيام الشيخ المفيد الذي انتقل الى النجف من بغداد بعد خلافة المتوكل في القرن التاسع الميلادي ) يتزامن تاريخ النجف وتأسيسها مع تأسيس جامع الأزهر في مصر على يد الفاطميين(، فالشيرازي عرف بنزعته المناهضة للاحتلال الانكليزي، مع توحيديته الإسلامية الوطنية، وله مآثر مهمة، سواء في علاقته مع الحكام، ومنهم ناصر شاه نفسه عند زيارته للنجف، أو مع الحاكم الانكليزي الذي طلب مقابلته في سامراء، على اثر تعرض ابن المرجع لاعتداء من شباب من غير طائفته، ورفض الشيرازي استقباله، قائلا بان الأمر شان بين المسلمين لا دخل للانكليز فيه، وهو من اقام اول جسر في سامراء، واسقط حقه وحق ابنه في حادثة الاعتداء تلك، كما انه اصدر فتوى تحريم التنباك ضد الشركات الغربية، وقام بوساطة لدى الباب العالي لصالح جمال الدين الأفغاني فاعتمد هناك حتى وافاه اجله.
وحين توفي قبيل ثورة العشرين، تناوبت العشائر السنية على حمل نعشه من سامراء إلى النجف، إلا أن مآثر الشيرازي لم تصل لدرجة التأثير في القبائل المذكورة مذهبيا، كما حدث من قبل في جنوب ووسط العراق، وظلت حدود المذاهب في العراق عصية على الاختراق، فلم يكن يرد في البال تبلور ملامح موجة ثانية من التشييع لبقية القبائل العربية، وظل هذا الأمر بعيدا عن الأذهان، حتى بعد انهيار السلطة المركزية الحديثة بطورها الثاني عام 2003) عرفت السلطة المركزية الحديثة في العراق طورين، الأول الملكي استغرق الفترة بين 1921/ 1958 والثاني 1968/2003 وبينهما فترة عشر سنوات غير مستقرة( على يد الأمريكيين، فهؤلاء ارسوا نظاما يقوم على المحاصصة الطائفية، وهو يوفر حكما وعمليا ارجحية لإحدى المكونات العراقية لأسباب تتعلق بالارجحية العددية وتركز الثروة، فموقع الشيعة أصبح راجحا بعد الاحتلال الأمريكي بداهة، كما بحكم طبيعة "العملية السياسية" التي تم إرساؤها.
وبهذا فلقد اقترف الأمريكيون منذ غزوهم العراق خطيئتين، الأولى جاءت من استعدائهم المناطق الغربية وقبائلها، ما دفع بهؤلاء لحمل السلاح ومقاومتهم، والثانية ناجمة عن عدم تقديرهم لنتائج خيار المحاصصة الطائفية من حيث أثرها على صعيد حفظ التوازن بين المكونات المختلفة مستقبلا، بما في ذلك الخطر الاستراتيجي على موقع الأكراد، هذا مع عدم احتسابهم هم مع الدول العربية "المناصرة" للسنة، لوخامة النتائج المترتبة على خيار المحاصصة، بظل الارجحية العددية الشيعية، ناهيك عن غيرها من الافضليات، فمبدأ محاربة إيران في العراق بالسنة العراقيين، يترجم بظل "العملية السياسية الطائفية" موضوعيا، هزيمة تاريخية للسنة، عزز أسبابها إضافة للخيار الأمريكي، كل من "القاعدة" و " داعش"،فالأولى تسببت في الاحتراب الطائفي الأول 2006/،2007 وانتهى بخسارة السنة خاصة في بغداد واضطرارهم للهجرة الكبرى الأولى، والثانية تتسبب بها اليوم " داعش" منذرة بما هو أفدح.
وتكاد الفتوى التي أصدرها المرجع علي السيستاني بعد سقوط الموصل في حزيران من العام الماضي، تكرر بوسائل وظروف أخرى، عملية التشييع الأولى، مع ان الحالية عنفيه، وتتم عبر القتال "ضد داعش"/ للعلم فان 95 من أعضاء داعش عراقيون/ لاكما كانت الأولى دعوية صرفة، فإذا أمكن للحشد الشعبي "جيش المرجعية" استعادة تكريت وتحرير الرمادي، قبل التوجه إلى الموصل، فان العراق سيكون وقتها على مشارف التحول إلى كيان شيعي، ولن تبقى أمامه سوى ربما جولة صغرى لكي يتحول إلى الأحجية الشيعية المطلقة،فالقبائل السنية في المنطقة الغربية لن تجد أمامها من حل بعد هذه الجولة، سوى التفكير بالانقلاب المذهبي، يعزز ذلك تاريخ التسنن العراقي الحنفي الأقرب إلى مذهب الاثنا عشرية، وتوزع اغلب القبائل على الطائفتين، ووقتها يصبح من العسير تخيل اضطلاع اي من المكونات العراقية الأخرى بأي دور مؤثر مستقبلا، ناهيك عن ان يكون فعالا، وهذا الحكم ينسحب على الكرد الذين سيختل التوازن لغير صالحهم عراقيا، ومع احتساب اثر محاذاتهم إيران فسيكون وضعهم بمنتهى العسر.
لم يسبق لمرجعية النجف أن أصدرت " فتوى جهاد" منذ عام ،1914 أي منذ قرن كامل، فهل كان دافع السيد السيستاني الخوف من سقوط بغداد بيد "داعش" فعلا، أم انه استثمر الهياج الإعلامي العربي والغربي، ليمرر فتواه، بينما كان يضمر قصدا أخر مبيتا ومحفوظا في استراتيجيات المرجعية منذ عقود، وهل سيكون السيد السيستاني يا ترى، علامة من علامات المذهب الشيعي العراقي التاريخية الكبيرة، ويرتقي ربما لمستوى الشيرازي، بعد ان يصبح العراق في عهده "شيعيا"، بينما العرب خارج العراق يحسبونها بالمقلوب، ولا يتوقفون عن ارتكاب أفدح الأخطاء، ثم يولولون ويكذبون بلا حساب عبر الفضائيات.

ميسلون